نَبع

الأحداث التاريخية

رحلة عبر الزمن في تاريخنا الإسلامي العريق

#1537
العام الهجري :441الشهر القمري : جمادى الآخرةالعام الميلادي :1049

وفاة الحافظ أبي عبد الله محمد بن علي الصوري .

هو الحافِظُ أبو عبد الله مُحمَّدُ بنُ عليِّ بنِ عبد الله بن محمد الصوري، أحَدُ علماء الحديثِ؛ طلب الحديثَ بنَفسِه على الكِبَرِ، ورحَلَ في طلبه إلى الآفاق. كان من أعظَمِ أهل الحديث هِمَّةً في الطلب وهو شابٌّ، ثم كان من أقوى النَّاسِ على العمَلِ الصالحِ عزيمةً في حالِ كِبَرِه. كان صوَّامًا يَسرِدُ الصومَ إلَّا يومَيِ العيدينِ وأيام التشريق، وكان مع ذلك حَسَن الخُلُق جميلَ المعاشرة، محبًّا للشِّعرِ، وقد ذهبت إحدى عَينيه، وكان يكتُبُ بالأخرى المجَلَّدَ في جزءٍ. قال أبو الحسن الطيوري: "يقال إنَّ عامَّةَ كُتُبِ الخطيبِ سوى التاريخِ مُستفادةٌ مِن كُتُبِ أبي عبد الله الصوري، لَمَّا مات ترك كتبَه اثني عشر عِدلًا عند أخيه، فأخذ الخطيبُ بعض تلك الكتب فحوَلَّها في كتُبِه", وكان سبَبُ مَوتِه أنَّه افتصد فوَرِمَت يدُه، وقيل إنَّ ريشةَ الفاصد كانت مسمومةً لِغَيره فغَلِطَ ففَصَده بها، فكانت فيها منيَّتُه، فحُمِلَ إلى المارستان فمات به، ودُفِنَ بمقبرة جامع المدينة، وقد نَيَّف على الستين.

#1538
العام الهجري :441الشهر القمري : رجبالعام الميلادي :1049

وفاة مودود الغزنويّ وقيام عمه عبد الرشيد بالأمر بعده .

هو أبو الفَتحِ مَودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين الغزنويُّ، صاحِبُ غزنة، لَمَّا ملَكَ مودودٌ قَبَض على عمِّه عبدِ الرَّشيدِ بنِ محمود وسَجَنَه في قلعة ميدين، بطريقِ بست، وكاتَبَ أصحابَ الأطرافِ ودعاهم إلى نُصْرَتِه، وبذل لهم الأموالَ والإمرةَ على بلادِ خُراسان فأجابوه، منهم: أبو كاليجار صاحِبُ أصبهان، فإنَّه سار بجيوشِه في المفازة فهلك كثيرٌ مِن عسكره، ومَرِضَ هو ورجع، ومنهم خاقان التُّرك فإنَّه أتى ترمذ فنهَبَ وخَرَّب وصادَرَ، وسار مودودٌ مِن غزنة فاعتراه قولنج، فرجع وبَعَث وزيرَه لأخذ سجستان من الغز، وكان مَوتُه بغزنة, ومُدَّةُ مُلكِه تِسعَ سنين وعشرة أشهر،، ثم قام في المُلكِ بعده ولَدُه، فبقي خمسة أيام ثمَّ عَدَل النَّاسُ عنه إلى عَمِّه علي بن مسعود، فنزل عبدُ الرشيد إلى العَسكَرِ ودعاهم إلى طاعته، فأجابوه وعادوا معه إلى غزنة، فلمَّا قارَبَها هرب عنها عليُّ بنُ مسعود، ومَلَك عبد الرشيد، واستقَرَّ الأمر له، ولُقِّبَ شمس دين الله سيف الدَّولة، وقيل جمال الدَّولة، ودفع اللهُ شَرَّ مودود عن داود.

#1539
العام الهجري :442العام الميلادي :1050

الخوارج يستولون على عمان .

استولى الخوارجُ المُقيمونَ بجبال عُمان على مدينةِ الولاية، وسبَبُ ذلك أنَّ صاحِبَها الأمير أبا المُظَفَّر ابن الملك أبي كاليجار كان مُقيمًا بها، ومعه خادِمٌ له قد استولى على الأمورِ، وحَكَم على البلاد، وأساء السيرةَ في أهلها، فأخذ أموالَهم، فنفروا منه وأبغَضوه، وعَرَفَ إنسانٌ من الخوارجِ- يقالُ له ابنُ راشدٍ- الحالَ، فجمع مَن عنده منهم فقَصَد المدينةَ، فخرج إليه الأميرُ أبو المُظَفَّر في عساكِرِه، فالتَقَوا واقتَتَلوا، فانهزمت الخوارجُ وعادوا إلى موضِعِهم، وأقام ابنُ راشد مدَّةً يجمَعُ ويحتَشِدُ، ثم سار ثانيًا، وقاتله الديلم فأعانه أهلُ البلد لسوءِ سِيرةِ الديلم فيهم، فانهزم الديلم، وملَكَ ابنُ راشد البلد وقتل الخادِمَ وكثيرًا من الديلم، وقبض على الأميرِ أبي المظفَّر وسَيَّرَه إلى جباله مُستَظهرًا عليه، وسَجَن معه كُلَّ مَن خَطَّ بقلمٍ مِن الديلم، وأصحابَ الأعمال، وأخرب دارَ الإمارة، وقال: هذه أحقُّ دارٍ بالخراب، وأظهَرَ العدل، وأسقَطَ المكوسَ، واقتصر على رَفعِ عُشرِ ما يَرِدُ إليهم، وخطَبَ لنَفسِه، وتلقَّبَ بالراشد بالله، ولَبِسَ الصوف، وبنى موضعًا على شَكلِ مسجد، وقد كان هذا الرجلُ تَحَرَّك أيضًا أيامَ أبي القاسم بن مكرم، فسَيَّرَ إليه أبو القاسِمِ مَن منعه وحصَرَه وأزال طَمَعَه.

#1540
العام الهجري :442العام الميلادي :1050

محاولة المستنصر العبيدي الفاطمي استعادة نفوذه في إفْريقيَّة .

لَمَّا قطَعَ المُعِزُّ بنُ باديس الخطبةَ للفاطميِّينَ وخطَبَ للعباسيِّينَ، وأعلن بذلك انشقاقَه عن الفاطميِّينَ وولاءَه للعباسيِّينَ، كاد له المستنصِرُ الفاطميُّ حاكِمُ مِصرَ لَمَّا عجز عنه بنَفسِه وجَيشِه عن قَهرِه، أرسل إليه جموعًا مِن العرب الهلاليَّة مِن بني زغبة ورياح، وهم بطونُ بني عدي الأثبج، وكانوا يسكُنونَ على الضَّفَّة الشرقيَّة من صعيد مصر بعد قُدومِهم من نجد، وكان المستنصِرُ قد عقد لرؤسائِهم ورجالاتِهم على أمصارِ البلاد المغربيَّة وثُغورِها، وقلَّدَهم كثيرًا من الأعمال والولاياتِ؛ كلُّ ذلك انتقامًا مِن المعِزِّ بن باديس، فخرجت في هذه السَّنةِ أوَّلُ حملةٍ بنحوِ أربعمِئَة ألف شَخصٍ، فساروا حتى نزلوا بُرقةَ وأغاروا على طرابلس والقيروان ونَهَبوا وقطعوا الطريقَ، وصَدُّوا جميع الحَمَلاتِ التي سَيَّرَها المعِزُّ ضِدَّهم؛ مما اضطرَّ المعِزَّ للتحَوُّلِ إلى المهدية، ثم تلَتْها حَملاتٌ أخرى عُرِفَت في التاريخِ والقِصَص بتغريبةِ بني هلالٍ.

#1541
العام الهجري :442الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :1050

فَتحُ طُغرلبك بِلادَ أصبهان .

كان أبو منصورِ بن عَلاءِ الدَّولةِ، صاحبُ أصبهان، غيرَ ثابتٍ على طَريقةٍ واحدةٍ مع السُّلطانِ طغرلبك، كان يُكثِر التَّلَوُّنَ معه، تارةً يُطيعُه ويَنحازُ إليه، وتارةً يَنحرِف عنه ويُطيعُ المَلِكَ الرَّحيمَ البويهي، فأضمر له طُغرلبك سُوءًا، فلما عاد من خُراسان لِأَخذِ البلادِ الجَبليَّةِ من أَخيهِ إبراهيمَ ينال، واستولى عليها عَدَلَ إلى أصبهان عازِمًا على أَخذِها من أبي منصورٍ، الذي سَمِع بالخبرِ، فتَحَصَّن بِبَلدِه، واحتَمَى بِأَسوارِه، ونازَلَهُ طُغرلبك في المُحَرَّم، وأقام على مُحاصَرتِه نحوَ سَنَةٍ، وكَثُرَت الحروبُ بينهما، إلا أنَّ طُغرلبك قد استولى على سَوادِ البلدِ، وأَرسلَ سَرِيَّةً من عَسكرِه نحوَ فارس، فبلغوا إلى البَيضاء، فأغاروا على السَّوادِ هناك وعادوا غانِمينَ، ولمَّا طال الحِصارُ على أصبهان، وأخرَبَ أَعماَلها، ضاق الأمرُ بصاحبِها وأَهلِها، وأرسلوا إليه يَبذُلون له الطَّاعةَ والمالَ، فلم يُجِبهُم إلى ذلك، ولم يَقنَع منهم إلا بِتَسليمِ البلدِ، فصَبَروا حتى نَفَدَت الأقواتُ، ونَفَدَ الصَّبرُ، وانقطعت المَوادُّ، وسَلَّموا البلدَ إليه، فدَخَله وأَخرَج أجنادَه منه وأَقطَعَهم في بلادِ الجبلِ، وأَحسنَ إلى الرَّعِيَّة، وأَقطعَ صاحبَها أبا منصورٍ ناحيتي يزد وأبرقوية، وتَمَكَّن من أصبهان ودَخَلها في المُحَرَّم من سنة 443هـ واستَطابَها، وأقام فيها.

#1542
العام الهجري :442الشهر القمري : جمادى الأولىالعام الميلادي :1050

استيلاءُ الغُزِّ السلاجقة على مَدينةِ فَسا .

سار المَلِكُ أَلب أَرسلان بن داودَ ابن أخي طُغرلبك من مدينةِ مَرو بخُراسان، وقَصَد بِلادَ فارس في المَفازَة، فلم يَعلَم به أحدٌ، ولا أَعلَم عَمَّهُ طُغرلبك، فوَصَل إلى مَدينةِ فَسا، فانصرف النَّائِبُ بها من بين يديه، ودَخلَها أَلبُ أَرسلان فقَتَل من الدَّيلم بها ألفَ رَجُل، وعددًا كثيرًا من العامَّةِ، ونَهبوا ما قَدرُه ألف ألف دينار، وأسروا ثلاثةَ آلافِ إنسانٍ، وكان الأمرُ عظيمًا. فلمَّا فَرغوا من ذلك عادوا إلى خُراسان، ولم يَلبَثوا خَوفًا من طُغرلبك أن يُرسِل إليهم، ويأخُذ ما غَنموهُ منهم.

#1543
العام الهجري :443العام الميلادي :1051

فِتنةٌ عَظيمةٌ بين السُّنَّةِ والشِّيعَةِ ببغداد .

تَجدَّدت الفِتنةُ ببغداد بين السُّنَّةِ والشِّيعَة، وعَظُمَت أضعافَ ما كانت عليه قديمًا، وكان سببُ هذه الفِتنَة أنَّ أهلَ الكَرخ عَمِلوا أَبراجًا كَتَبوا عليها بالذَّهَبِ: محمدٌ وعَلِيٌّ خَيرُ البَشَرِ. وأَنكرَ السُّنَّةُ ذلك، وادَّعوا أنَّ المكتوبَ: محمدٌ وعَلِيٌّ خَيرُ البَشَرِ، فمَن رَضِيَ فقد شَكَر، ومَن أَبَى فقد كَفَر. وأَنكَر أهلُ الكَرخ الزِّيادةَ وقالوا: ما تَجاوَزنا ما جَرَتْ به عادتُنا فيما نَكتُبه على مساجِدِنا. فأَرسَل الخليفةُ القائمُ بأَمرِ الله أبا تَمَّام، نَقِيبَ العبَّاسِيِّين ونَقِيبَ العَلَوِيِّين، وهو عَدنان بن الرَّضي، لِكَشفِ الحالِ وإنهائِه، فكَتَبا بِتَصديقِ قَولِ الكَرخِيِّين، فأَمَرَ حينئذ الخليفةُ ونُوَّابُ المَلِكِ الرَّحيم البويهي بِكَفِّ القِتالِ، فلم يَقبَلوا، فأَمسَك نُوَّابُ المَلِكِ الرَّحيم عن كَفِّهِم غَيْظًا من رَئيسِ الرُّؤساءِ لِمَيْلِه إلى الحَنابِلَة، وتَشَدَّدَ رَئيسُ الرُّؤساءِ على الشِّيعَةِ، فمَحَوْا: خَيرَ البَشَر. وكتبوا: عليهما السَّلامُ. فقالت السُّنَّةُ: لا نرضى إلا أن يُقلَع الآجُرُّ، وأن لا يُؤَذَّنَ: حَيَّ على خَيرِ العَمَل. وامتَنَع الشِّيعَةُ من ذلك، ودام القِتالُ إلى ثالِثِ ربيعٍ الأوَّل، وقُتِلَ فيه رَجلٌ هاشِمِيٌّ مِن السُّنَّةِ، فحَمَلهُ أَهلُه على نَعْشٍ، وطافوا به في الحربِيَّة، وبابِ البَصرَةِ، وسائرِ مَحالِّ السُّنَّةِ، واسْتَنْفَروا النَّاسَ للأَخْذِ بِثَأْرِهِ، ثم دَفنوهُ عند أحمد بن حَنبل، وقد اجتمع معهم خَلْقٌ كَثيرٌ أضعافَ ما تَقدَّم. فلمَّا رجعوا من دَفنِه قَصَدوا مَشهدَ بابِ التِّبْنِ فأُغْلِقَ بابُه، فنَقَبوا في سُورِهِ وتَهَدَّدوا البَوَّابَ، فخافَهُم وفَتحَ البابَ فدخلوا ونَهَبوا ما في المَشهَدِ من قَناديلَ ومَحارِيبَ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وسُتُورٍ وغيرِ ذلك، ونَهَبوا ما في التُّربِ والدُّورِ، وأَدرَكهم اللَّيلُ فعادوا، فلمَّا كان الغَدُ كَثُرَ الجَمْعُ، فقَصَدوا المَشهَد، وأحرقوا جميعَ التُّربِ والآزاجِ، واحتَرقَ ضَريحُ موسى، وضَريحُ ابنِ ابنِه محمدِ بن عَلِيٍّ، والجوار، والقُبَّتانِ السَّاج اللَّتانِ عليهما، واحتَرَق ما يُقابِلهما ويُجاوِرهما من قُبورِ مُلوكِ بني بُويه الشِّيعَة، مُعِزِّ الدَّولَة، وجَلالِ الدَّولَة، ومن قُبورِ الوُزراءِ والرُّؤساءِ، وقَبرُ جَعفرِ بن أبي جَعفرِ المنصور، وقَبرُ الأمير محمدِ بن الرَّشيد، وقَبرُ أُمِّهِ زُبيدَة، فلمَّا كان الغَدُ خامِس الشَّهر عادوا وحَفَروا قَبرَ موسى بن جَعفرِ ومحمدِ بن عَلِيٍّ لِيَنقُلوهما إلى مَقبرَة أحمد بن حَنبل، فحال الهَدْمُ بينهم وبين مَعرفَة القَبرِ، فجاء الحَفرُ إلى جانِبِه، وسَمِعَ أبو تَمَّام نَقيبُ العبَّاسِيِّين وغَيرُه من الهاشِمِيِّين السُّنَّة الخَبَرَ، فجاؤوا ومَنَعوا عن ذلك، وقَصَد أهلُ الكَرخِ الشِّيعَة إلى خان الفُقهاءِ الحَنفِيِّين فنَهَبوه، وقَتَلوا مُدَرِّسَ الحَنفِيَّة أبا سعد السَّرخسي، وأحرقوا الخانَ ودُورَ الفُقهاءِ، وتَعَدَّت الفِتنةُ إلى الجانبِ الشَّرقيِّ، فاقْتَتَلَ أهلُ بابِ الطَّاقِ وسُوق بَجٍّ، والأساكِفَةُ -صُنَّاع الأحذية- وغَيرُهم، ولمَّا انتهى خَبَرُ إحراقِ المَشهَد إلى نُورِ الدَّولة دُبَيْسِ بن مَزْيَد عَظُم عليه واشتَدَّ وبَلَغ منه كُلَّ مَبلَغ؛ لأنَّه وأهلَ بَيتِه وسائِرَ أَعمالِه من النيل وتلك الوِلايَة كُلُّهم شِيعَة، فقُطِعَت في أَعمالِه خُطبةُ الإمامِ القائمِ بِأَمرِ الله، فرُوسِلَ في ذلك وعُوتِبَ، فاعتَذرَ بأنَّ أهلَ وِلايتِه شِيعَة، واتَّفَقوا على ذلك، فلم يُمكِنهُ أن يَشُقَّ عليهم، كما أنَّ الخليفةَ لم يُمكِنهُ كَفُّ السُّفَهاء الذين فعلوا بالمَشهدِ ما فعلوا، وأعاد الخُطبةَ إلى حالِها، ثم تَجدَّدَت هذه الفِتنةُ في السَّنَةِ التَّاليةِ في ذي القعدة.

#1544
العام الهجري :443العام الميلادي :1051

ابن أبى كاليجار البويهي يسيطر على بلاد إصطخر وشيراز .

سَيَّرَ المَلِكُ الرَّحيمُ ابن أبى كاليجار البويهي الشِّيعي أخاهُ الأميرَ أبا سعد في جَيشٍ إلى بلادِ فارس، وكان سببُ ذلك أنَّ المُقيمَ في قَلعةِ إصطخر، وهو أبو نصر بن خسرو، وكان له أَخَوان قَبَضَ عليهما هزارسبُ بن بنكير بِأَمْرِ الأَميرِ أبي منصور بن المَلِكِ أبي كاليجار، فكتَبَ إلى المَلِكِ الرَّحيم البويهي الشِّيعي يَبذُل له الطَّاعة والمُساعَدة، ويَطلُب أن يُسَيِّر إليه أخاهُ لِيُمَلِّكَهُ بلادَ فارس، فسَيَّرَ إليه أخاهُ أبا سعد في جَيشٍ، فوصَلَ إلى دولةِ أباذ، فأتاه كَثيرٌ مِن عَساكر فارس: الدَّيلمِ، والتُّرْكِ، والعَرَبِ، والأَكرادِ، وسار منها إلى قَلعةِ إصطخر، فنزل إليه صاحبُها أبو نصر، فلَقِيَهُ وأَصعدَهُ إلى القَلعةِ، وحمَلَ له وللعَساكر التي معه الإقامات والخِلَعِ وغيرها، ثم ساروا منها إلى قَلعةِ بهندر فحَصَروها، وأتاهُ كُتُبُ بعضِ مُستَحفِظي البلادِ الفارسيَّة بالطَّاعةِ، منها مُستَحفِظ درابجرد وغيرها، ثم سار إلى شيراز فمَلكَها في رمضان، فلمَّا سَمِعَ أخوهُ الأميرُ أبو منصور، وهزارسب، ومنصور بن الحسين الأسديُّ ذلك ساروا في عَسكرِهم إلى المَلِكِ الرَّحيم فهَزَموه، وفارَق الأهوازَ إلى واسط، ثم عَطَفوا من الأهوازِ إلى شِيراز لِإجلاءِ الأميرِ أبي سعدٍ عنها، فلمَّا قاربوها لَقِيَهم أبو سعدٍ وقاتَلَهم فهَزمَهم، فالتجَأُوا إلى جبلِ قَلعةِ بهندر، وتَكرَّرت الحروبُ بين الطائِفَتينِ إلى مُنتصفِ شَوَّال، فتَقدَّمت طائفةٌ من عَسكرِ أبي سعدٍ فاقتَتَلوا عامَّة النَّهارِ ثم عادوا، فلمَّا كان الغدُ التقى العَسكرانِ جميعًا واقتَتَلوا، فانهَزمَ عَسكرُ الأميرِ أبي منصور، وظَفَر أبو سعدٍ، وقَتَل منهم خَلْقًا كَثيرًا، واستَأمَن إليه كثيرٌ منهم، وصعد أبو منصور إلى قَلعةِ بهندر واحتَمَى بها، وأقام إلى أن عاد إلى مُلكِه، ولما فارَق الأميرُ أبو منصور الأهوازَ أُعيدَت الخطبة للمَلِكِ الرَّحيم، وأَرسلَ مَن بها مِن الجُندِ يَستدعونَه إليهم.

#1545
العام الهجري :443الشهر القمري : رمضانالعام الميلادي :1052

وفاة صاحبِ المَوصِل أَميرِ بني عُقيلٍ، وقيام إمارة قُريشِ بن بَدران .

زَعيمُ الدَّولة، أبو كامل، بَرَكَة بن المُقَلِّد، أميرُ بني عُقيلٍ، وصاحبُ المَوصِل بن المُسيبِ بن رافِع بن المُقلِّد بن جعفرِ بن عَمروِ بن المُهَنَّا بن عبدِ الرَّحمن بن بُرَيد -مُصغَّرًا- يَنتهِي إلى هوازن العُقَيلي، هو من بَيتٍ كَبيرٍ في الإمرَةِ. كان بَركةُ بن المُقلِّد قد غَلَب على المَوصِل وغَيرِها، وقَهَر أخاهُ قرواشا، وعاثَ وأَفسَد وعَسَف، وفي هذه السَّنَةِ انحدَر إلى تكريت في حُلَلِهِ قاصدًا نحوَ العِراق لِيُنازِعَ النُّوَّاب به عن المَلِكِ الرَّحيم، ويَنهَب البِلادَ، فلمَّا بَلغَها انتَقضَ عليه جُرحٌ كان أصابهُ من الغُزِّ لمَّا مَلَكوا المَوصِل، فتُوفِّي، ودُفِنَ بتكريت. واجتمعت العربُ من أصحابِه على تَأميرِ عَلَمِ الدِّين أبي المعالي قُريشِ بن بَدران بن المُقلِّد، فعاد بالحُلَلِ والعربِ إلى المَوصِل وأَرسَل إلى عَمِّه قِرواش، وهو تحت الاعتقالِ يُعلِمُه بوَفاةِ زَعيمِ الدَّولةِ، وقِيامِه بالإمارة، وأنَّه يَتَصرَّف على اختِيارِه، ويقوم بالأَمرِ نِيابةً عنه. فلمَّا وصل قُريشٌ إلى المَوصِل جَرى بينهُ وبين عَمِّه قِرواش مُنازَعة، ضَعُفَ فيها قِرواش، وقَوِيَ ابنُ أخيهِ، ومالت العربُ إليه، واستقَرَّت الإمارةُ له، وعاد عَمُّه إلى ما كان عليه من الاعتقالِ، ثم نَقلَهُ إلى قَلعةِ الجَرَّاحِيَّة مِن أَعمالِ المَوصِل، فاعتُقِلَ بها.

#1546
العام الهجري :444العام الميلادي :1052

أهل بغداد يقَدْحُون في نَسَبِ العُبيديِّين (الفاطميِّين) .

عُمِلَ مَحضَرٌ ببغداد يتضمن القَدْحَ في نَسَبِ العَلويِّين أصحاب مصر، وأنهم كاذبون في ادعائهِم النَّسَبَ إلى عَلِيِّ بن أبي طالبٍ، وعَزُوهُم فيه إلى الدَّيْصانِيَّة مِن المَجوس، والقَدَّاحِيَّة مِن اليهود، وكَتَبَ فيه العَلويُّون، والعبَّاسِيُّون، والفُقهاء، والقُضاة، والشُّهود، وعُمِلَ به عِدُّة نُسَخٍ، وسُيِّرَ في البِلادِ، وشِيعَ بين الحاضرِ والبادي.

#1547
العام الهجري :444العام الميلادي :1052

وَفاةُ عبدِ الرَّشيد بن محمود بن سُبُكْتِكِين صاحب غَزْنَة .

هو عبدُ الرَّشيد بن محمود بن سُبُكْتِكِين، مِن مُلوكِ الدَّولة الغَزْنويَّة، كان ابنُ أخيهِ مَوْدودُ بن مسعود قد حَبسَهُ في قَلعةِ ميدين، ولما تُوفِّي مَودود سنة 441هـ خَلَفَهُ وَلدٌ له، فبَقِيَ خَمسةَ أيَّامٍ ثم قَصدَ بعضُ النَّاسِ القَلعةَ وأَخرَجوا عبدَ الرَّشييد وبايعوه ودَخلوا معه غَزنَة، ولَقَّبوهُ شَمسَ دِين الله، وكان ضَعيفًا قَليلَ الحِيلَة، فلم يَطُل عَهدُه, فقد قَتلَهُ حاجبٌ لِمَودود اسمهُ طُغْرُل، وكان مَودود قد قَدَّمَهُ، ونَوَّه باسمِه، وزَوَّجَهُ أُختَه، فلمَّا تُوفِّي مَودود ومَلَكَ عبدُ الرَّشيد أَجرَى طُغرُل على عادتِه في تَقدُّمِه، وجَعلهُ حاجبَ حُجَّابِه، فأشار عليه طُغرُل بِقَصدِ الغُزِّ وإجلائهِم مِن خُراسان، فسَيَّرَهُ إليها، فقَوِيَ أَمرُ طُغرُل هذا إلى أن حَدَّثَتهُ نَفسُه بِمُلْكِ غَزْنَة بدل عبدِ الرَّشيد، فأَعمَل الحِيلةَ وعاد بالجُيوش التي كانت معه، وقَتَلَ عبدَ الرَّشيد وتَزوَّج أُختَه كُرْهًا ومَلَكَ البَلدَ.

#1548
العام الهجري :444العام الميلادي :1052

وُصولِ الغُزِّ السَّلاجِقَة إلى فارس وانهزامُهم عنها .

وَصلَ أَصحابُ السُّلطان طُغرُلبك إلى فارس، وبلغوا إلى شيراز، ونزلوا بالبَيضاءَ، واجتمع معهم العادلُ أبو منصور الذي كان وزيرَ المَلِكِ أبي كاليجار، ودَبَّرَ أَمرَهم، فقَبَضوا عليه وأخذوا منه ثلاثَ قِلاعٍ، وهي: قَلعةُ كَبْزَة، وقَلعةُ جُوَيْم، وقَلعةُ بَهَنْدَر، فأقاموا بها، وسار مِن الغُزِّ نحو مائتي رَجُلٍ إلى الأَميرِ أبي سعدٍ، أخي المَلِكِ الرَّحيم، وصاروا معه، وراسَل أبو سعدٍ الذي بالقِلاعِ المذكورةِ، فاستَمالَهم فأطاعوه وسَلَّموهُ القِلاعَ، إليه وصاروا في خِدمتهِ، واجتمع العَسكرُ الشيرازي، وعليهم الظَّهيرُ أبو نَصرٍ، وأوقعوا بالغُزِّ ببابِ شيراز، فانهزم الغُزُّ، وأُسِرَ تاجُ الدِّين نَصرُ بن هبة الله بن أحمد، وكان من المُقَدَّمين عند الغُزِّ، فلمَّا انهزم الغُزُّ سار العَسكرُ الشيرازي إلى فَسا، وكان قد تَغلَّب عليها بعضُ السَّفِل، وقَوِيَ أَمرُه لاشتغالِ العَساكرِ بالغُزِّ، فأزالوا المُتَغَلِّب عليها واستَعادُوها.

127 128 129 130 131
#

نَبْع

أصل صافٍ للمعرفة الشرعية

للمزيد قم بزيارة موقعنا

nabe.vercel.app