كَثُرَ تسَلُّطُ الأتراك الجُندِ ببغداد، فأكثَروا مُصادراتِ النَّاسِ، وأخذوا الأموالَ، حتى إنَّهم فَرَضوا على الكَرخِ خاصَّةً مِئَة ألف دينار، وعَظُم الخَطبُ، وزاد الشَّرُّ، وأُحرِقَت المنازِلُ والدُّروبُ والأسواقُ، ودخل في الطَّمَعِ العامَّةُ والعيَّارون- والعَيَّارون: لصوصٌ يَمتَهِنونَ النَّهبَ والدعارةَ -، فكانوا يدخُلونَ على الرَّجُلِ فيُطالِبونَه بذخائِرِه، كما يفعَلُ السُّلطانُ بمن يُصادِرُه، فعَمِلَ النَّاسُ الأبوابَ على الدروب، فلم تغْنِ شيئًا، ووقَعَت الحربُ بين الجُندِ والعامَّةِ، فظَفِرَ الجُندُ التُّركُ، ونَهَبوا الكرخَ وغَيرَه، فأُخِذَ منه مالٌ جليلٌ، وهلك أهلُ السِّترِ والخَيرِ، فلمَّا رأى القُوَّادُ وعُقَلاءُ الجُندِ أنَّ المَلِكَ أبا كاليجار لا يَصِلُ إليهم، وأنَّ البلادَ قد خَرِبَت، وطَمِعَ فيهم المُجاوِرونَ مِن العَرَب والأكراد، راسَلوا جلالَ الدَّولة في الحضورِ إلى بغداد، فحَضَر في السَّنةِ التالية.
#1442
العام الهجري :417العام الميلادي :1026
الصلح بإفريقية بين كتامة وزناتة وبين المعز بن باديس الصنهاجي .
ورَدَت رُسُلُ زناتة وكتامة إلى المعِزِّ بنِ باديس الصِّنهاجيِّ، صاحِبِ إفريقيَّةَ، يَطلُبونَ منه الصُّلحَ، وأن يَقبَلَ منهم الطَّاعةَ والدُّخولَ تحت حُكمِه، وشَرَطوا أنَّهم يَحفَظونَ الطَّريقَ، وأعطَوا على ذلك عُهودَهم ومواثيقَهم، فأجابهم إلى ما سألوا، وجاءت مَشيخةُ زناتة وكتامة إليه، فقَبِلَهم وأنزلهم ووصَلَهم، وبذَلَ لهم أموالًا جليلةً.
#1443
العام الهجري :418العام الميلادي :1027
الهدنة بين الظاهر العبيدي الفاطمي حاكم مصر والروم .
وقَعَت الهُدنةُ بينَ مَلِك الروم قسطنطين الثَّامِن، والظَّاهِرِ العُبَيديِّ الفاطميِّ حاكِمِ مصرَ عن ديارِ مِصرَ والشام، وكُتِبَ بينهما كِتابٌ، وتفَرَّدَت الخُطبةُ للظاهِرِ ببلاد الرومِ، وفُتِحَ الجامِعُ الذي بقُسطنطينيَّة، وعُمِلَ له الحُصُر والقناديلُ، وأقيم به مؤذِّنٌ، وعند ذلك أذِنَ الظَّاهِرُ في فتحِ كَنيسةِ القمامة التي بالقُدسِ، وسَمَحَ لهم بإعادةِ بنائها، فحَمَلَ إليها ملوكُ النصارى الأموالَ والآلاتِ، وأعادوها، وارتَدَّ إلى دينِ النَّصرانيَّةِ كثيرٌ ممَّن أسلَمَ كَرْهًا في أيَّامٍ الحاكمِ العُبَيديِّ، كما سَمِحَ لهم بإعادةِ بناءِ الكنائِسِ التي هُدِّمَت في أيَّامِ الحاكِمِ، إلَّا التي تحوَّلَت إلى مساجِدَ، كما تضَمَّنَت المُعاهَدةُ إطلاقَ أسرى والمَنْع من إعانةِ حَسَّان بن مفرج الجَرَّاح صاحِبِ الرَّملة الذي خرج على الظَّاهِرِ الفاطميِّ.
#1444
العام الهجري :418العام الميلادي :1027
وفاة أبي إسحاق الإسفراييني .
هو الإمامُ العَلَّامةُ الأستاذُ، رُكنُ الدِّينِ، الفَقيهُ الشافعيُّ، الشيخُ أبو إسحاقَ، إبراهيمُ بنُ مُحَمَّد بنِ إبراهيم بنِ مَهران الإسفرايينيِّ, مِن أئمَّةِ الشَّافعيَّة, متكَلِّمٌ أصوليٌّ بارِعٌ، وأحَدُ الأئمَّةِ المُجتَهِدينَ في عَصرِه. صاحِبُ التَّصانيفِ الباهرةِ، والتَّعليقاتِ النَّافِعةِ في أصولِ الفِقهِ، لُقِّبَ برُكنِ الدِّينِ، وهو أوَّلُ مَن تلَقَّبَ مِن الفُقَهاءِ على طريقةِ ألقابِ الحُكَّام، درَّسَ في نَيسابورَ واشتهَرَ فيها, وبُنِيَت له فيها مدرسةٌ مَشهورةٌ، حيث درَسَ عليه عامَّةُ شُيوخِها، له مُصَنَّفاتٌ عَديدةٌ، منها: الجامِعُ في أصولِ الدِّينِ، والرَّدُّ على المُلحِدينَ، ورسالةٌ في أصولِ الفِقهِ، له مناظَراتٌ معروفةٌ مع المعتزلةِ، توفِّيَ يومَ عاشوراءَ بنَيسابورَ، ونُقِلَ إلى إسْفرايين ودُفِنَ بها.
#1445
العام الهجري :418الشهر القمري : ربيع الأولالعام الميلادي :1027
تنصيب هشام الثالث آخر الأمراء الأمويين في الأندلس .
لَمَّا انقَطَعَت دعوةُ يحيى بنِ عليٍّ الفاطميِّ عن قُرطُبةَ، أجمَعَ رأيُ أهلِ قُرطبةَ على ردِّ الأمرِ إلى بني أمَيَّة، وكان عَميدُهم في ذلك والذي تولَّى مُعظَمَه وسعى في تمامِه الوَزير أبا الحَزمِ جهور بنَ مُحمَّد بن جهور بن عبيد الله بن محمَّد بن الغمر بن يحيى بن عبد الغافر بن أبي عبدة، وقد كان ذهَبَ كُلُّ مَن يُنافِسُ في الرِّياسةِ في الفِتنةِ بقُرطُبةَ، فراسَلَ جهور من كان معه على رأيِه مِن أهلِ الثُّغورِ والمتَغَلِّبينَ هنالك على الأمورِ وداخلهم في هذا الأمرِ، فاتَّفَقوا بعد مُدَّةٍ طويلةٍ على تقديمِ أبي بكر هِشامِ بنِ مُحَمَّد بنِ عبد الملك بنِ عبدِ الرَّحمنِ الناصر، وهو أخو المرتضى، وكان هِشامٌ هذا مقيمًا بحِصنٍ في الثُّغورِ يُدعى ألبنت تحتَ إمرةِ أبي عبدِ اللهِ مُحَمَّد بن عبد الله بن قاسم القائِد المتغَلِّب بها، فبايعوه وتلَقَّبَ بالمعتَدِّ بالله.
#1446
العام الهجري :418الشهر القمري : رمضانالعام الميلادي :1027
وفاة الإمام اللالكائي .
هو الإمامُ الحافِظُ المُجَوِّد، المُفتي: أبو القاسِمِ هِبةُ اللهِ بنُ الحَسَنِ بنِ مَنصورٍ، الطَّبريُّ الرازيُّ، الشَّافعيُّ اللَّالَكائي، مفيدُ بغدادَ في وقته. وهو طبَريُّ الأصل، أحدُ تلامذةِ الشيخِ أبي حامدٍ الإسْفِرايينيِّ، كان يَفهَمُ ويَحفَظُ، وعُنِيَ بالحديثِ فصَنَّفَ فيه أشياءَ كثيرةً، ولكِنْ عاجَلَتْه المنيَّةُ قبل أن تشتَهِرَ كُتُبُه، وله كتابٌ في العقيدةِ على مَنهَجِ السَّلَفِ، وهو كتابُ: شَرح أصولِ اعتقادِ أهلِ السُّنَّة والجماعة، توفِّي بالدِّينَوَر.
#1447
العام الهجري :419العام الميلادي :1028
شغب الجند الأتراك ببغداد على جلال الدَّولة .
ثار الجُندُ الأتراكُ ببغداد على جَلالِ الدَّولة البُويهيِّ الشِّيعيِّ، وشَغَّبوا، وطالبوا الوزيرَ أبا علي بنَ ماكولا بما لهم من العلوفةِ والأدرار، ونَهَبوا دارَه ودُورَ كُتَّاب المَلِك وحواشيه، حتى المُغَنِّينَ والمُخَنَّثين، ونَهَبوا صياغاتٍ أخرَجَها جلالُ الدَّولة لتُضرَبَ دنانيرَ ودراهِمَ، وتُفَرَّق فيهم، وحَصَروا جلالَ الدَّولة في داره، ومَنَعوه الطَّعامَ والماءَ، حتى شَرِبَ أهلُه ماءَ البئر، وأكَلوا ثمرةَ البُستانِ، فسألهم أن يُمَكِّنوه من الانحدارِ، فاستأجروا له ولأهلِه وأثقالِه سُفُنًا، فجَعَل بين الدارِ والسُّفُن سُرادقًا لتجتازَ حَرَمُه فيه، لئلَّا يراهم العامَّةُ والأجنادُ، فقصَدَ بعضُ الأتراكِ السُّرادِقَ، فظَنَّ جلالُ الدَّولة أنَّهم يريدونَ الحَرَم، فصاح بهم يقولُ لهم: بلَغَ أمرُكم إلى الحَرَمِ! وتقَدَّم إليهم فصاح صِغارُ الغِلمانِ والعامَّة: جلالُ الدَّولة يا منصورُ، ونزل أحدُهم عن فَرَسِه وأركَبَه إيَّاه، وقَبَّلوا الأرضَ بين يَدَيه، فلمَّا رأى قُوَّادُ الأتراك ذلك هربوا إلى خيامِهم بالرَّملة، وخافوا على نُفوسِهم، وكان في الخِزانةِ سِلاحٌ كثيرٌ، فأعطاه جلالُ الدَّولة أصاغِرَ الغِلمانِ وجعَلَهم عنده، ثمَّ أرسل إلى الخليفةِ ليُصلِحَ الأمرَ مع أولئك القُوَّاد، فأرسَلَ إليهم الخليفةُ القادِرُ بالله، فأصلح بينهم وبين جلالِ الدَّولة، وحَلَفوا، فقَبَّلوا الأرضَ بينَ يَدَيه، ورَجَعوا إلى منازِلِهم، فلم يمضِ غيرُ أيَّامٍ حتى عادوا إلى الشَّغبِ، فباع جلالُ الدَّولةِ فُرُشَه وثيابَه وخِيَمَه وفَرَّقَ ثَمَنَه فيهم حتى سَكَنوا.
#1448
العام الهجري :419العام الميلادي :1028
الاختلاف بين الديلم والأتراك بالبصرة .
وَلِيَ النَّفيسُ أبو الفتحِ مُحمَّدُ بنُ أردشير البَصرةَ، استعمَلَه عليها جلالُ الدَّولة البُويهيُّ، فلمَّا وَصَل إلى المشان مُنحَدِرًا إليها، وقع بينه وبين الديلمِ الذين بالمشان وقعةٌ، فاستظهر عليهم وقَتَل منهم، وكانت الفِتَنُ بالبصرةِ بين الأتراك والديلم، وبها المَلِكُ العزيزُ أبو منصور بن جلال الدَّولة، فقَوِيَ الأتراكُ بها، فأخرجوا الدَّيلمَ، فمَضَوا إلى الأبلَّة، وصاروا مع بختيار بنِ عليٍّ، فسار إليهم المَلِكُ العَزيزُ بالأبلَّة ليُعيدَهم ويُصلِحَ بينهم وبين الأتراكِ، فكاشَفوه وحَمَلوا عليه، ونادَوا بشِعارِ أبي كاليجار، فعاد مُنهَزِمًا في الماءِ إلى البَصرةِ، ونَهَب بختيار نَهرَ الديرِ والأبلَّة وغيرهما من السَّوادِ، وأعانه الدَّيلمُ، ونَهَب الأتراك أيضًا، وارتكبوا المحظورَ، ونَهَبوا دارَ بنتِ الأوحَدِ بنِ مُكرم زوجةِ جلالِ الدَّولة.
#1449
العام الهجري :419الشهر القمري : ذي القعدةالعام الميلادي :1028
وفاة قوام الدَّولة أبو الفوارس البويهي الشيعي صاحب كرمان .
هو قوام الدَّولة أبو الفوارِسِ بنُ بَهاءِ الدَّولة البُويهيُّ الدَّيلميُّ الشِّيعيُّ، صاحِبُ كرمان. في سنة410 قُرِئَ عَهدُ أبي الفوارس ولُقِّبَ قوام الدَّولة، وخُلِعَ عليه خِلَعًا حُمِلَت إليه بوِلايةِ كرمان. كان أبو الفوارِسِ قد تجَهَّزَ لِقَصدِ بلاد فارس، وجَمَع عسكرًا كثيرًا، فأدرَكَه أجَلُه، فلمَّا توفِّيَ نادى أصحابُه بشعارِ ابنِ أخيه المَلِك أبي كاليجار، وأرسلوا إليه يَطلُبونَه إليهم، فسار مُجِدًّا، ومَلَك البلادَ بغَيرِ حَربٍ ولا قتالٍ، وأمِنَ النَّاسُ معه، وكانوا يكرهونَ عمَّه أبا الفوارِسِ لظُلمِه وسُوءِ سِيرتِه، وكان إذا شَرِبَ ضَرَبَ أصحابَه، وضَرَب وزيرَه يومًا مِئَتي مقرعةٍ، وحَلَّفَه بالطَّلاقِ أنَّه لا يتأوَّهُ، ولا يخبِرُ بذلك أحدًا، فقيلَ إنَّهم سَمُّوه فمات.
#1450
العام الهجري :420العام الميلادي :1029
كتاب محمود بن سبكتكين بما فعله بالباطنية وغلاة الرافضة .
وردَ إلى الخليفةِ القادِرِ بالله كِتابٌ مِن الأميرِ يَمينِ الدَّولة محمود بنِ سبكتكين الغزنوي أنَّه أحَلَّ بطائفةٍ مِن أهلِ الرَّيِّ مِن الباطنيَّة وغُلاة الرَّوافِضِ قَتلًا ذريعًا، وصَلبًا شَنيعًا، وأنَّه انتَهَب أموالَ رَئيسِهم رستُم بن علي الديلمي، فحصَلَ منها ما يُقارِبُ ألف ألف دينار، وقد كان في حيازتِه نحوٌ مِن خمسين امرأةً حُرَّة، وقد وَلَدْنَ له ثلاثًا وثلاثين ولدًا بين ذكَرٍ وأنثى، وكانوا يَرَونَ إباحةَ ذلك. وقد جاء في الكِتابِ: "إنَّ كِتابَ العَبدِ صَدَر مِن مُعسكَرِه بظاهِرِ الرَّيِّ غُرَّةَ جُمادى الآخرة سنة 420، وقد أزال اللهُ عن هذه البُقعةِ أيديَ الظَّلَمةِ وطَهَّرَها من دعوةِ الباطنيَّةِ الكَفَرة والمُبتَدِعة الفَجَرة، وقد كانت مدينةُ الرَّيِّ مَخصوصةً بالْتِجائِهم إليها وإعلانِهم بالدُّعاءِ إلى كُفرِهم، فيها يَختَلِطونَ بالمُعتَزِلة المُبتَدِعة، والغاليةِ مِن الرَّوافِضِ المُخالفةِ لِكِتابِ اللهِ والسُّنَّة، يتجاهرون بشَتمِ الصَّحابةِ ويُسِرُّونَ اعتقادَ الكُفرِ ومَذهَب الإباحة، وكان زعيمُهم رُستُم بنُ عليٍّ الدَّيلميُّ، فعطَفَ العَبدُ عِنانَه بالعساكرِ فطَلَع بجُرجان وتوقَّفَ بها إلى انصرافِ الشِّتاءِ، ثمَّ دَلَف منها إلى دامغان، ووجَّه عَلِيًّا الحاجب في مقَدِّمة العسكَرِ إلى الري، فبرز رُستُم بن علي على حُكمِ الاستسلامِ والاضطرارِ، فقُبِضَ عليه وعلى أعيانِ الباطنيَّةِ مِن قُوَّادِه, ثمَّ خرج الدَّيالِمة مُعتَرِفينَ بذُنوبِهم شاهِدينَ بالكُفرِ والرَّفضِ على نُفوسِهم، فرُجِعَ إلى الفُقَهاءِ في تعَرُّفِ أحوالهم، فاتَّفَقوا على أنَّهم خارِجونَ عن الطَّاعةِ وداخِلونَ في أهل الفَسادِ، مُستَمِرُّونَ على العنادِ، فيَجِبُ عليهم القَتلُ والقَطعُ والنَّفيُ على مراتِبِ جِناياتِهم، وذَكَر هؤلاء الفُقَهاءُ أنَّ أكثَرَ القَومِ لا يُقيمونَ الصَّلاةَ، ولا يُؤتُونَ الزَّكاةَ، ولا يَعرِفونَ شَرائِطَ الإسلامِ، ولا يُمَيِّزونَ بين الحلالِ والحرامِ، بل يجاهِرونَ بالقَذفِ وشَتمِ الصَّحابةِ، ويعتَقِدونَ ذلك ديانةً، والأمثَلُ منهم يتقَلَّدُ مذهَبَ الاعتزالِ، والباطِنيَّةُ منهم لا يُؤمِنونَ باللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وملائكتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليومِ الآخر، وأنَّهم يَعُدُّونَ جَميعَ المِلَلِ مَخاريقَ الحُكَماءِ، ويَعتَقِدونَ مَذهَبَ المَزدكيَّةِ: الإباحةَ في الأموالِ والفُروجِ والدِّماءِ، يَدَّعونَ الإسلامَ بإعلانِ الشَّهادةِ، ثمَّ يُجاهِرونَ بتَركِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، والصَّومِ والغُسلِ، وأكْلِ المَيتةِ، فقضى الانتصارُ لدينِ اللهِ تعالى بتَميُّزِ هؤلاء الباطنيَّةِ عنهم، فصُلِبوا على شارِعِ مدينةٍ طالَما تمَلَّكوها غَصبًا، واقتسموا أموالها نهبًا، وقد كانوا بذلوا أموالًا جَمَّةً يَفتَدونَ بها نُفوسَهم، وضَمَّ إليهم أعيانَ المُعتَزِلة والغُلاة مِن الرَّوافِضِ؛ ليتخَلَّصَ النَّاسُ من فِتنَتِهم، ثمَّ نَظَرَ فيما اختَزَنَه رُستم بن علي فعَثَر على أموالٍ طائلةٍ وأثاثٍ عظيمٍ. ومن الكُتُب خمسون حِملًا ما خلا كتُبَ المُعتَزِلة والفَلاسِفة والرَّوافِض، فأُحرِقَت تحت جُذوعِ المَصلوبين؛ إذ كانت أصولَ البِدَع، فخَلَت هذه البُقعةُ مِن دُعاةِ الباطنيَّةِ وأعيانِ المُعتَزِلة وغُلاةِ الرَّوافِضِ، وانتَصَرت السُّنَّة، فطالَعَ العبدُ بحقيقةِ ما يَسَّرَه اللهُ تعالى لأنصارِ الدَّولةِ القاهرةِ".
#1451
العام الهجري :420العام الميلادي :1029
وقعة الأقحوانة بين الظاهر (الفاطمي) وبين حسان بن الجراح .
كان حَسَّانُ بنُ الجَرَّاح قد خرج على الحاكِمِ، وأمَدَّه الرُّومُ، ثمَّ إنَّ الظاهِرَ لَمَّا عقَدَ المُعاهَدةَ مع الرُّومِ كان منها عدَمُ إمدادِ حَسَّان، فلمَّا كانت هذه السَّنَةُ أرسل الظَّاهِرُ الفاطميُّ جَيشًا بقيادةِ أنوشتكين التركي لَمَّا بلَغَه أنَّ حَسَّان وسِنان بن عليان أميرَ بني كلابٍ وصالِحَ بنَ مرداس أميرَ حَلَب اتَّفَقوا على إخراجِ الفاطميِّينَ مِن الشَّامِ واقتسامِها بينهم، فكانت الحَربُ بين جيشِ الفاطميِّينَ وبينهم في موقِعٍ يُدعى الأُقحُوانة عند طبَريَّة، وكان من نتائِجِ الحَربِ مَقتَلُ صالحِ بنِ مِرداس وهُروب حسَّان ولجوئِه إلى الرُّوم.
#1452
العام الهجري :420الشهر القمري : رجبالعام الميلادي :1029
الخليفة العباسي القادر يقرر مذهب اعتقاد أهل السنة والجماعة .
في الثَّامِنَ عَشَر مِن رَجَب جُمِعَ القُضاةُ والعُلَماءُ في دارِ الخلافة، وقُرِئَ عليهم كتابٌ كان القادِرُ بالله قد جمع فيه مواعِظَ وتفاصيلَ مذاهِبِ أهلِ البَصرةِ، وفيه الرَّدُّ على أهلِ البِدَع، وتَفسيقُ مَن قال بخَلقِ القُرآنِ، وصِفةُ ما وقع بين بِشرٍ المِريسيِّ وعبد العزيز بن يحيى الكِناني من المناظرة، ثمَّ خُتِمَ القَولُ بالمواعِظِ والقَولِ بالمعروفِ، والنَّهيِ عن المُنكَرِ، وأخَذَ خُطوطَ الحاضرينَ بالمُوافقةِ على ما سَمِعوه، وفي يومِ الاثنينِ غُرَّةَ ذي القَعدةِ جُمِعوا أيضًا كُلُّهم، وقُرِئَ عليهم كتابٌ آخَرُ طويلٌ يتضَمَّنُ بيانَ السُّنَّة، والرَّدَّ على أهلِ البِدَعِ، ومُناظرةَ بِشرٍ المِريسي والكناني أيضًا، والأمر بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر، وفَضْل الصحابة، وذِكْر فضائلِ أبي بكرٍ الصِّديقِ وعُمَرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ الله عنهما، ولم يَفرُغوا منه إلَّا بعد العَتَمةِ، وأُخِذَت خُطوطُهم بموافقةِ ما سَمِعوه، وعَزَلَ خُطَباءَ الشِّيعةِ، وولَّى خُطَباءَ السُّنَّة، وجَرَت فِتنةٌ بمَسجدِ براثا، وضَرَبَ الشِّيعةُ الخطيبَ السُّنِّيَّ بالآجُرِّ، حتى كَسَروا أنفَه وخَلَعوا كَتِفَه، فانتصر له الخليفةُ، وأهانَ الشِّيعةَ وأذَلَّهم، حتى جاؤُوا يَعتَذِرونَ ممَّا صنعوا، وأنَّ ذلك إنَّما تعاطاه السُّفَهاءُ منهم.