وفاة عبد الله بن قحطان آخر حكام بني يعفر وقيام الدولة الصليحية .
مع وفاةِ عبدِ اللهِ بنِ قَحطانَ آخِرِ حُكَّامِ بَني يَعفُرَ، انتَهى حُكمُهم، وظلَّت البِلادُ في حالةِ فَوضى سياسيةٍ، إلى أنْ جاء إلى الحُكمِ بنو الصُّلَيحيِّ عامَ 1047م/439هـ. ومِن أبرَزِ حُكَّامِ هذه الأُسرةِ الملكةُ الحُرَّةُ أرْوى بِنتُ الصُّلَيحِ. وظلت البِلادُ مُنقَسمةً على بَعضِها، وفي هذا العَصرِ جاءَ سَلاطِنةُ هَمَدانَ لتوَلِّي السُّلطةِ في صَنعاءَ عامَ 1088م/481هـ، واستَمرَّت السُّلطةُ تنتقلُ بينَ أفرادِ الأُسرةِ الصُّلَيحيَّةِ حتى بدأ العصرُ الأيُّوبيُّ عامَ 1173م/569هـ.
#1526
العام الهجري :439العام الميلادي :1047
مسير إبراهيم ينال السلجوقي إلى قلعة كنكور .
سار إبراهيم ينال إلى قلعة كنكور، وبها عكبر بن فارس- صاحِبُ كرشاسف بن علاء الدَّولة- يحفَظُها له، فامتنع عكبر بها إلى أن فَنِيَت ذخائره، وكانت قليلةً، فلمَّا نَفِدَت الذخائِرُ عَمِلَ حيلة وطلب الأمانَ على تسليمِ القلعةِ، ثمَّ لَمَّا تسلَّمَها إبراهيمُ، صَعِدَ إلى القلعة فانكشفت الحيلة، فسار عكبر بمن معه إلى قلعة سرماج، وصَعِدَ إليها، ولَمَّا ملك ينال كنكور عاد إلى همذان، فسَيَّرَ جيشًا لأخذ قلاعِ سرخاب، واستعمل عليهم نَسيبًا له اسمُه أحمد، وسَلَّمَ إليه سرخابًا ليفتح به قلاعَه، فسار به إلى قلعة كلكان، فامتنعت عليه، فساروا إلى قلعةِ دزديلويه فحصَروها، وسارت طائفةٌ منهم إلى أبي الفتح بن ورام، الذي قاتَلَهم، فظَفِرَ بهم، وقتل وأسَرَ جماعةً منهم، وغَنِمَ ما معهم، ورجع الباقون، وأرسل إلى بغدادَ يطلُبُ نجدةً خَوفًا من عَودِهم، فلم يُنجِدوه لعدم الهَيبةِ وقلَّة إمساكِ الأمر، فعبَرَ بنو ورام دجلةَ إلى الجانب الغربي، ثمَّ إنَّ الغز أسْرَوا إلى سعدي بن أبي الشوك في رجب، وهو نازِلٌ على فرسخين من باحسري، وكبسوه، فانهزم وقُتِلَ منهم خلقٌ كثير، وغَنِمَ الغزُّ أموالَهم، ونجا سعدي من الوقعةِ بجريعة الذقنِ، ونهب الغزُّ الدسكرة، وباجسري، والهارونية، وقصر سابور وجميع تلك الأعمال، ووصلَ الخبَرُ إلى بغداد بأنَّ إبراهيم ينال عازِمٌ على قصد بغداد، فارتاع النَّاسُ، واجتمع الأمراءُ والقُوَّاد إلى الأميرِ أبي منصور ابنِ المَلِك أبي كاليجار البويهي؛ ليجتمعوا ويسيروا إليه ويمنَعوه، واتَّفَقوا على ذلك، فلم يخرجْ غيرُ الأميرِ أبي منصور والوزير ونفر يسيرٍ، وتخلَّف الباقون، وهَلَك مِن أهل تلك النواحي المنهوبة خلقٌ كثيرٌ، ثمَّ إنَّ إبراهيم ينال سار إلى السيروان، فحصر القلعةَ، وضَيَّقَ على من بها، وأرسل سريَّةً نَهَبَت البلاد، وانتَهَت إلى مكانٍ بينه وبين تكريت عشرةُ فراسخ، ودخل بغدادَ مِن أهل طريق خراسان خلقٌ كثير، وذَكَروا مِن حالهم ما أبكى العُيونَ، ثُمَّ سلَّمَها إليه مُستحفَظُها، بعد أن أمَّنَه على نفسِه وماله، وأخذ منها ينالُ مِن بقايا ما خَلَّفَه سعدي شيئًا كثيرًا، ولَمَّا فتحها استخلف فيها مُقَدَّمًا كبيرًا من أصحابِه يقال له سخت كمان، وانصرف إلى حلوان، وعاد منها إلى همذان ومعه بدر ومالك ابنا مهلهل فأكرَمَهما.
#1527
العام الهجري :439العام الميلادي :1047
الأصفر التغلبي يغزو بلاد الروم .
ظهر الأصفَرُ التغلبيُّ برأس عين -مدينة سورية تقع على الحدود التركية السورية-، وادَّعى أنَّه من المذكورينَ في الكتب، واستغوى قومًا بمَخاريقَ، وجمع جمعًا وغزا نواحيَ الروم، فظَفِرَ وغَنِمَ وعاد، وظهَرَ حَديثُه، وقوِيَ ناموسُه، وعاودوا الغزوَ في عدد أكثَرَ مِن العدد الأول، ودخل نواحيَ الروم وأوغل، وغَنِمَ أضعافَ ما غَنِمَه أولًا، وتسامع النَّاسُ به فقصدوه، وكثُرَ جَمعُه، واشتَدَّت شوكتُه، وثقُلَت على الروم وطأتُه، فأرسل ملك الروم إلى نصرِ الدَّولة بن مروان صاحِبِ ديارِ بكرٍ يقول له: إنَّك عالمٌ بما بيننا من المُوادَعة، وقد فعل هذا الرجلُ هذه الأفاعيل، فإن كنتَ قد رجعتَ عن المهادنةِ فعَرِّفْنا لنُدَبِّرَ أمْرَنا بحَسَبِه، واتَّفَق في ذلك الوقتِ أنْ وَصَل رسولٌ مِن الأصفَرِ إلى نصر الدَّولة أيضًا، يُنكِرُ عليه تركَ الغَزوِ والميلَ إلى الدعة، فساءه ذلك أيضًا، واستدعى قومًا مِن بني نمير وقال لهم: إنَّ هذا الرجلَ قد أثار الرومَ علينا، ولا قُدرةَ لنا عليهم، وبذَلَ لهم مالًا على الفتك به، فساروا إليه، فقَرَّبَهم، ولازَموه، فرَكِبَ يومًا غير متحَرِّز، فأبعد وهم معه، فعَطَفوا عليه وأخذوه وحَمَلوه إلى نصر الدَّولة بن مروان، فاعتقَلَه وسَدَّ عليه باب السِّجنِ، وتلافى أمرَ الرومِ.
#1528
العام الهجري :439العام الميلادي :1047
الوباء والغلاء بالعراق .
كان ببغداد والمَوصِل، وسائِرِ البلاد العراقيَّة والجزيرة، غلاءٌ عظيم، حتى أكَلَ النَّاسُ المَيتةَ، وتَبِعَه وَباءٌ شَديدٌ مات فيه كثيرٌ مِن الناس، حتى خَلَت الأسواق، وزادت أثمانُ ما يَحتاجُ إليه المرضى، كما حدث وباءٌ شديد بالعراق والجزيرة، بسبب جِيَفِ الدوابِّ التي ماتت، فمات فيها خلقٌ كثيرٌ، حتى خَلَت الأسواقُ وقَلَّت الأشياءُ التي يحتاجُ إليها المرضى.
#1529
العام الهجري :439الشهر القمري : ربيع الآخرالعام الميلادي :1047
الصلح بين طغرلبك السلجوقي وأبي كاليجار سلطان الدَّولة البويهي .
أرسل الملك أبو كاليجار البويهيُّ إلى السُّلطانِ رُكنِ الدين طغرلبك في الصُّلح، فأجابه إليه، واصطلحا، وكتَبَ طغرلبك إلى أخيه ينال يأمُرُه بالكَفِّ عَمَّا وراء ما بيده، واستقَرَّ الحالُ بينهما أن يتزوَّجَ طغرلبك بابنةِ أبي كاليجار، ويتزوَّج الأميرُ أبو منصور بن أبي كاليجار بابنةِ الملك داود أخي طغرلبك، وتمَّ العَقدُ.
#1530
العام الهجري :440العام الميلادي :1048
غزو إبراهيم ينال الروم .
غزا الرُّومَ إبراهيم ينال أخو طغرل بك لأمه وأحد قادة السلاجقة، فظَفِرَ بهم وغَنِمَ، وكان سببُ ذلك أنَّ خلقًا كثيرًا من الغزِّ بما وراء النهر قَدِموا عليه، فقال لهم: بلادي تضيقُ عن مُقامِكم والقيامِ بما تحتاجون إليه، والرأيُ أن تَمضُوا إلى غَزوِ الروم، وتُجاهِدوا في سبيل الله، وتغنَموا، وأنا سائِرٌ على أثَرِكم، ومساعِدٌ لكم على أمْرِكم. ففعلوا، وساروا بين يديه، وتَبِعَهم، فوصلوا إلى ملازكرد، وأرزن الروم، وقاليقلا، وبلغوا طرابزون وتلك النواحيَ كلَّها، ولَقِيَهم عسكَرُ عَظيمِ الروم والأبخاز يبلغونَ خمسين ألفًا، فاقتتلوا، واشتد القتالُ بينهم، وكانت بينهم عِدَّةُ وقائِعَ، تارةً يظفَرُ هؤلاء، وتارة هؤلاء، وكان آخِرَ الأمر الظَّفَرُ للمسلمين، فأكثروا القتلَ في الروم وهزموهم، وأسَروا جماعةً كثيرةً مِن بطارقتهم، وممَّن أُسِرَ قاريط ملِكُ الأبخاز، فبذل في نفسِه ثلاثَمِئَة ألف دينار، وهدايا بمِئَة ألفٍ، فلم يجبه ينال إلى ذلك، ولم يَجُس تلك البلادَ وينهَبْها إلى أن انهزموا وبَقِيَ بينه وبين القُسْطَنطينية خمسةَ عشر يومًا، واستولى المسلمونَ على تلك النواحي فنهبوها، وغَنِموا ما فيها، وسَبَوا أكثَرَ مِن مِئَة ألف رأس، وأخذوا من الدوابِّ والبغالِ والغنائم والأموال ما لا يقَعُ عليه الإحصاءُ، وقيل: إن الغنائِمَ حُمِلَت على عشرة آلاف عجلة، وإنَّ في جملة الغنيمةِ تِسعةَ عشر ألف درع، وكان قد دخل بلدَ الروم جمعٌ مِن الغز يَقدُمُهم نسيب طغرلبك، فلم يؤثِّرْ كَبيرَ أثَرٍ، وقُتِلَ من أصحابه جماعة، وعاد، ودخل بعده إبراهيم ينال، فانتصر عليهم.
#1531
العام الهجري :440العام الميلادي :1048
دولة بني مزين في الأندلس .
لم يبقَ مِن إماراتِ الغَربِ بعد سُقوطِ لبلةَ وشلطيش وشنتمريَّة في يدِ المُعتَضِد بن عبَّاد سوى إمارةِ شلب، وكانت هذه الإمارةُ مِن أهَمِّ إماراتِ الغرب بعد إشبيليَّةَ وكانت تشمَلُ كورة شلب وكورة باجة، وكان الحاجِبُ عيسى بن محمد قد تغَلَّب في أعقابِ الفِتنةِ على هذه المنطقةِ النائيةِ وأقام بها دولةً، واستمَرَّ مُسيطرًا عليها حتى توفِّيَ سنة 432 هـ فخَلَفه في حُكمِها ولَدُه مُحمَّدُ بنُ عيسي الملقَّب عميد الدَّولة، واضطُرَّ عميد الدَّولة في اتِّقاءٍ لعُدوانِ المُعتَضِد بن عبَّاد أن ينزِلَ له عن مدينة باجة، وأن يكتفي بحكم شلب، وكان ابن عبَّاد قد استولى قبل ذلك على ميرتلة قاعدتِها الجنوبيَّةِ مِن يدِ صاحِبِها ابنِ طيفور في سنة 436 هـ، وأصبَحَت باجة تحت رَحمتِه، واستمَرَّ عميد الدَّولة في حُكمِ شلب حتى توفِّيَ في سنة 440هـ وعندئذ ثار بها القاضي عيسى بنُ أبي بكر بن مزين، وكان شهمًا جَزلًا في سائِرِ أمورِه، فلما رأى اختلالَ الأمورِ ثار بها فبايعه أهلُها وبسَطَ حُكمَه عليها، وتلقَّب بالمُظَفَّر واستمَرَّ حكمُه خمس سنوات، وابنُ عباد دائِبٌ على مهاجمتِه وشَنِّ الغارات عليه وهو يَرُدُّه ما استطاع، حتى قُتِلَ في أواخر سنة 445 هـ مدافعًا عن مدينته، فخلفه ولدُه محمد بن عيسى، وتلقَّب بالنَّاصِرِ وحَكَم حتى توفي في سنة 450هـ، فخلفه ولدُه عيسى وتلقَّبَ بالمُظَفَّر وبدأ المعتَضِدُ في تكرار حملاته على شلب، ثم ضرب الحصارَ حولها وقطعَ عنها سائرَ الإمدادِ حتى اشتَدَّ الأمرُ على أهلِها وانتهى بأن اقتحَمَها بعد أن هدم أسوارَها، ودخل القصرَ وقتل عيسى المظفر، وذلك في شوال من سنة 455هـ، وهكذا استطاع المعتضد بن عباد القضاءَ على دولةِ بني مزين.
#1532
العام الهجري :440الشهر القمري : جمادى الأولىالعام الميلادي :1048
وفاة الملك أبي كاليجار البويهي الشيعي وولي بعده ابنه أبو نصر .
هو السُّلطانُ صاحِبُ العراق، المَلِك أبو كاليجار المرزبان بنُ سلطان الدَّولة بن بهاء الدَّولة بن عضد الدَّولة بن بُوَيه الديلمي الشيعي. تمَلَّك بعد ابنِ عَمِّه جلال الدَّولة، وجرَت له خطوبٌ وحُروب، وعاش نيِّفًا وأربعين سنة، وقهر ابنَ عَمِّه الملك العزيز، توفِّيَ رابع جمادى الأولى، بمدينة جناب من كرمان، ولما توفِّيَ نَهَب الأتراكُ مِن العسكر الخزائِنَ والسلاحَ والدوابَّ، وكانت ولايتُه على العراق أربع سنين وشهرين وأيامًا، ومدَّة ولايته على فارس والأهواز خمسًا وعشرين سنةً، وانتقل ولدُه أبو منصور فلاستون إلى مخيَّم الوزير أبي منصور، وكانت مُنفَرِدةً عن العسكر، فأقام عنده، وأراد الأتراكُ نَهبَ الوزير والأمير، فمَنَعَهم الديلم، وعادوا إلى شيراز، فمَلَكَها الأميرُ أبو منصور، واستشعر الوزيرُ، فصَعِدَ إلى قلعة خرمة فامتنع بها، فلمَّا وصل خبر وفاته إلى بغداد، وبها ولَدُه الملك الرحيم أبو نصر خرة فيروز، أحضَرَ الجُندَ واستحلفهم، وراسل الخليفةَ القائِمَ بأمر الله في معنى الخطبة له، وتلقيبِه بالملك الرحيم، وتردَّدَت الرسُلُ بينهم في ذلك إلى أن أُجيبَ إلى مُلتَمِسه سوى الملك الرحيم؛ فإنَّ الخليفةَ امتنع من إجابته وقال: لا يجوز أن يُلَقَّب بأخَصِّ صفاتِ الله تعالى، واستقَرَّ مُلكُه بالعراق، وخوزستان، والبصرة، وكان بالبصرةِ أخوه أبو علي بن أبي كاليجار، وخلف أبو كاليجار من الأولاد الملك الرحيم، والأمير أبا منصور فلاستون، وأبا طالب كامرو، وأبا المظفر بهرام، وأبا علي كيخسرو، وأبا سعد خسروشاه، وثلاثة بنين أصاغر، فاستولى ابنُه أبو منصور على شيراز، فسيَّرَ إليه الملك الرحيم أخاه أبا سعد في عسكرٍ، فملكوا شيراز، وخطبوا للملك الرحيم، وقبَضوا على الأمير أبي منصورٍ ووالدته، وكان ذلك في شوال. ووَلَّت دولةُ بني بُوَيه في أيَّام الملك الرحيم، وقامت دولةُ بني سُلجوق.
#1533
العام الهجري :440الشهر القمري : جمادى الآخرةالعام الميلادي :1048
محاصرة العساكر المصرية العبيدية مدينة حلب .
وصلت عساكِرُ مِصرَ العُبَيديَّة إلى حَلَب في جمعٍ كثيرٍ فحَصَروها، وبها مُعِزُّ الدَّولة أبو علوان ثمال بن صالح الكلابي، فجمع جمعًا كثيرًا بلغوا خمسةَ آلاف فارس وراجل، فلمَّا نزلوا على حلب خرج إليهم ثمال وقاتلهم قِتالًا شديدًا صبَرَ فيه لهم إلى الليل، ثم دخل البلدَ، فلمَّا كان الغد اقتتلوا إلى آخِرِ النهار، وصبر أيضًا ثمال، وكذلك أيضًا اليوم الثالث، فلما رأى المصريُّونَ صَبْرَ ثمال، وكانوا يظنُّونَ أنَّ أحدًا لا يقوم بين أيديهم رحلوا عن البلد، فاتَّفَق أن جاء مطر عظيمٌ تلك الليلة لم يَرَ النَّاسُ مثله، وجاءت المدودُ إلى منزل، فبلغ الماءُ ما يقارب قامتين، ولو بَقُوا لغرقوا، لكنهم رحلوا إلى الشامِ الأعلى.
#1534
العام الهجري :440الشهر القمري : رجبالعام الميلادي :1049
وفاة الفيلسوف المؤرخ الموسوعي البيروني .
هو الفيلسوفُ المُنَجِّم مُحمَّد بنُ أحمد أبو الريحان البيروني الخوارزمي مُؤرخٌ مُحَقِّقٌ وجغرافيٌّ مُدقِّق، وفلَكيٌّ نابِهٌ، ورياضيٌّ أصيلٌ، وفيزيائيٌّ راسخٌ، ومترجِمٌ متمَكِّنٌ، مِن بلادِ السندِ، ومن أعيان الفلاسفة. عاصر الرَّئيسَ ابن سينا وجَرَت بينهما حوارات وأسئلةٌ وجوابات، وكان عالِمًا في الهيئة والنجوم، خبيرًا بالطبِّ. وُلد في بيرون إحدى ضواحي خوارزم، وهو مجهولُ النَسَب؛ فقد قال عن نفسِه في شعر: إذ لستُ أعرِفُ جَدِّي حقَّ مَعرفةٍ وكيف أعرِفُ جدي إذ جَهِلتُ أبيأبي أبو لهبٍ شَيخٌ بلا أدَبِ نَعَم ووالدتي حمَّالةُ الحَطَب يقول ياقوت الحموي" "بيرون بالفارسية معناه برّا، وسألتُ بعض الفضلاءِ عن ذلك فزعَم أنَّ مقام البيروني بخوارزم كان قليلًا، وأهلُ خوارزم يسمُّونَ الغريبَ بهذا الاسم، كأنَّه لَمَّا طالت غربتُه عنهم صار غريبًا، وما أظنُّه يُرادُ به إلَّا أنَّه من أهل الرستاق، يعني أنَّه من برّا البلد". كتب في كلِّ ما كان معروفًا مِن علومِ عَصرِه، وهو بذلك يُعدُّ أحدَ الموسوعيِّينَ. قال ياقوت الحموي: " وأما سائِرُ كُتُبِه في علومِ النُّجومِ والهيئةِ والمَنطِقِ والحكمةِ؛ فإنَّها تفوق الحَصرَ، رأيتُ فَهرسَتَها في وقْفِ الجامع بمرو في نحوِ الستين ورقةً بخط مكتنز". لَمَّا صَنَّف القانونَ المسعودي أجازه السلطانُ مسعود بن محمود الغزنوي بحَملِ فيلٍ مِن نقدِه الفِضِّي إليه، فردَّه إلى الخزانةِ بعُذرِ الاستغناء عنه، وكان مُكِبًّا على تحصيلِ العلوم مُنصَبًّا إلى تصنيف الكتُبِ، يفتَحُ أبوابها، ويُحيطُ شواكِلَها وأقرابَها، ولا يكاد يفارِقُ يدَه القلمُ وعَينَه النَّظرُ وقَلْبَه الفِكَرُ إلَّا في يومَيِ النيروز والمهرجان من السَّنة، ثمَّ هِجِّيراه في سائر الأيَّام من السَّنَةِ عِلمٌ يُسفِرُ عن وجهه قِناعَ الأشكال ويحسِرُ عن ذراعيه كمامَ الأغلاق. وأمَّا نباهةُ قَدرِه ومكانته عند الملوك فقد بلغ من حظوتِه لديهم أنَّ شمس المعالي قابوس بن وشمكير أراد أن يستخلِصَه لصُحبتِه ويرتبِطَه في دارِه على أن تكونَ له الإمرةُ المطاعةُ في جميع ما يحويه مُلكُه، فأبى عليه ولم يطاوِعْه، ولَمَّا أسمَحَت نفسُه بمثل ذلك لخوارزم شاه آواه في داره وأنزله معه في قَصرِه، لَمَّا استولى السُّلطانُ محمود على خوارزم قَبَضَ على البيروني وعلى أستاذِه عبد الصمد أول بن عبد الصمد الحكيم واتَّهَمه بالقَرمطةِ والكُفرِ، فأذاقه الحِمامَ، وهمَّ أن يُلحِقَ به أبا الرَّيحان البيروني، فقيل له إنَّه إمامُ وَقتِه في علمِ النُّجومِ، وإنَّ الملوكَ لا يَستَغنونَ عن مِثلِه، فأخَذَه معه، ودخل إلى بلادِ الهندِ وأقام بينهم وتعلَّم لُغتَهم واقتبس علومَهم، ثمَّ أقام بغُزنة حتى مات بها, وعلى الرغمِ مِن أنَّ البيروني لم يكن عربيًّا إلَّا أنَّه كان مُقتَنِعًا بأنَّ اللغةَ العربيَّةَ هي اللُّغةُ الوحيدةُ الجديرةُ بأن تكونَ لغةَ العِلمِ، وقد نُسِبَ إليه أنَّه قال: الهجوُ بالعربيَّةِ أحَبُّ إليَّ من المدحِ بالفارسيَّة. ومن أشهر كتب البيروني: الآثارُ الباقية عن القرون الخالية، وهو من أبرَزِ كُتُبِ التقاويم، القانونُ المسعودي في علمِ الفلك والجغرافيا والهندسة، الاستيعابُ في صنعة الأسطرلاب، الصَّيدنَة في الطب, تحديدُ نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن، تحقيقُ ما للهند من مقولةٍ مقبولة في العقل أو مرذولة، التفهيمُ لصناعة التنجيم. وغيرها كثير، وللبَيروني لَمَحاتٌ علميَّةٌ سبق بها عصرَه، منها قولُه بأن واديَ السِّندِ كان يومًا قاعَ بحرٍ ثم غطَّتْه الرواسِبُ الفَيضيَّة بالتدريج، والقولُ بدوران الأرضِ حول محْورِها، والقول بجاذبيَّة الأرض, وله في الرياضيَّات السبقُ الذي لم يشقَّ المُحضرون غبارَه، ولم يلحق المُضمِّرون المُجيدون مِضمارَه. توفي في غزنة (كابول الآن).
#1535
العام الهجري :441العام الميلادي :1049
الفتنة بين السنة والشيعة في الكرخ ببغداد .
مُنِعَ أهلُ الكرخ في بغداد من النَّوحِ وفِعلِ ما جَرَت عادتُهم بفعله يومَ عاشوراء، فلم يَقبَلوا وفعلوا ذلك، فجرى بينهم وبين السُّنَّة فِتنةٌ عظيمة قُتِلَ فيها وجُرِحَ كثيرٌ من الناس، ولم ينفَصِل الشَّرُّ بينهم حتى عبَرَ الأتراك وضربوا خيامَهم عندهم، فكَفُّوا حينئذ، ثم شرع أهلُ الكرخ في بناء سورٍ على الكرخ، فلمَّا رآهم السنَّةُ من القلَّائين – صَنعَتُهم القَليُ- ومَن يجري مجراهم، شرعوا في بناءِ سُورٍ على سوق القلَّائين، وأخرج الطائِفتانِ في العمارةِ مالًا جليلًا، وجَرَت بينهما فِتَنٌ كثيرة، وبَطَلَت الأسواق، وزاد الشَّرُّ، حتى انتقل كثيرٌ من الجانب الغربي إلى الجانِبِ الشرقيِّ فأقاموا به، وتقدَّمَ الخليفة إلى أبي مُحمَّد بن النسوي بالعبور وإصلاحِ الحالِ وكفِّ الشَّرِّ، فسَمِعَ أهل الجانب الغربي ذلك، فاجتمع السُّنَّةُ والشيعة على المنعِ منه، وأَذَّنوا في القلَّائينَ وغيرِها بحيَّ على خيرِ العمل، وأَذَّنوا في الكرخ الصلاةُ خَيرٌ من النوم، وأظهروا الترَحُّمَ على الصحابةِ.
#1536
العام الهجري :441العام الميلادي :1049
فتنة بين الملك طغرلبك وبين أخيه إبراهيم ينال .
سببُ ذلك أنَّ طغرلبك طلَبَ مِن إبراهيم ينال أن يُسَلِّمَ إليه مدينة همذان والقلاعَ التي بيده من بلدِ الجبل، فامتنَعَ مِن ذلك، واتَّهَم وزيرَه أبا عليٍّ بالسعيِ بينهما في الفَسادِ، فقَبَض عليه، وأمَرَ به فضُرِبَ بين يديه، وسَمَل إحدى عينيه، وقطَعَ شَفَتَيه، فسار إلى طغرلبك، وجمع جمعًا مِن عَسكَرِه، والتقيا، وكان بين العسكرين قتالٌ شديدٌ انهزم ينال وعاد مُنهَزِمًا، فسار طغرلبك في أثَرِه، فملك قلاعَه وبلادَه جَميعَها، وتحصَّنَ إبراهيمُ ينال بقلعة سرماج، وامتنع على أخيه، فحَصَره طغرلبك فيها، وكانت عساكِرُه قد بلغت مِئَة ألف من أنواع العَسكَر، وقاتَلَه، فملكها في أربعةِ أيام، وهي من أحصَنِ القلاع وأمنَعِها، واستنزل ينال منها مَقهورًا، وأرسل إلى نصر الدَّولة بن مروان يطلُبُ منه إقامةَ الخُطبة له في بلاده، فأطاعه وخطَبَ له في سائر ديار بكر، وراسل مَلِكُ الرومِ طغرلبك، وأرسل إليه هديَّةً عظيمةً، وطلب منه المُعاهَدة، فأجابه إلى ذلك، وعَمَروا مسجِدَ القُسْطنطينيَّة، وأقاموا فيه الصَّلاةَ والخطبة لطغرلبك، ودان حينئذٍ النَّاسُ كُلُّهم له، وعَظُمَ شأنُه وتمكَّن مُلكُه وثبت، ولَمَّا نزل ينال إلى طغرلبك أكرَمَه وأحسن إليه، وردَّ عليه كثيرًا ممَّا أخذ منه، وخيَّرَه بين أن يُقطِعَه بلادًا يسير إليها، وبين أن يقيمَ معه، فاختار المقامَ معه.