نَبع

الأحداث التاريخية

رحلة عبر الزمن في تاريخنا الإسلامي العريق

#1549
العام الهجري :444العام الميلادي :1052

ذِكرُ دُخولِ العَربِ إلى إفريقية بتَحريضٍ مِن حاكم مصر العُبيدِي .

في هذه السَّنَةِ دَخلتْ العَربُ إلى إفريقية, وسببُ ذلك أنَّ المُعِزَّ بن باديس كان خَطَبَ للقائم بأَمرِ الله الخليفة العبَّاسي، وقَطَع خُطبةَ المُستَنصِر العُبيدي الفاطمي صاحب مصر، فلمَّا فعل ذلك كَتَب إليه المُستَنصِر العَلويُّ يَتَهدَّدهُ، فأَغلظَ المُعِزُّ في الجوابِ، ثم شَرعَ المُستَنصِرُ ووَزيرهُ الحسنُ بن عَليٍّ اليازوري في إرسالِ العَربِ إلى أفريقية، وأصلحوا بني زُغْبَة ورِياحٍ، وكان بينهم حُروبٌ وحُقودٌ، وأعطوهم مالًا، وأَمروهُم بِقَصدِ بِلادِ القَيروان، ومَلَّكوهُم كُلَّ ما يَفتحونَه، ووَعَدوهُم بالمَدَدِ والعُدَدِ. فدَخلتْ العربُ إلى إفريقية، وكَتَب اليازوري إلى المُعِزِّ وكان حاقدا عليه: "أمَّا بعدُ، فقد أرسلنا إليكم خُيولًا فُحولًا، وحَملنا عليها رِجالًا كُهولًا، ليقضي الله أمرًا كان مَفعولًا". فاحلوا فلمَّا حَلُّوا أرضَ بَرْقَة وما والاها ووجدوا بِلادًا كَثيرةَ المَرْعَى خالِيَة مِن الأَهلِ، فأَقامَت العَربُ بها واستَوطَنَتها، وعاثوا في أَطرافِ البِلادِ, وبَلَغ ذلك المُعِزَّ فاحتَقَرهُم, وكانت عَربُ زُغبَة قد مَلكَت مَدينةَ طرابلس سنة 446هـ، فتَتابَعَت رِياحٌ والأثبجُ وبنو عَدِيٍّ إلى إفريقية، وقَطَعوا السَّبيلَ وعاثوا في الأرضِ، وأرادوا الوصولَ إلى القَيروان، فقال مُؤْنِسُ بن يحيى المِرداسيُّ: "ليس المُبادرَة عندي بِرَأيٍ. فقالوا: كيف تُحِبُّ أن تَصنعَ؟ قال: خُذوا شيئًا فشَيئًا حتى لا يَبقَى إلَّا القَيروان، فخُذوها حينئذٍ. فقالوا: أنت المُقَدَّمُ علينا، ولَسْنَا نَقطعُ أَمرًا دُونك". ثم قَدِم أُمراءُ العَربِ إلى المُعِزِّ فأَكرَمَهم وبَذَل لهم شيئًا كَثيرًا، فلمَّا خَرجوا مِن عِندِه لم يُجازُوهُ بما فَعلَ مِن الإحسانِ، بل شَنُّوا الغاراتِ، وقَطَعوا الطَّريقَ، وأَفسَدوا الزُّروعَ، وقَطَّعوا الثِّمارَ، وحاصَروا المُدُنَ، فضاق بالنَّاسِ الأَمرُ، وساءَت أَحوالُهم، وانقَطعَت أَسفارُهم، ونَزلَ بإفريقية بَلاءٌ لم يَنزِل بها مِثلُه قط، فحينئذٍ احتَفلَ المُعِزُّ وجَمعَ عَساكرَه، فكانوا ثلاثين ألف فارس، ومِثلَها رَجَّالَة، وسار حتى أَتَى جَنْدِران، وهو جَبَلٌ بينه وبين القَيروان ثلاثةُ أيَّامٍ، وكانت عُدَّةُ العَربِ ثَلاثةُ آلافِ فارس، فلمَّا رَأَتْ العَربُ عساكِر صنهاجة والعَبيدَ مع المُعِزِّ هالَهُم ذلك، وعَظُمَ عليهم، فقال لهم مُؤْنِسُ بن يحيى: ما هذا يوم فِرارٍ. والتَحَم القِتالُ واشتَدَّتْ الحَربُ، فاتَّفقَت صِنهاجَة على الهزيمةِ وتَرْكِ المُعِزِّ مع العَبيدِ حتى يَرَى فِعلَهم، ويُقتَل أَكثرُهم، فعند ذلك يَرجِعون على العَربِ، فانهَزمتْ صِنهاجَة وثَبَتَ العَبيدُ مع المُعِزِّ، فكَثُرَ القَتلُ فيهم، فقُتِلَ منهم خَلْقٌ كَثيرٌ، وأرادت صِنهاجة الرُّجوعَ على العَربِ فلم يُمكِنهُم ذلك، واستَمرَّت الهَزيمةُ، وقُتِلَ مِن صِنهاجة أُمَّةٌ عَظيمَة، ودَخلَ المُعِزُّ القَيروانَ مَهزومًا، على كَثرَةِ مَن معه، وأَخذتْ العَربُ الخَيْلَ والخِيامَ وما فيها مِن مالٍ وغَيرِه. ولمَّا كان يومُ النَّحْرِ من هذه السَّنَةِ جَمعَ المُعِزُّ سَبعةً وعِشرينَ ألف فارس، وسار إلى العَربِ جَرِيدَةً -الجريدة خَيْلٌ لا رَجَّالة فيها- وسَبَقَ خَبرُه، وهَجَم عليهم وهُم في صَلاةِ العِيد، فرَكِبَت العَربُ خُيولَهم وحَملَت، فانهَزَمت صِنهاجة، فقُتِلَ منهم عالَمٌ كَثيرٌ. ثم جَمعَ المُعِزُّ وخَرجَ بِنَفسِه في صِنهاجة وزِناتَة في جَمعٍ كَثيرٍ، فلمَّا أَشرفَ على بُيوتِ العَربِ، انتَشَب القِتالُ، واشتَعَلت نِيرانُ الحَربِ، وكانت العَربُ سَبعةَ آلافِ فارس، فانهَزَمت صِنهاجة، وزِناتَة، وثَبَتَ المُعِزُّ فيمَن معه من عَبيدِه ثَباتًا عَظيمًا لم يُسمَع بمِثلِه، ثم انهَزَم وعاد إلى المَنصوريَّة. وأحصي مَن قُتِلَ مِن صنهاجة ذلك اليوم، فكانوا ثلاثةَ آلاف وثلاثمائة. ثم أَقبلَت العَربُ حتى نَزلَت بمُصَلَّى القَيروان، ووَقعَت الحَربُ، فقُتِلَ مِن المَنصوريَّة ورقادة خَلْقٌ كَثيٌر، فلمَّا رأى ذلك المُعِزُّ أَباحَهم دُخولَ القَيروان لِمَا يحتاجون إليه مِن بَيعٍ وشِراءٍ، فلمَّا دخلوا استَطالَت عليهم العامَّةُ، ووَقعَت بينهم حَربٌ كان سَببُها فِتنةً بين إنسانٍ عَربيٍّ وآخرَ عامِيٍّ، وكانت الغَلَبةُ للعَربِ. وفي سنة 444هـ بُنِيَ سورُ زويلة والقَيروان، وفي سنة 446هـ حاصرت العَربُ القَيروانَ، ومَلَكَ مُؤنِسُ بن يحيى مدينةَ باجَة، وأَشارَ المُعِزُّ على الرَّعِيَّة بالانتقالِ إلى المَهديَّة لِعَجزِه عن حمايتهم من العَربِ. وشَرعَت العَربُ في هَدمِ الحُصونِ والقُصورِ، وقَطَّعوا الثِّمارَ، وخَرَّبوا الأَنهارَ، وأَقامَ المُعِزُّ والناسُ يَنتَقِلون إلى المَهديَّة إلى سَنةِ تِسعٍ وأربعين، فعندها انتَقلَ المُعِزُّ إلى المَهديَّة في شعبان، فتَلقَّاهُ ابنُه تَميمٌ، ومَشَى بين يَديهِ، وكان أَبوهُ قد وَلَّاهُ المَهديَّة سَنةَ خَمسٍ وأربعين، وفي رمضان من سَنةِ تِسعٍ وأربعين نَهبَت العَربُ القَيروانَ, وهكذا تَتابَعت هَزائمُ المُعِزِّ وعَسكرِه على يَدِ العَربِ بِدَعمٍ مِن المُستَنصِر العُبيدي حاكم مصر.

#1550
العام الهجري :444الشهر القمري : شوالالعام الميلادي :1053

وَفاةُ أبي عَمرٍو الدَّاني .

الإمامُ، الحافظُ، المُجَوِّدُ، المُقرِئُ، الحاذِقُ، عَالِمُ الأندلُس، أبو عَمرٍو عُثمانُ بن سَعيدِ بن عُثمان الدَّاني، المعروف بابنِ الصَّيْرَفِيِّ، وبأبي عَمرٍو الدَّاني، مالِكي المَذهَب، وُلِدَ سنة 371هـ بدأ بِطَلَبِ العِلمِ في قُرطبة سَنةَ 386هـ, ثم رَحلَ إلى المَشرِق وسَمِعَ الحَديثَ في القَيروان ومصر، وهو أَحدُ الأَئِمَّة في عِلمِ القُرآن رِواياتِه، وقِراءاتِه، وتَفسيرِه، ومَعانِيه، وطُرُقِه، وإعرابِه، وإليه انتهى عِلمُ القِراءات وإتقانُ القُرآن، وجَمعَ في ذلك كُلِّهِ تَواليفَ حِسانًا مُفيدةً، وله مَعرِفَة بالحَديثِ وطُرُقِه، وأسماء رِجالِه ونَقَلَتِهِ، وكان حَسَنَ الخَطِّ، جَيِّدَ الضَّبطِ، مِن أهلِ الذَّكاءِ والحِفظِ، والتَّفنُّنِ في العِلمِ، دَيِّنًا فاضِلًا، وَرِعًا مُجابَ الدَّعوةِ. لم يكُن في عَصرِه ولا بَعدَ عَصرِه أحدٌ يُضاهيهِ في حِفظهِ وتَحقيقِه، وكان يقول: "ما رأيتُ شَيئًا قط إلا كَتبتُه، ولا كَتبتُه إلا وحَفِظتُه، ولا حَفِظتُه فنَسيتُه". وكان يُسألُ عن المَسأَلةِ مما يَتعلَّق بالآثارِ وكلامِ السَّلفِ، فيُورِدها بجميعِ ما فيها مُسنَدَةً من شُيوخِه إلى قائلِها. وله مُؤلَّفاتٌ تُعتَبر هي المرجِعُ في القِراءات مثل: ((التَّيسير في القِراءاتِ السَّبْعِ))، و((المقنع في رَسْمِ المصاحِف)) و((المُحكَم في نَقْطِ المصاحِف)) و((الاهتداء في الوقفِ والابتداء)) وغيرها، قال الذهبي: " كان بين أبي عَمرٍو الدَّاني، وبين أبي محمد بن حَزمٍ وَحشَةٌ ومُنافرَةٌ شَديدةٌ، أَفضَت بهما إلى التَّهاجي، وهذا مَذمومٌ مِن الأَقرانِ، مَوفورُ الوُجودِ، نَسألُ اللهَ الصَّفحَ, وأبو عَمرٍو أَقْوَمُ قِيلًا، وأَتْبَعُ للسُّنَّةِ، ولكنَّ أبا مُحمدٍ أَوسعُ دَائِرةً في العُلومِ، بَلغَت تَواليفُ أبي عَمرٍو مائةً وعِشرين كِتابًا". تُوفِّي في الأَندلُس عن 73 عامًا. ودُفِنَ ليومِه بعدَ العَصرِ بِمَقبرةٍ دانِيَةٍ، ومَشى سُلطانُ البَلدِ أمامَ نَعشِه، وشَيَّعَهُ خَلْقٌ عَظيمٌ.

#1551
العام الهجري :445الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :1053

عَودةُ الفِتنَة بين السُّنَّةِ والشِّيعَة في الكَرخِ .

زادت الفِتنةُ بين شِيعَةٍ مِن أَهلِ الكَرخِ وغَيرهِم مِن أَهلِ السُّنَّةِ، وكان ابتِداؤُها أواخرَ سَنَةِ أربعٍ وأربعين في ذي القعدة، فلمَّا كان الآن عَظُمَ الشَّرُّ، واطَّرَحَت المُراقبَة للسُّلطان، واختَلطَ بالفَريقينِ طوائفُ مِن الأتراكِ، فلمَّا اشتَدَّ الأمرُ اجتمع القُوَّادُ واتَّفَقوا على الرُّكوبِ إلى المَحالِّ، وإقامةِ السِّياسةِ بأهلِ الشَّرِّ والفَسادِ، وأَخَذوا مِن الكَرخِ إِنسانًا عَلويًّا وقَتلوهُ، فَثارَ نِساؤُه، ونَشَرْنَ شُعورَهُنَّ واسْتَغَثْنَ، فتَبِعَهُنَّ العامَّةُ من أهلِ الكَرخِ، وجَرى بينهم وبين القُوَّاد ومن معهم من العامَّةِ قِتالٌ شَديدٌ، وطَرحَ الأتراكُ النَّارَ في أَسواقِ الكَرخ، فاحتَرقَ كَثيرٌ منها، وأَلحَقَتها بالأرضِ، وانتَقَل كَثيرٌ من الكَرخِ إلى غَيرِها من المَحالِّ، ونَدِمَ القُوَّادُ على ما فَعلوهُ، وأَنكرَ الخَليفةُ القائمُ بأَمرِ الله ذلك، وصَلُحَ الحالُ، وعاد النَّاسُ إلى الكَرخِ، بعد أن استَقرَّت القاعدةُ بالدِّيوان بِكَفِّ الأتراكِ أَيديَهم عنهم.

#1552
العام الهجري :445الشهر القمري : جمادى الأولىالعام الميلادي :1053

استِيلاءُ المَلِكِ الرَّحيم البُويهي الشِّيعي على أرجان .

استولى المَلِكُ الرَّحيم البويهي  الدَّيلمي الشِّيعي على مَدينةِ أرجان، وأَطاعهُ مَن كان بها مِن الجُندِ، وكان المُقَدَّمُ عليهم فولاذ بن خُسرو الدَّيلمي، وكان قد تَغلَّب على جِوارِها مِن البِلادِ إِنسانٌ مُتَغَلِّبٌ يُسمَّى خشنام، فأَنفذَ إليه فولاذ جَيشًا فأَوقَعوا به وأَجْلَوْهُ عن تلك النَّواحي، واستَضافوا إلى طَاعةِ المَلِكِ الرَّحيم، وخاف هزارسب بن بنكير من ذلك لأنَّه كان مُبايِنًا للمَلِكِ الرَّحيم، فأَرسلَ يَتَضرَّع ويَتَقرَّب، ويَسأَل التَّقَدُّمَ إلى فولاذ بإحسانِ مُجاورَتِه، فأُجِيبَ إلى ذلك.

#1553
العام الهجري :445الشهر القمري : شوالالعام الميلادي :1054

إِيقاعُ البساسيري بِقُطَّاعِ الطَّريقِ مِن الأَكرادِ والأَعرابِ .

وَصلَ الخَبرُ إلى بغداد بأنَّ جَمْعًا من الأَكرادِ والأَعرابِ قد أَفسَدوا في البلادِ، وقَطَعوا الطَّريقَ، ونَهَبوا القُرى، طَمعًا في السَّلْطَنَةِ بسَببِ الغُزِّ، فسار إليهم البساسيري -وكان مملوكاً تركياً من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة- وتَبِعَهُم إلى البَوازيج -بلد قُربَ تكريت-، فأَوقعَ بِطَوائفَ كَثيرةٍ منهم، وقَتَّلَ فيهم، وغَنِمَ أَموالَهم، وانهَزمَ بعضُهم فعَبَروا الزَّابَ عند البَوازيج فلم يُدرِكهُم، وأَرادَ العُبورَ إليهم، وهُم بالجانبِ الآخر، وكان الماءُ زائدًا، فلم يَتمكَّن من عُبورهِ، فنَجَوْا.

#1554
العام الهجري :445الشهر القمري : شوالالعام الميلادي :1054

الأَميرُ أبو مَنصور البويهي  الشِّيعي يَستَولي على شيراز .

عاد الأميرُ أبو منصور فولاستون ابن المَلِكِ أبي كاليجار البويهي  الدَّيلمي الشِّيعي إلى شيراز مُستَولِيًا عليها، وفارَقَها أخوهُ الأميرُ أبو سعدٍ، وكان سببُ ذلك أنَّ الأميرَ أبا سعدٍ كان قد تَقدَّم معه في دَولتِه إنسانٌ يُعرفُ بعَميدِ الدِّين أبي نصرِ بن الظَّهير، فتَحَكَّم معه، واطَّرحَ الأجنادَ واستَخَفَّ بهم، وأَوحشَ أبا نصرِ بن خسرو، صاحب قَلعةِ إصطخر، الذي كان قد استَدعَى الأميرَ أبا سعدٍ ومَلَّكَهُ، فلمَّا فعل ذلك اجتمعوا على مُخالَفَتِه وتَأَلَّبوا عليه، وأَحضرَ أبو نَصرِ بن خسرو الأميرَ أبا منصور بن أبي كاليجار إليه! وسَعى في اجتماعِ الكَلمةِ عليه، فأجابه كثيرٌ من الأجنادِ لِكَراهتهِم لعَميدِ الدِّين، فقَبَضوا عليه، ونادوا بِشِعارِ الأميرِ أبي منصور، وأَظهروا طاعتَه، وأَخرَجوا الأميرَ أبا سعدٍ عنهم، فعاد إلى الأهوازِ في نَفَرٍ يَسيرٍ، ودخلَ الأميرُ أبو منصور إلى شيراز مالِكًا لها، مُستَولِيًا عليها، وخَطَب فيها لطُغرلبك، وللمَلِكِ الرَّحيم، ولِنَفسِه بعدهما.

#1555
العام الهجري :446العام الميلادي :1054

غَزوُ السُّلطانِ طُغرلبك أذربيجان ثم الرُّومِ .

سار طُغرلبك إلى أذربيجان، فقَصدَ تبريزَ، وصاحبُها الأميرُ أبو منصور وهسوذان بن محمد الرَّوادي، فأَطاعَه وخَطَب له وحَمَلَ إليه ما أَرضاهُ به، وأَعطاهُ وَلَدَهُ رَهينةً، فسار طُغرلبك عنه إلى الأميرِ أبي الأسوارِ، صاحبِ جنزة - بَلدَة من بلادِ أذربيجان- فأَطاعَهُ أيضًا وخَطَب له، وكذلك سائرُ تلك النَّواحي أَرسَلوا إليه يَبذُلون الطَّاعةَ والخُطبةَ، وانقادَت العَساكرُ إليه، فأَبقَى بِلادَهم عليهم، وأَخذَ رَهائِنَهم وسار إلى أَرمينية، وقَصدَ ملازكرد، وهي للرُّومِ، فحَصَرها وضَيَّقَ على أَهلِها، ونَهبَ ما جاوَرَها من البلادِ وأَخرَبَها، وهي مدينةٌ حَصينَة، فأَرسلَ إليه نَصرُ الدَّولةِ بن مَروان، صاحبُ دِيارِ بَكْرٍ، الهدايا الكثيرة والعَساكِر، وقد كان خَطَبَ له قبلَ هذا الوَقتِ وأَطاعَهُ، وأَثَّرَ السُّلطانُ طُغرلبك في غَزْوِ الرُّومِ آثارًا عظيمةً، ونال منهم مِن النَّهْبِ والقَتْلِ والأَسْرِ شَيئًا كثيرًا، وبلغَ في غَزوتِه هذه إلى أرزن الرُّومِ، وعاد إلى أذربيجان، لمَّا هَجمَ الشِّتاءُ، من غير أن يَملِك ملازكرد، وأَظهَر أنَّه يُقيم إلى أن يَنقَضي الشِّتاءُ، ويَعودُ يُتِمُّ غَزاتِه، ثم تَوجَّه إلى الرَّيِّ فأقامَ بها إلى أن دخلت سَنةُ سَبعٍ وأربعين وعاد نحوَ العراق.

#1556
العام الهجري :446العام الميلادي :1054

مُعاهدةٌ بين العُبيديِّينَ الفاطِميِّينَ والرُّومِ .

أُصيبَت مِصرُ بِقَحْطٍ شَديدٍ وغَلاءٍ شَديدٍ كاد يُهلِكُهم، فعَقدَ المُستنصِرُ الفاطِميُّ مع الإمبراطورِ البيزنطي قُسطنطين التاسِع مُعاهدةً مُوجِبُها أن يَمُدَّ الرُّومُ مِصرَ بالغِلالِ والأَقواتِ لِتَجاوُزِ المَجاعةِ التي حَلَّت بهم، لكنَّ إمبراطورَ الرُّومِ يَموتُ قبلَ الوَفاءِ بالمُعاهدةِ، ويَتولَّى أَمرَ الرُّومِ الإمبراطورة تيودورا فاشتَرطَت أن يَتَعهَّدَ الفاطِميونَ الدِّفاعَ عن الرُّومِ في حالِ التَّعَدِّي عليهم لِتُنَفِّذَ هذه المُعاهدة السَّابقة؛ لكنَّ المُستنصِرَ لم يَرضَ بهذا الشَّرْطِ، عِلْمًا أنَّ الرُّومَ كانوا قد أَرسَلوا هَدايا قبلَ ذلك منها كَثيرٌ مِن القَمحِ والغَلَّاتِ التي ساعدت في هذه المَجاعةِ، كما حَصَلَ قِتالٌ بين الرُّومِ وبين بَعضِ الجُيوشِ المُتاخِمَةِ لهم.

#1557
العام الهجري :446الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :1054

فِتنةُ الجُندِ الأَتراكِ ببغداد .

كانت فِتنةُ الجُندِ الأَتراكِ ببغداد، وكان سَببُها أنهم تَخَلَّفَ لهم على الوزيرِ الذي للمَلِكِ الرَّحيم مَبلَغٌ كَثيرٌ مِن رُسومِهم، فطالبوهُ، وأَلَحُّوا عليه، فاختَفَى في دارِ الخِلافةِ، فحَضَر الأتراكُ بالدِّيوانِ وطالبوهُ، وشَكَوْا ما يَلقَوْنَه منه من المَطْلِ بمالِهم، فلم يُجابوا إلى إظهارهِ، فعَدَلوا عن الشَّكوَى منه إلى الشَّكوَى من الدِّيوان، وقالوا: إنَّ أربابَ المُعاملات قد سَكَنوا بالحَريمِ، وأَخَذوا الأموالَ، وإذا طَلَبناهُم بها يَمتَنِعون بالمَقامِ بالحَريمِ، وانتَصَب الوَزيرُ والخَليفةُ لِمَنعِنا عنهم، وقد هَلكنا، فتَردَّد الخِطابُ منهم، والجوابُ عنه، فقاموا نافِرينَ، فلمَّا كان الغَدُ ظَهَرَ الخَبَرُ أنَّهم على عَزْمِ حَصْرِ دارِ الخِلافةِ، فانزَعَج النَّاسُ لذلك، وأَخْفَوْا أَموالَهم، وحَضرَ البساسيري دارَ الخِلافةِ، وتَوصَّل إلى مَعرفةِ خَبرِ الوَزيرِ، فلم يَظهَر له على خَبرٍ، فطُلِبَ من دارهِ ودُورِ مَن يُتَّهَمُ به، وكُبِسَت الدُّور، فلم يَظهَروا له على خَبرٍ، ورَكِبَ جَماعةٌ مِن الأَتراكِ إلى دارِ الرُّومِ فنَهبوها، وأَحرَقوا البِيَعَ والقَلَّايات، ونَهَبوا فيها دارَ أبي الحسنِ بن عُبيدٍ، وَزير البساسيري، ونَهبَ الأَتراكُ كُلَّ مَن وَرَدَ إلى بغداد، فغَلَت الأَسعارُ، وعُدِمَت الأَقواتُ، وأَرسلَ إليهم الخَليفةُ يَنهاهُم، فلم يَنتَهوا، فأَظهَر أنَّه يُريدُ الانتِقالِ عن بغداد، فلم يُزجَرُوا، هذا جَميعهُ والبساسيري غيرُ راضٍ بِفِعلِهم، وهو مُقيمٌ بدارِ الخليفةِ، وتَردَّدَ الأمرُ إلى أن ظَهرَ الوَزيرُ، وقام لهم الباقي بالباقي مِن مالِهم مِن مالِه، وأَثمانِ دَوابِّهِ، وغَيرِها، ولم يَزالوا في خَبْطٍ وعَسَفٍ، فعاد طَمَعُ الأَكرادِ والأَعرابِ أَشَدَّ منه أَوَّلًا، وعاوَدوا الغارةَ والنَّهْبَ والقَتْلَ، فخُرِّبَت البلادُ وتَفَرَّق أَهلُها، فازداد خَوفُ النَّاسِ من العامَّةِ والأَتراكِ، وعَظُمَ انحلالُ أَمرُ السَّلطَنةِ بالكُلِّيَّةِ، وهذا من ضَررِ الخِلاف.

#1558
العام الهجري :446الشهر القمري : رمضانالعام الميلادي :1054

ابْتِداءُ الوَحشَةِ بين البساسيري التُّركي وبين الخَليفَةِ العبَّاسي .

ابتَدأَت الوَحشةُ بين الخَليفةِ وأَرسِلان التُّركي المعروف بالبساسيري الذي قد عَظُمَ أَمرُه واستَفحَل، واستَولَى على البلادِ وطار اسمُه، وخافَتهُ أُمراءُ العَربِ والعَجَمِ، ودُعِيَ له على كَثيرٍ من المَنابِر العِراقيَّة والأهوازِ ونَواحِيها، ولم يكُن للخَليفَةِ قَطْعٌ ولا وَصْلٌ دُونَه، ثم صَحَّ عند الخَليفةِ سُوءُ عَقيدَتِه، وشَهِدَ عنده جَماعةٌ مِن الأَتراكِ أنَّه عازمٌ على نَهْبِ دارِ الخِلافَةِ، وأنَّه يُريدُ القَبضَ على الخَليفةِ، فعند ذلك كاتَبَ الخَليفةُ محمدَ بن ميكائيل بن سلجوق المُلَقَّبَ بطُغرلبك يَسْتَنْهِضَهُ على المَسيرِ إلى العراقِ، فانْفَضَّ أَكثرُ مَن كان مع البساسيري وعادوا إلى بغداد سريعًا، ثم أَجمعَ رَأيُهم على قَصْدِ دارِ البساسيري وهي في الجانب الغربي فأَحرَقوها، وهَدَموا أَبنِيَتَها.

#1559
العام الهجري :447العام الميلادي :1055

ابتِداءُ الوَحشَةِ بين الرُّومِ والعُبيدِيِّين (الفاطِميِّين) .

كان القاضي أبو عبدِ الله القضاعي قد تَوَجَّه من عند المُستَنصِر حاكم مصر العُبيدي برِسالةٍ إلى مُتَمَلِّكِ الرُّومِ، فقَدِمَ وهو بالقُسطنطينيَّة رَسولُ السُّلطانِ طُغرلبك بن سلجوق يَلتَمِس من المَلِكَة تيودورا أن تُمَكِّنَ رَسولَه مِن الصَّلاةِ في جامعِ قُسطنطينيَّة، فأَذِنَت له في ذلك؛ فدَخلَ إليه وصَلَّى به، وخَطَبَ للخَليفةِ القائمِ بأَمرِ الله العبَّاسي. فبَعَثَ القَضاعيُّ بذلك إلى المُستنصِر، فأحاط المُستنصِر بما في بِيعَةِ قُمامَة وأَخذَهُ، وأَخرجَ البِطْرَكَ منها إلى دارِ مُفرَدَةٍ؛ وأَغلقَ أَبوابَ كنائِس مصر والشام، وطالَب الرُّهبانَ بالجِزيَةِ لأَربعِ سِنين، وزاد على النَّصارى في الجِزيَة. وكان هذا ابتداءُ فَسادِ ما بين الرُّومِ والمِصريِّين.

#1560
العام الهجري :447الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :1055

استِيلاءُ المَلِكِ الرَّحيم البويهي  الشِّيعي على شيراز .

سار قائدٌ كبيرٌ من الدَّيلمِ، يُسمَّى فولاذ، وهو صاحبُ قَلعةِ إصطخر، إلى شيراز، فدَخلَها وأَخرجَ عنها الأَميرَ أبا منصور فولاستون، ابنَ المَلِكِ أبي كاليجار، فقَصدَ فيروزآباذ وأَقامَ بها، وقَطعَ فولاذ خُطبةَ السُّلطانِ طُغرلبك في شيراز، وخَطبَ للمَلِكِ الرَّحيمِ، ولأَخيهِ أبي سعدٍ، وكاتَبَهُما يُظهِر لهُما الطَّاعةَ، فعَلِمَا أنَّه يَخدَعهُما بذلك، فسار إليه أبو سعدٍ، وكان بأرجان، ومعه عَساكرُ كثيرةٌ، واجتمع هو وأَخوهُ الأَميرُ أبو منصور على قَصْدِ شيراز ومُحاصرتِها بَعدَ أن اتَّفَقَا على طَاعةِ أَخيهِما المَلِكِ الرَّحيم، فتَوَجَّهَا نَحوَها فيمَن معهما مِن العَساكِر، وحَصَرَا فولاذ فيها، وطال الحِصارُ إلى أن عُدِمَ القُوتُ فيها، وبَلَغَ سِعرُ سَبعةِ أَرطالٍ حِنطَة بدِينار ومات أَهلُها جُوعًا، وكان مَن بَقِيَ فيها نحوَ أَلفِ إنسانٍ، وتَعَذَّرَ المُقامُ في البَلدِ على فولاذ، فخَرَجَ هاربًا مع مَن في صُحبَتِه من الديلم إلى نَواحي البَيضاءِ وقَلعةِ إصطخر، ودَخَل الأَميرُ أبو سعدٍ، والأميرُ أبو منصور شيراز، وعَساكِرُهما، ومَلَكوها، وأَقاموا بها.

128 129 130 131 132
#

نَبْع

أصل صافٍ للمعرفة الشرعية

للمزيد قم بزيارة موقعنا

nabe.vercel.app