العام الهجري :414الشهر القمري : رمضانالعام الميلادي :1023
عودة الحكم إلى بني أمية في الأندلس ثم صراعهم عليه .
لَمَّا انهَزَم البربر عن قُرطُبةَ مع أبي القاسِمِ، اتَّفَق رأيُ أهل قُرطُبة على رَدِّ الأمرِ إلى بني أميَّة، فاختاروا منهم ثلاثةً، وهم: عبدُ الرَّحمنِ بنُ هِشامِ بنِ عبد الجبَّار بن عبد الرَّحمن الناصر أخو المهديِّ، وسُليمانُ بنُ المرتضى، ومحمَّدُ بنُ عبد الرحمن بن هشام بن سليمان القائمُ على المهدي بن الناصر، ثم استقَرَّ الأمر لعبدِ الرَّحمنِ بن هشامِ بنِ عبد الجبَّار، فبويع بالخلافةِ لثلاثَ عَشرةَ ليلةً خلت لرمضان سنة 414هـ، وله اثنتان وعشرون سنةً، وتلَقَّبَ بالمُستَظهر، ثم قام عليه أبو عبدِ الرَّحمنِ مُحمَّدُ بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر مع طائفةٍ مِن أراذِلِ العَوامِّ فقُتِلَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ هشام، وذلك لثلاثٍ بَقِينَ مِن ذي القَعدةِ سَنةَ 414هـ، وتلَقَّب محمَّدُ بنُ عبد الرحمن هذا بالمُستكفي، وبويعَ له بالخِلافةِ.
#1430
العام الهجري :415العام الميلادي :1024
تجديد البيعة لمشرف الدَّولة البويهي .
ألزم الوزيرُ أبو القاسِمِ المَغربيُّ الأتراكَ والمولَّدينَ لِيَحلِفوا لمُشَرف الدَّولةِ البويهي، وكَلَّف مُشرف الدَّولة المُرتضى ونِظام الحضرتَينِ أبا الحَسَن الزينبي، وقاضي القضاة، وأبا الحَسَن بن أبي الشوارب، وجماعةً مِن الشهود بالحضور، فظَنَّ الخليفةُ القادِرُ بالله أنَّ التحالُفَ لِنيَّةٍ مَدخولةٍ في حَقِّه، فبعث من دارِ الخليفةِ مَن منع الباقينَ بأن يحلِفوا، وأنكر على المُرتَضى والزينبي وقاضي القُضاة حُضورَهم بلا إذنٍ، واستُدْعُوا إلى دارِ الخلافة، وأُظهِرَ عَزمُ الخليفة على الرُّكوبِ, وبلغ ذلك إلى مُشرف الدَّولة، وانزعج منه، فتردَّدَت الرسائلُ بين الخليفةِ ومُشرف الدَّولة باستحالةِ أن يكون هذا الحَلِفُ ضِدَّه، وانتهى الأمرُ إلى أن حلَفَ مُشرف الدَّولة على الطَّاعةِ والمُخالَصة للخَليفةِ، وكان وقوعُ اليَمينِ في يومِ الخميسِ الحاديَ عَشَر من صفَر، وتولى أخْذَها واستيفاءَها القاضي أبو جعفرٍ السمناني، ثم حلَفَ الخليفةُ لِمُشرف الدَّولة.
#1431
العام الهجري :415العام الميلادي :1024
فتنة بالكوفة بين العلويين والعباسيين .
وقَعَت بين المُختارِ أبي عليِّ بنِ عبيد الله العَلَويِّ وبين الزكيِّ أبي علي النهرسابسي، وأبي الحَسَن عليِّ بنِ أبي طالب بن عمر مُباينةٌ، فاعتضَدَ المُختارُ بالعباسيِّينَ، فساروا إلى بغدادَ، وشَكَوا ما يَفعَلُ بهم النهرسابسي، فتقَدَّمَ الخليفةُ القادِرُ باللهِ بالإصلاح بينهم مراعاةً لأبي القاسمِ الوَزيرِ المغربيِّ؛ لأنَّ النهرسابسي كان صديقَه، وابنُ أبي طالبٍ كان صِهرَه، فعادوا، واستعان كلُّ فريق ببني خفاجةَ، فأعان كلُّ فَريقٍ مِن الكوفيِّينَ طائفةً مِن خفاجة، فجرى بينهم قتالٌ، فظهر العَلويُّونَ، وقُتِلَ مِن العباسيِّينَ سِتَّةُ نَفَر، وأُحرِقَت دُورُهم ونُهِبَت، فعادوا إلى بغداد، ومَنَعوا من الخُطبةِ يومَ الجمعة، وثاروا، وقَتَلوا ابنَ أبي العبَّاس العلَويِّ وقالوا: إنَّ أخاه كان في جُملةِ الفَتَكة بالكوفة، فبرَز أمرُ الخليفةِ إلى المرتضى يأمُرُه بصرفِ ابنِ أبي طالب عن نقابةِ الكُوفةِ، ورَدِّها إلى المختارِ، فأنكر الوزيرُ المغربيُّ ما يجري على صِهرِه ابنِ أبي طالبٍ مِن العزل، وكان عند قرواش صاحبِ المَوصِل, فأرسلَ الخليفةُ القاضيَ أبا جعفرٍ السمناني في رسالةٍ إلى قرواش يأمُرُه بإبعادِ المغربيِّ عنه، ففعل، فسار المغربيُّ إلى ابنِ مَروانَ بديارِ بكرٍ، وغَضِبَ الخليفةُ على النهرسابسي، وبَقِيَ تحت السَّخَط إلى سنة ثماني عشرة وأربعمِئَة، فشَفِعَ فيه الأتراكُ وغَيرُهم، فرَضِيَ عنه، وحَلَّفَه على الطاعةِ فحَلَف.
#1432
العام الهجري :415العام الميلادي :1024
المُعِزُّ بنُ باديس الصنهاجيُّ يقضي على فتنة زناتة بإفريقيَّةَ .
خرجَ بإفريقيَّةَ جَمعٌ كثيرٌ مِن زناتة -قبيلة أمازيغية-، فقَطَعوا الطَّريقَ، وأفسَدوا بقسطيلية ونفزاوة، وأغاروا وغَنِموا، واشتَدَّت شَوكتُهم، وكَثُرَ جَمعُهم، فسَيَّرَ إليهم المُعِزُّ بنُ باديس الصنهاجيُّ- صاحِبُ إفريقيَّة- جيشًا، وأمَرَهم أن يَجِدُّوا السَّيرَ ويَسبِقوا أخبارَهم، ففَعَلوا ذلك، وكَتَموا خبرهم، وطَوَوا المراحِلَ حتى أدرَكوهم وهم آمِنونَ مِن الطَّلَبِ، فوضعوا فيهم السَّيفَ، فقُتِلَ منهم خلقٌ كثيرٌ، وعُلِّقَ خَمسُمئة رأسٍ في أعناقِ الخُيولِ وسُيِّرَت إلى المعز، وكان يومُ دخولِها يومًا مَشهودًا.
#1433
العام الهجري :415العام الميلادي :1024
قيام الدَّولة المرداسية في حلب .
مؤسِّسُ الدَّولةِ المرداسيَّة في حلَبٍ هو صالِحُ بنُ مرداس الذي لُقِّبَ أسدَ الدَّولة. وهو من بني كلابٍ، القبيلةِ العربيَّةِ التي كانت تَنزِلُ ضِفافَ الفُراتِ والجزيرة, وكان بالرَّحبةِ رَجلٌ مِن أهلها يُعرَفُ بابنِ محكان، فمَلَك البلدَ، واحتاجَ إلى من يجعَلُه ظَهرَه، ويستعينُ به على مَن يَطمَعُ فيه، فكاتَبَ صالِحَ بنَ مِرداس الكلابيَّ، فقَدِمَ عليه وأقام عنده مُدَّةً، ثمَّ إنَّ صالحًا عدا على ابنِ محكان فقتَلَه ومَلَك الرَّحبة, وفي سنة 399 كانت وقعةٌ بين أبي نصرِ بنِ لؤلؤٍ صاحِبِ حَلَب، وصالحِ بنِ مرِداس، وكان ابنُ لؤلؤ من موالي بنِي حمدان، فقَوِيَ على ولَدِ سَعدِ الدَّولة يخطُبُ للحاكِمِ صاحِبِ مِصرَ، ثمَّ فسد ما بينه وبين الحاكِمِ، فطَمِعَ فيه ابنُ مرداس، وبنو كلاب، وكانوا يطالِبونَه بالصِّلاتِ والخِلَع، ثمَّ إنهم اجتَمَعوا في خمسمِئَة فارس، ودخلوا مدينةَ حَلَب، فأمر ابنُ لؤلؤ بإغلاقِ الأبوابِ والقَبضِ عليهم، فقُبِضَ على مِئَة وعشرينَ رَجُلًا، منهم صالحُ بنُ مرداس، وحَبَسهم، وقتَلَ مِئَتين, وبَقِيَ صالِحُ بنُ مِرداسَ في الحَبسِ، حتى صَعِدَ مِن السور وألقى نفسَه مِن أعلى القلعةِ إلى تَلِّها, وسار بقَيدِه ولبنةِ حديدٍ في رِجلَيه، حتى وصل قريةً تُعرَفُ بالياسريَّة، فرأى ناسًا من العربِ فعَرَفوه وحَمَلوه إلى أهلِه بمرج دابق، فجمَعَ ألفَي فارسٍ وقصَدَ حَلَب وحاصَرَها اثنين وثلاثين يومًا، فخرجَ إليه ابنُ لؤلؤ، فقاتَلَه، فهَزَمَهم صالحٌ وأسَرَ ابنَ لؤلؤ، وقيَّدَه بقَيدِه الذي كان في رِجلِه ولَبِنَتِه. ثمَّ إنَّ ابنَ لؤلؤٍ بذَلَ لابنِ مرداسٍ مالًا على أن يُطلِقَه، فلمَّا استقَرَّ الحالُ بينهما أخذ رهائِنَه وأطلقَه، فلمَّا قُتِلَ الحاكِمُ العُبَيديُّ صاحِبُ مِصرَ، اجتمع حَسَّان أميرُ بني طي، وصالحُ بنُ مرداس أميرُ بني كلاب، وسِنانُ بنُ عليان، وتحالفوا، واتَّفَقوا على أن يكونَ مِن حَلَب إلى عانة لصالحٍ، ومِنَ الرَّملةِ إلى مصرَ لحَسَّان، ودمشقُ لسنان، فسار حسَّان إلى الرملةِ وأخَذَها من أنوشتكين نائِبِ الحاكِمِ، وقصَدَ صالِحٌ حَلَب، وبها إنسانٌ يُعرَفُ بابن ثعبان يتولَّى أمْرَها للمِصريِّينَ، وبالقلعةِ خادِمٌ يُعرَفُ بمَوصوفٍ، فأمَّا أهلُ البلدِ فسَلَّموه إلى صالحٍ؛ لإحسانِه إليهم، ولِسُوءِ سِيرةِ المِصريِّينَ معهم، وصَعِدَ ابنُ ثعبان إلى القلعةِ، فحَصَره صالحٌ بالقلعةِ، فغار الماءُ الذي بها، فلم يبقَ لهم ما يَشرَبونَ، فسَلَّمَ الجُندُ القلعةَ إليه، وذلك سنة 414، ومَلَك مِن بَعْلَبَكَّ إلى عانة، وأقام بحَلَب سِتَّ سنين إلى أن قُتِلَ على يدِ المِصريِّينَ سنة 420.
#1434
العام الهجري :415الشهر القمري : شعبانالعام الميلادي :1024
وفاة ابن النقيب مِن أئمَّةِ أهل السُّنَّة .
هو عُبَيدُ اللهِ بنُ عَبدِ اللهِ بنِ الحُسَين أبو القاسِمِ الخَفَّاف، المعروف بابنِ النَّقيبِ. كان مِن أئمَّةِ السُّنَّة، قال الخطيبُ: "سألتُه عن مولِدِه فقال في سنة 305، وأذكُرُ مِن الخُلَفاءِ: المُقتَدِر، والقاهِرَ، والرضيَّ، والمُتَّقيَ لله، والمُستكفيَ، والمُطيع، والطَّائِعَ، والقادِرَ، والغالِبَ بالله، الذي خطَبَ له بولايةِ العَهدِ". وقيل إنَّه مَكَث دَهرًا طَويلًا يُصَلِّي الفجرَ بوُضوءِ العِشاءِ. كان شديدًا في السُّنَّةِ، حين بلَغَه مَوتُ ابنِ المُعَلِّم فَقيهِ الشِّيعةِ، سجَدَ لله شُكرًا وجلَسَ للتَّهنئةِ، وقال: "ما أبالي أيَّ وقتٍ مِتُّ بعد أن شاهَدْتُ مَوتَ ابنِ المُعَلِّم". توفِّيَ عن مِئَة وعشر سنينَ.
#1435
العام الهجري :415الشهر القمري : شوالالعام الميلادي :1025
وفاة سلطان الدَّولة أبي شجاع بن بهاء الدَّولة البويهي .
هو مَلِكُ العِراقِ وفارس، سُلطانُ الدَّولة، أبو شُجاع، فناخِسرو بنُ بهاءِ الدَّولةِ خُرَّة فيروز بن عَضُد الدَّولة أبي شُجاع بن رُكنِ الدَّولة حسن بن بُوَيه الديلميُّ الشِّيعيُّ. وَلِيَ إمرةَ واسط لأبيه وبرَعَ في الأدبِ والأخبار والعربيَّة، وأكَبَّ على اللَّهوِ والخَلاعةِ. تملَّك بعد أبيه سنة 403، وهو صبيٌّ، فقُرئَ عَهدُ أبي شجاع من القادِرِ بالله، ولَقَّبه سُلطانَ الدَّولة, ثم أُحضِرَت الخِلَعُ وهي سبعٌ على العادة: عِمامةٌ سَوداءُ، وتاجٌ مُرصَّعٌ، وسَيفٌ، وسِواران، وطَوْق، وفَرَسان، ولِواءان عَقَدَهما القادِرُ بِيَدِه، وتلَفَّظَ بالحَلِفِ له بمَسمعٍ مِن الوزير أبي غالبٍ، وكبار الدَّولة, ووزَرَ لسُلطانِ الدَّولة فَخرُ الملك أبو غالب، واستخلَفَ ببغداد أخاه مُشرف الدَّولة أبا علي، وجعَلَ إليه إمارةَ الأتراك خاصَّةً، فحَسَّنوا له العِصيانَ، فاستولى مُشَرف الدَّولة على بغداد وواسط، وترَدَّد الأتراكُ إلى الديوان، فأمَرَ بقَطعِ الخُطبة لأخيه سُلطان الدَّولة، وأن يُخطَبَ له. ثمَّ تناقَضَت أمورٌ على سلطان الدَّولة، فكان يواصِلُ الشُّربَ حتى فسَدَ خُلُقُه، وطلب طبيبًا لفَصدِه، ففَصَده، ونَفذ قَضاءُ الله فيه، فمات بشيراز في شوال سنة 415 وله ثلاث وعشرون سنة، وكانت مُدَّة ملكه اثنتي عشرةَ سنة وأشهرًا, ولَمَّا مات، نَهَبَت الديلمُ ما قَدَروا عليه، وأشار عليهم الأوحَدُ بابنِه أبي كاليجار، فخُطِبَ له بخوزستان.
#1436
العام الهجري :415الشهر القمري : ذي القعدةالعام الميلادي :1025
وفاة القاضي المعتزلي عبد الجبار .
القاضي أبو الحَسَنِ عبدُ الجَبَّار بنُ أحمدَ بنِ عبدِ الجَبَّار الهمذانيُّ شَيخُ المُعتَزِلة في عَصرِه، وَلِيَ القَضاءَ في الريِّ، وعُرِفَ بقاضي القُضاة، صاحِبُ التصانيفِ، مِن كبارِ فُقَهاءِ الشَّافعيَّة. كان مُنافِحًا عن المُعتَزِلة، وألَّفَ الكثيرَ في نُصرةِ مَذهَبِهم، مثل: كتاب التوحيد، والعدل، وله دلائلُ النبوة، والأمالي، وتنزيه القرآن، توفِّيَ في الرَّيِّ وقد ناهز التسعينَ عامًا.
#1437
العام الهجري :416العام الميلادي :1025
الظاهر الفاطمي ينفي علماء المالكية وينشر مذهب الرافضة .
بداية هجوم الروم على جزيرة صقلية لأخذها من المسلمين .
خرج الرُّومُ إلى جَزيرةِ صقليَّةَ في جمعٍ كثير، ومَلَكوا ما كان للمُسلمين في جزيرة قلورية، وهي مجاوِرةٌ لجزيرةِ صقليَّة، وشرعوا في بناءِ المساكِنِ يَنتَظِرونَ وُصولَ مراكِبِهم وجُموعِهم مع ابنِ أخت الملك، فبلغ ذلك المُعِزَّ بنَ باديس، فجهَّزَ أسطولًا كبيرًا أربعمِئَة قطعةٍ، وحَشَد فيها، وجمع خلقًا كثيرًا، وتطَوَّعَ جَمعٌ كثير بالجهاد؛ رغبةً في الأجرِ، فسار الأسطولُ حتى قَرُبَ مِن جزيرة قوصرة، وهي قَريبةٌ مِن بَرِّ إفْريقيَّة، فخَرَجَت عليهم ريحٌ شديدة، ونَوءٌ عظيمٌ، فغَرِقَ أكثَرُهم، ولم ينجُ إلا اليَسيرُ.
#1439
العام الهجري :416الشهر القمري : ربيع الأولالعام الميلادي :1025
وفاة مشرف الدَّولة بن بويه ونهب بغداد .
هو المَلِك مُشرف الدَّولة أبو عليٍّ بنُ بهاءِ الدَّولة بنِ عَضُدِ الدَّولةِ بنِ بُوَيهِ الديلميُّ الشِّيعيُّ. كان فيه عَدلٌ في الجُملةِ. وكان له العِراقُ في وقتٍ وشيراز وكرمان، ولأخيه سُلطانِ الدَّولةِ صاحِبِ فارِسَ بُخارى ثمَّ اصطلحا. وتمَلَّكَ بعد مُشرف الدَّولة أخوه جلالُ الدَّولة ببغداد. توفِّيَ مُشرف الدَّولة بمرضٍ حادٍّ، وله أربعٌ وعشرون سنة، وكان مُلكُه خَمسَ سِنينَ وخمسة وعشرين يومًا، واستقَرَّ الأمرُ على توليةِ أخيه جلالِ الدَّولة أبي طاهرٍ، فخُطِبَ له على المنابِرِ، وهو بالبصرة. فخُلِعَ على شَرفِ الملك أبي سعدِ بنِ ماكولا وزيره، ولَقَّبَه علم الدين سعد الدَّولة، أمين الملة، شرف الملك، ثمَّ إنَّ الجُندَ عَدَلوا إلى الملك أبي كاليجار بن سلطان الدَّولةِ بنِ بهاء الدَّولة ونوَّهوا باسمه، وكان وليَّ عهدِ أبيه سلطانِ الدَّولة الذي استخلَفَه بهاءُ الدَّولة عليهم، فخُطِبَ لهذا ببغداد، وكوتِبَ جَلالُ الدَّولة بذلك، فأُصعِدَ مِن واسط.
#1440
العام الهجري :416الشهر القمري : شعبانالعام الميلادي :1025
كسر صنم الهنود الأعظم سومنات في الهند .
كان لأهلِ الهندِ صَنمٌ مَعروفٌ بسومنات يُعَظِّمونَه أشَدَّ التَّعظيمِ، ويقَدِّمونَ له مِن القَرابينِ ما لا يُقَدَّمُ لصَنَمٍ غَيرِه، وكان يمينُ الدَّولة كلَّما فتَحَ مِن الهندِ فتحًا، وكسَرَ صنمًا يقولُ الهنود: إنَّ هذه الأصنامَ قد سَخِطَ عليها سومنات، ولو أنَّه راضٍ عنها لأهلَكَ مَن تقَصَّدَها بسُوءٍ، وقد كانوا يَفِدونَ إليه مِن كُلِّ فَجٍّ عَميقٍ، كما يفِدُ النَّاسُ إلى الكعبةِ بالبيتِ الحَرامِ، ويُنفِقونَ عنده النَّفَقاتِ والأموالَ الكثيرةَ التي لا تُوصَفُ ولا تُعَدُّ، وكان عليه من الأوقافِ عَشرةُ آلافِ قَريةٍ ومدينةٍ مشهورةٍ، وقد امتلأت خزائِنُه أموالًا، وعنده ألفُ رجُلٍ يَخدُمونَه، ومئاتُ الرِّجالِ يَحلِقونَ رُؤوسَ حَجيجِه، وكان عنده من المجاورينَ ألوفٌ يأكُلونَ مِن أوقافِه، فلَمَّا بلغ خبَرُ هذا الصَّنمِ وعُبَّادِه السُّلطانَ يَمينَ الدَّولةِ محمودَ الغَزنويَّ، عَزَمَ على غَزوِه وإهلاكِه, فاستخار اللهَ لِما بلَغَه مِن كَثرةِ الهُنودِ في طريقِه، والمفاوِز المُهلِكة، والأرض الخَطِرة، في تجَشُّم ذلك في جَيشِه، وعليه أن يقطَعَ تلك الأهوالَ، فانتَدَب معه ثلاثون ألفًا مِن المُقاتِلة مِمَّن اختارهم لذلك سِوى المتطَوِّعةِ، فسَلَّمَهم اللهُ حتى انتَهَوا إلى بلدِ هذا الوَثَن، ونزلوا بساحةِ عُبَّادِه، فإذا هو بمكانٍ بقَدرِ المدينةِ العظيمة، فما أسرَعَ أن مَلَكَه، وقتَلَ مِن أهله خمسينَ ألفًا وقلَعَ الوَثَن وأوقد تحته النَّارَ. قال ابنُ كثير: "ذكر غيرُ واحدٍ أنَّ الهنودَ بَذَلوا للسُّلطانِ مَحمود أموالًا جزيلةً لِيَترُكَ لهم هذا الصَّنمَ الأعظَمَ، فأشار من أشار مِن الأمراءِ على السلطان محمود بأخذِ الأموالِ وإبقاءِ هذا الصَّنَم لهم، فقال: حتى أستخيرَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ، فلمَّا أصبَحَ قال: إنِّي فكَّرتُ في الأمرِ الذي ذُكِرَ، فرأيتُ أنَّه إذا نودِيتُ يومَ القيامةِ أين محمود الذي كسَرَ الصَّنَم، أحَبُّ إليَّ مَن أن يقالَ: الذي ترَكَ الصَّنَمَ لأجْلِ ما ينالُه من الدُّنيا! ثمَّ عَزَم رَحِمَه اللهُ فكَسَرَه، فوجد عليه وفيه مِن الجواهِرِ واللآلئِ والذَّهَبِ والجواهِرِ النَّفيسة ما يُنَيِّفُ على ما بَذَلوه له بأضعافٍ مُضاعَفةٍ، ونرجو مِن اللهِ له في الآخرةِ الثَّوابَ الجَزيلَ الذي مِثقالُ دانقٍ منه خيرٌ مِن الدنيا وما فيها، مع ما حصَلَ له من الثَّناءِ الجَميلِ الدُّنيوي، فرَحِمَه اللهُ وأكرَمَ مَثواه", ثمَّ رحَلَ يَمينُ الدَّولة عائدًا إلى غزنة، فوصَلَها عاشِرَ صَفَر سنة 417.