نَبع

الأحداث التاريخية

رحلة عبر الزمن في تاريخنا الإسلامي العريق

#1417
العام الهجري :411الشهر القمري : شوالالعام الميلادي :1021

الحاكم العبيدي يأمر بحرق القاهرة, ثم ادعائه الألوهية .

كان الحاكِمُ العُبَيديُّ صاحِبُ مِصرَ يواصِلُ الرُّكوبَ وتتصَدَّى له العامَّةُ، فيَقِفُ عليهم ويسمَعُ منهم. وكان النَّاسُ في ضنكٍ مِن العَيشِ معه. فكانوا يدسُّونَ إليه الرِّقاعَ المختومةَ بالدُّعاءِ عليه والسَّبِّ له ولأسلافِه، حتى إنَّهم عَمِلوا تمثالَ امرأةٍ مِن كاغد بخُفٍّ وإزارٍ ثمَّ نَصَبوها له، وفي يَدِها قصَّةً. فأمَرَ بأخْذِها مِن يَدِها، ففتَحَها فرأى فيها العظائمَ، فقال: انظُروا مَن هذه. فإذا هي تمثالٌ مَصنوعٌ. فتقَدَّمَ بطَلَبِ الأمراءِ والعُرَفاء فحَضَروا، فأمَرَهم بالمصيرِ إلى مِصرَ لِنَهبِها وحَرقِها بالنَّارِ وقَتلِ أهلِها, فتوجَّهوا لذلك، فقاتل المصريونَ عن أنفُسِهم بحَسَبِ ما أمكَنَهم. ولحِقَ النَّهبُ والحريقُ الأطرافَ والنواحيَ التي لم يكُنْ لأهلِها قُوَّةٌ على امتناعٍ، ولا قدرةٌ على دفاعٍ. واستَمَرَّت الحربُ بين العبيدِ والرَّعيَّة ثلاثةَ أيام، وهو يركَبُ ويُشاهِدُ النَّارَ، ويَسمَعُ الصِّياح. فيَسأل عن ذلك، فيُقال له: العَبيدُ يَحرِقونَ مِصرَ. فيتوجَّعُ ويقولُ: مَن أمَرَهم بهذا؟ لعَنَهم اللهُ, فلما كان في اليومِ الثَّالثِ اجتمَعَ الأشرافُ والشُّيوخُ إلى الجامِعِ ورَفَعوا المصاحِفَ، وعَجَّ الخَلقُ بالبُكاءِ والاستغاثةِ بالله. فرَحِمَهم الأتراكُ وتقاطَروا إليهم وقاتَلوا معهم. وأرسلوا إلى الحاكِمِ يقولونَ له: نحن عبيدُك ومماليكُك، وهذه النَّارُ في بلَدِك وفيه حَرَمُنا وأولادُنا، وما عَلِمْنا أنَّ أهلَها جَنَوا جنايةً تَقتَضي هذا، فإن كان باطِنٌ لا نَعرِفُه عَرِّفْنا به، وانتَظِرْ حتى نُخرِجَ عيالَنا وأموالَنا، وإن كان ما عليه هؤلاء العَبيدُ مُخالِفًا لرأيِك أطلِقْنا في مُعامَلتِهم بما نعامِلُ به المُفسِدينَ. فأجابهم: إنِّي ما أردتُ ذلك ولا أَذِنتُ فيه، وقد أَذِنتُ لكم في الإيقاعِ بهم، وأرسل للعبيدِ سِرًّا بأنْ كونوا على أمْرِكم، وقَوَّاهم بالسِّلاحِ، فاقتَتَلوا وعاودوا الرِّسالةَ: إنَّا قد عَرَفْنا غَرَضَك، وإنَّه إهلاكُ البَلدِ، ولَوَّحوا بأنَّهم يَقصِدونَ القاهرةَ، فلما رآهم مُستَظهرينَ، رَكِبَ حِمارَه ووقف بين الفَريقينِ، وأومأ إلى العَبيدِ بالانصرافِ، وسَكَنَت الفتنةُ، وكان قَدْرُ ما أُحرِقَ مِن مِصرَ ثُلُثَها، ونُهِبَ نِصفُها. وتتَبَّع المِصريونَ مِن أَسَرَ الزَّوجاتِ والبَناتِ، فاشتَرَوهنَّ مِن العَبيدِ بعد أن اعتُدِيَ عليهنَّ، حتى قَتَل جماعةٌ أنفُسَهنَّ مِن العارِ. ثمَّ زاد ظُلمُ الحاكِمِ، وعَنَّ له أن يَدَّعي الرُّبوبيَّةَ، كما فعَلَ فِرعونُ، فصار قَومٌ مِن الجُهَّالِ إذا رأوه يقولونَ: يا واحد يا أحد، يا محيي يا مميت.

#1418
العام الهجري :411الشهر القمري : شوالالعام الميلادي :1021

وفاة الحاكم العبيدي الفاطمي وتولي ابنه الظاهر لإعزاز دين الله .

هو صاحِبُ مِصرَ الحاكِمُ بأمر الله، أبو عليٍّ منصورُ بنُ العزيز نزار بن المعِزِّ معد بن المنصور إسماعيل بن القائم محمد بن المهدي، العُبَيديُّ الإسماعيليُّ الزِّنديقُ المُدَّعي الرُّبوبيَّة. مولِدُه سنةَ 375. أقاموه في المُلكِ بعد أبيه، وله إحدى عشرةَ سنةً. حكى هو عن نَفسِه قال: "ضَمَّني أبي وقَبَّلَني وهو عُريان، وقال: امْضِ فالعَبْ، فأنا في عافيةٍ. قال: ثمَّ توفِّيَ، فأتاني برجوان، وأنا على جميزةٍ في الدار. فقال: انزِلْ وَيحَك، اللهَ اللهَ فينا، فنَزَلْت، فوضَعَ العِمامةَ بالجوهَرِ على رأسي، وقبَّلَ الأرضَ، ثمَّ قال: السَّلامُ عليك يا أميرَ المُؤمنينَ، وخرج بي إلى النَّاسِ، فقَبَّلوا الأرضَ، وسَلَّموا عليَّ بالخِلافةِ". قال الذهبيُّ: "كان شَيطانًا مَريدًا جَبَّارًا عنيدًا، كثيرَ التلَوُّن، سَفَّاكًا للدِّماء، خبيثَ النِّحلةِ، عظيمَ المَكرِ، جَوادًا مُمَدَّحًا، له شأنٌ عجيبٌ، ونبأٌ غريبٌ، كان فرعونَ زَمانِه، يختَرِعُ كُلَّ وَقتٍ أحكامًا يُلزِمُ الرَّعيَّةَ بها، أمَرَ بسَبِّ الصَّحابةِ رَضِيَ الله عنهم، وبكتابةِ ذلك على أبوابِ المساجِدِ والشوارعِ، وأمَرَ عُمَّالَه بالسَّبِّ، وفي سنة 395 أمَرَ بقَتلِ الكِلابِ. وأبطَلَ بَيعَ الفَقعِ والمُلوخيَّة، وحَرَّم بيعَ السَّمَك بغيرِ قِشرٍ، ووقَعَ بباعةٍ لِشَيءٍ مِن ذلك فقَتَلَهم. وفي سنة 402 حَرَّمَ بيعَ الرُّطَب، وجمَعَ منه شيئًا عظيمًا فأحرَقَه، ومنَعَ مِن بَيعِ العِنَب، وأباد الكُرومَ. وأمر النَّصارى بتعليقِ صَليبٍ في رِقابِهم زِنَتُه رطلٌ وربعٌ بالدمشقيِّ، وألزم اليهودَ أن يُعَلِّقوا في أعناقِهم قرميَّةً في زنة الصَّليبِ إشارةً إلى رأسِ العِجلِ الذي عبدوه، وأن تكونَ عِمائِمُهم سُودًا، وأن يدخُلوا الحَمَّام بالصَّليبِ وبالقرمية، ثم أفرَدَ لهم حَمَّاماتٍ. وأمَرَ في العامِ بهَدمِ كَنيسةِ قمامة، وبهدمِ كَنائِسِ مِصرَ، فأسلَمَ عِدَّةٌ، ثمَّ إنه نهى عن تقبيلِ الأرضِ، وعن الدُّعاءِ له في الخُطَب وفي الكُتُب، وجعَلَ بدَلَه السَّلامُ عليه، ثمَّ إنَّ ابنَ باديس أميرَ المغربِ بَعَث ينقِمُ عليه أمورًا، فأراد أن يَستَميلَه، فأظهَرَ التفَقُّهَ، وحمَلَ في كُمِّه الدَّفاتر، ولَزِمَ التفَقُّهَ وأمَرَ الفُقَهاءَ بِبَثِّ مَذهَبِ مالكٍ، واتَّخَذ له مالكيَّينِ يُفَقِّهانِه، ثمَّ تغَيَّرَ فقَتَلَهما صبرًا", وفي سنة 404 نفى المنَجِّمينَ مِن بلاده. ومنَعَ النِّساءَ مِن الخروجِ مِن البيوتِ، وأبطَلَ عَمَل الِخفافِ لهنَّ جُملةً، وما زِلنَ ممنوعاتٍ مِن الخروجِ سَبعَ سِنينَ وسَبعةَ أشهر. ثم بعد مُدَّةٍ أمَرَ بإنشاءِ ما هُدِمَ من الكنائِسِ، وأذِنَ للنَّصارى الذين أكرَهَهم في العَودِ إلى الكُفرِ، وخبَرُ هلاكِه أنه فُقِدَ في ليلةِ الاثنينِ لثلاثٍ بَقِينَ مِن شَوَّال، ولم يُعرَفْ له خبَرٌ، وكان سبَبُ فَقدِه أنَّه خرج يطوفُ ليلةً على رَسمِه، وأصبح عند قَبرِ الفقاعي، وتوجَّهَ إلى شرقي حُلوان ومعه ركابيَّان، فأعاد أحدَهما مع جماعةٍ مِن العرب إلى بيتِ المال، وأمر لهم بجائزةٍ، ثمَّ عاد الركابيُّ الآخر، وذكَرَ أنَّه خَلَّفَه عند العَينِ والمقصبة، وبقيَ النَّاسُ على رسمِهم يَخرُجونَ كُلَّ يومٍ يلتَمِسونَ رُجوعَه إلى آخر شوال، فلما كان ثالثُ ذي القعدة خرج مُظَفَّر الصقلبي وغَيرُه من خواصِّ الحاكِمِ، ومعهم القاضي، فبَلَغوا عسفان، ودخلوا في الجَبَلِ، فبَصُروا بالحِمارِ الذي كان عليه راكبًا، وقد ضُرِبَت يداه بسَيفٍ فأثَّرَ فيهما، وعليه سَرجُه ولِجامُه، فاتَّبَعوا الأثَرَ، فانتهوا به إلى البِركةِ التي شَرقيَّ حلوان، فرأوا ثيابَه، وهي سبعُ قِطَع صُوف، وهي مُزَرَّرة بحالِها لم تُحَلَّ، وفيها أثَرُ السَّكاكين، فعادوا ولم يَشُكُّوا في قَتلِه، وكان عُمُرُه 37 سنة، وولايته 25 سنة, وقيل: إنَّ سَبَبَ قَتلِه هو أنَّه كان كثيرَ الشَّتمِ والسَّبِّ لأختِه سِتِّ الملك، واتَّهَمَها بالفاحشة، فعَمِلَت على قتلِه، بحيث كانت تَعرِفُ يومَ خُروجِه إلى الجَبَلِ لينظُرَ في النجومِ، فتمالأت مع الوزيرِ وأرسلوا عبدينِ أسودَينِ، فلما كان من اللَّيلِ وسار إلى الجبَلِ وَحدَه، قتَلَه العبدانِ وأحضراه إلى أختِه التي دفنته في دارِه، وقَرَّرَت توليةَ وَلَدِه، وكان حينها بدمشقَ، فأخبَرَت النَّاسَ أنَّ الحاكِمَ سيَغيبُ سَبعةَ أيَّامٍ, وهذا لِيَسكُنَ النَّاسُ ويَحضُرَ ابنُه من دمشق، فلما حضَرَ جَهَّزَتْه وأخرَجَتْه للنَّاسِ، على أنَّه الحاكِمُ الجديدُ، وابنُه هو أبو الحسن علي، ولُقِّبَ الظاهِرَ لإعزاز دين الله، وأُخِذَت له البيعةُ.

#1419
العام الهجري :412العام الميلادي :1021

ذكر حماية محمود الغزنوي حجاج العراق .

لَمَّا توقَّفَ الحجُّ مِن العِراقِ عِدَّةَ سَنَواتٍ مُتَتالياتٍ خَوفًا مِن الأعرابِ قُطَّاعِ الطُّرُقِ، قَصَد النَّاسُ يَمينَ الدَّولةِ محمودَ بنَ سبكتكين وقالوا له: أنت سُلطانُ الإسلامِ وأعظَمُ مُلوكِ الأرض، وفي كلِّ سَنةٍ تَفتَحُ مِن بلادِ الكُفرِ ما تُحِبُّه، والثَّوابُ في فَتحِ طَريقِ الحَجِّ أعظَمُ، وقد كان الأميرُ بَدرُ بنُ حسنويه، وما في أمرائِك إلَّا مَن هو أكبَرُ منه شأنًا، يُسَيِّرُ الحاجَّ بمالِه وتدبيرِه عشرينَ سَنةً، فتقَدَّمَ ابنُ سبكتكين إلى قاضيه أبي مُحمَّدٍ الناصحي بالتأهُّبِ للحَجِّ، ونادى في أعمالِ خُراسان بالحَجِّ، وأطلق للعَرَبِ ثلاثينَ ألفَ دينارٍ سَلَّمَها إلى النَّاصحيِّ المذكورِ غيرَ ما للصَّدَقاتِ، فحَجَّ بالنَّاسِ أبو الحَسَن ِالأقساسي، فلمَّا بلغوا فيدَ حاصَرَتْهم العرَبُ، فبذل لهم القاضي النَّاصحي خمسةَ آلافِ دينارٍ، فلم يَقنَعوا وصَمَّموا على أخذِ الحافي، فرَكِبَ رأسَهم جَمَّازُ بنُ عديٍّ، وقد انضم عليه ألفا رجُلٍ مِن بني نبهان، وأخذ بِيَدِه رمحًا وجال حولَ الحاجِّ، وكان في السَّمَرْقنديِّينَ غُلامٌ يُعرَفُ بابنِ عَفَّان، فرماه بسَهمٍ فسَقَط منه مَيِّتًا وهَرَب جَمعُه، وعاد الحاجُّ في سلامةٍ.

#1420
العام الهجري :412العام الميلادي :1021

نهاية الدَّولة الزيادية في اليمن وقيام دولة بني نجاح .

لَمَّا توفِّيَ أبو الحَبشِ إسحاقُ بنُ إبراهيمَ حاكِمُ دَولةِ بني زيادٍ في اليَمَنِ سَنَةَ 371، وقد طالت مُدَّةُ حُكمِه وأسَنَّ؛ خَلَفَه طِفلٌ قيلَ اسمُه زيادُ بنُ أبي الحبش، وتولت أختُه هندُ بنت أبي الحبش، وتولى معها في تصريفِ شُؤونِ الدَّولةِ رشد، وهو عبدٌ لأبي الحبَشِ، وبقي رشدٌ على ولايتِه حتى مات، فتَولَّى عبدٌ لرشدٍ اسمُه حُسَينُ بن سلامة إدارةَ الدَّولةِ، وسلامة هي أمُّ حسين، ونشأ حسينٌ حازِمًا عفيفًا، وصار وزيرًا لهند ولأخيها زيادٍ حتى ماتا، ثم انتقل مُلكُ اليَمَنِ إلى طفلٍ من آلِ زيادٍ، وقامت بأمرِه عَمَّتُه وعبدٌ لحُسَينِ بنِ سلامة اسمُه مرجان، وكان لمرجان عبدانِ قد تغَلَّبا على أمورِه قَيسٌ ونجاح، ونجاحٌ جَدُّ ملوك زبيد، فتنافَسَ قيسٌ ونجاحٌ على الوَزارةِ، وكان قيسٌ عَسُوفًا ونجاحٌ رَؤوفًا، وسَيِّدهما مرجان يميلُ مع قيسٍ على نَجاحٍ، وعَمَّة الطفل تميلُ إلى نجاح، فشكا ذلك قيسٌ إلى مولاه مرجان، فقبض مرجان على المَلِك واسمُه إبراهيم- وقيل: عبد الله- وعلى عَمَّتِه، وسلَّمَهما إلى قيسٍ، فبنى عليهما جدارًا وخَتَمه حتى ماتا، وإبراهيمُ آخِرُ مُلوكِ اليمَنِ من بني زياد، ومُدَّةُ مُلكِ بني زياد اليَمَن مائتان وأربع سنين، وانتقل مُلكُهم إلى عَبيدِ عَبيدِ (بني زياد)؛ لأنَّ المُلكَ صار لنَجاحٍ.

#1421
العام الهجري :413العام الميلادي :1022

أهل العراق يعودون للحج بعد أن توقف سنوات خوفاً من الأعراب .

حجَّ النَّاسُ مِن العراقِ بعد أن توقَّفَ الحَجُّ مِن جِهةِ العِراقِ والشَّامِ وما وراءَ النَّهرِ؛ خوفًا من الأعرابِ الذين كانوا يَقطَعونَ الحَجَّ ويَنهَبونَ ويَقتُلونَ الحُجَّاجَ؛ حيث بقِيَ الأمرُ على ذلك عِدَّةَ سَنَواتٍ تُقارِبُ العَشرَ، لا يخرُجُ وَفدُ حَجٍّ مِن هذه المناطِقِ إلَّا من مصرَ والمغربِ واليمَنِ أحيانًا.

#1422
العام الهجري :413العام الميلادي :1022

رجل من أتباع الباطنية يطعن الحجر الأسود ثلاث ضربات .

اتَّفَق أحَدُ المِصريِّينَ مِن أصحابِ الحاكِمِ مع جماعةٍ مِن الحُجَّاجِ المصريِّينَ على أمرٍ سُوءٍ، وذلك أنَّه لَمَّا كان يومُ النَّفرِ الأوَّلِ، طاف هذا الرجُلُ بالبَيتِ، فلما انتهى إلى الحَجَرِ الأسودِ جاء ليُقَبِّلَه فضَرَبه بدبوسٍ كان معه ثلاثَ ضَرَباتٍ مُتَوالياتٍ، وقال: إلى متى نعبُدُ هذا الحجَرَ؟ ولا مُحمَّدٌ ولا عليٌّ يَمنَعُني ممَّا أفعله، فإنِّي أهدم اليومَ هذا البيتَ، وجعل يرتَعِدُ، فاتَّقاه أكثَرُ الحاضرينَ وتأخَّروا عنه؛ وذلك لأنَّه كان رجُلًا طُوالًا جَسيمًا، وعلى باب المسجِدِ الحَرامِ جَماعةٌ مِن الفُرسان وُقوفٌ لِيَمنعوه ممَّن يريدُ مَنْعَه من هذا الفِعلِ وأراده بسُوءٍ، فتقَدَّمَ إليه رجلٌ مِن أهلِ اليَمَنِ معه خِنجَرٌ فوَجَأَه به، وتكاثَرَ النَّاسُ عليه فقَتَلوه وقَطَّعوه قِطَعًا، وحَرَّقوه بالنَّارِ، وتَتَّبَعوا أصحابَه فقتلوا منهم جماعةً، ونَهَبَت أهلُ مَكَّةَ الرَّكبَ المصريَّ، وتعدَّى النَّهبُ إلى غيرهم، وجَرَت خبطةٌ عَظيمةٌ، وفِتنةٌ كبيرةٌ جِدًّا، ثم سكَنَ الحالُ بعد أن تُتُّبِعَ أولئك النَّفَرُ الذين تمالَؤوا على الإلحادِ في أشرَفِ البلادِ، غيرَ أنَّه قد سقط من الحَجَرِ ثلاثُ فِلَقٍ مِثل الأظفارِ، وبدا ما تحتَها أسمَرَ يَضرِبُ إلى صُفرةٍ، مُحَبَّبًا مثل الخَشخاشِ، فأخذ بنو شيبةَ تلك الفِلَقَ فعَجَنوها بالمِسْكِ وحَشَوا بها تلك الشُّقوقَ التي بَدَت، فاستمسَكَ الحَجَرُ.

#1423
العام الهجري :413العام الميلادي :1022

وفاة الشيخ المفيد ابن المعلم شيخ الإمامية الرافضة .

عالمُ الرَّافِضةِ، صاحِبُ التَّصانيفِ: أبو عبدِ اللهِ مُحمَّدُ بنُ محمد بن القاضي النعمان البغدادي الكَرْخي بن محمد المغربي، المعروفُ بابنِ المعَلِّم أو الشَّيخ المُفيد شيخ الإماميَّة الرَّوافض، والمُصَنِّف لهم، والمُحامي عن حوزتِهم، صاحِب فُنونٍ وبحوثٍ وكلام، واعتزالٍ وأدبٍ. قال الذهبي: "ذكَرَه ابن أبي طي في "تاريخ الإماميَّة"، فأطنب وأسهب، وقال: كان أوحَدَ في جميعِ فُنونِ العلم: الأصلينِ، والفِقه، والأخبار، ومعرفة الرِّجال، والتفسير، والنحو، والشعر". كانت له وَجاهةٌ عند ملوك الأطرافِ، وكان مَجلِسُه يَحضُرُه خَلقٌ كَثيرٌ مِن العُلَماءِ مِن سائر الطوائِفِ، وكان من جُملةِ تلاميذِه الشَّريفُ الرَّضِيُّ، والمرتضى، له تصانيفُ؛ منها: الإرشادُ، والرسالة المُقنِعة، والإعلام فيما اتَّفَقَت عليه الإماميَّة من الأحكامِ وغيرها. كان يُناظِرُ أهلَ كُلِّ عقيدةٍ مع ما له من العَظَمةِ في الدَّولة البُويهيَّة، والرُّتبة الجَسيمة عند الخُلَفاء، وكان قويَّ النَّفسِ، كثيرَ البِرِّ، عظيمَ الخُشوعِ، كثيرَ الصَّلاة والصَّوم، يَلبَسُ الخَشِنَ من الثياب، وكان مُديًما للمطالعةِ والتَّعليمِ، ومن أحفَظِ الناس. قيل: "إنَّه ما ترك للمُخالفينَ كِتابًا إلَّا وحَفِظَه، وبهذا قَدَرَ على حَلِّ شُبَهِ القَومِ، وكان مِن أحرَصِ النَّاسِ على التَّعليم؛ يدورُ على المَكاتبِ وحوانيتِ الحاكَةِ، فيتلَمَّحُ الصبيَّ الفَطِنَ، فيستأجرُه من أبويه- يعني فيُضِلُّه- وبذلك كَثُر تلامِذتُه". ربما زاره عَضُدُ الدَّولة، وكان يقضي حوائجَه ويقول له: اشفَعْ تُشَفَّع، وكان يقومُ لتلامذتِه بكُلِّ ما يحتاجونَ إليه. وكان الشَّيخُ المفيد ربعةً نحيفًا، أسمرَ، وما استغلَقَ عليه جوابٌ إلَّا فَزِعَ إلى الصلاة، ثم يسألُ اللهَ فيُيَسِّرُ له الجواب. عاش ستًّا وسبعين سنة، وصَنَّف أكثَرَ من مِئَتي مُصَنَّف، وشَيَّعَه ثمانون ألفًا، وكانت جنازتُه مشهودة. قال الذهبي: "بلَغَت تواليفُه مِئَتين، لم أقِفْ على شيءٍ منها، ولله الحَمدُ"

#1424
العام الهجري :413الشهر القمري : جمادى الأولىالعام الميلادي :1022

وفاة ابن البواب الكاتب المشهور .

الكاتِبُ المَشهورُ صاحِبُ الخَطِّ المنسوبِ أبو الحَسَنِ عليُّ بنُ هلالٍ البَغداديُّ، المعروف بابنِ البَوَّاب؛ ويقال له "ابن الستري" أيضًا؛ لأنَّ أباه كان بوَّابًا، والبَوَّاب ملازِمٌ سِترَ البابِ، فلهذا نُسِبَ إليهما. كان شَيخُه في الكتابةِ ابنَ أسَدٍ الكاتِبَ المَشهورَ، وهو أبو عبدِ اللهِ مُحمَّدُ بنُ أسدِ بنِ عليِّ بنِ سَعيدٍ القارئ الكاتب البزَّاز البغدادي. قال ابن كثيرٍ: "وقد أثنى على ابنِ البوَّابِ غَيرُ واحد في دينِه وأمانته، وأمَّا خَطُّه وطريقتُه، فهي أشهرُ مِن أن نُنَبِّهَ عليها، وخَطُّه أوضَحُ تعريبًا من خط الوزيرِ أبي عليِّ بنِ مُقلةَ الكاتبِ المَشهورِ، ولم يكُنْ بعدَ ابنِ مُقلةَ أكتَبُ منه، وعلى طريقتِه النَّاسُ اليومَ في سائِرِ الأقاليمِ إلَّا القَليلَ". قال ابنُ خَلِّكانَ: "لم يوجَدْ في المتقَدِّمينَ ولا المتأخِّرينَ مَن كَتَبَ مِثلَه ولا قارَبَه، وإن كان أبو عليٍّ ابنُ مُقلةَ الوزيرُ أوَّلَ مَن نَقَل هذه الطريقةَ مِن خَطِّ الكوفيِّينَ، وأبرَزَها في هذه الصُّورةِ، وله بذلك فضيلةُ السَّبقِ، وخَطُّه أيضًا في نهايةِ الحُسنِ، لكِنَّ ابنَ البوَّابِ هَذَّبَ طريقةَ ابنِ مُقلةَ ونَقَّحَها وكَساها طلاوةً وبَهجةً. والكُلُّ مُعتَرِفٌ لابنِ البوَّابِ بالتفَرُّد، وعلى منوالِه يَنسجونَ، وليس فيهم من يَلحَقُ شَأوَه ولا يَدَّعي ذلك، مع أنَّ في الخَلقِ مَن يدَّعي ما ليس فيه، ومع هذا فما رأَينا ولا سَمِعْنا أنَّ أحدًا ادَّعى ذلك، بل الجميعُ أقَرُّوا له بالسَّابقةِ وعَدَمِ المشاركة". توفِّي ابنُ البوَّاب ببغداد، ودُفِنَ جوارَ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ.

#1425
العام الهجري :414العام الميلادي :1023

نهاية حكم بني حمود الطالبيين في الأندلس .

كان القاسِمُ بنُ حَمُّود بقُرطبةَ تَولَّى الحُكمَ بعد أخيه عليِّ بنِ حَمُّود, ثمَّ قام عليه ابنُ أخيه يحيى بنُ علي بن حمود بمالقةَ، فهرب القاسِمُ مِن قُرطبةَ بلا قتالٍ، وصار بأشبيليَّةَ، ثم عاد إليها مرَّةً أخرى، فبقي القاسِمُ بقُرطبةَ شُهورًا واضطَرَب أمرُه، وغَلَب ابنُ أخيه يحيى على المدينةِ المعروفةِ بالجزيرةِ الخضراءِ، وهي كانت مَعقِلَ القاسِمِ، وبها كانت امرأتُه وذخائِرُه، وغلب ابنُ أخيه الثاني إدريسُ بنُ علي صاحِبُ سبتةَ على طنجةَ، وهي كانت عُدَّةُ القاسِمِ يلجأُ إليها إن رأى ما يخافُه بالأندلس، ثمَّ إنَّ أهلَ قُرطبةَ زَحَفوا إلى البربرِ، فانهزم البربرُ عن القاسمِ وخَرَجوا من الأرباضِ كُلِّها في شعبان سنة 414، ولَحِقَت كلُّ طائفةٍ مِن البربرِ ببلَدٍ غَلَبَت عليه، وقصَدَ القاسِمُ أشبيليَّةَ وبها كان ابناه محمَّدٌ والحسن, فلمَّا عَرَفَ أهلُ أشبيليَّةَ خُروجَه عن قُرطُبة ومَجيئَه إليهم، طردوا ابنَيه ومن كان معهما مِن البربرِ وضَبَطوا البلَدَ وقَدَّموا على أنفُسِهم ثلاثةً مِن أكابِرِ البَلَدِ. لَحِقَ القاسِمُ بشَرِيش، واجتَمَعَ البَربرُ على تقديمِ ابنِ أخيه يحيى، فزَحَفوا إلى القاسِمِ فحاصروه حتى صار في قبضةِ ابنِ أخيه، وانفرَدَ ابنُ أخيه يحيى بولايةِ البربر. وبَقِيَ القاسِمُ أسيرًا عنده وعند أخيه إدريسَ بعده إلى أن مات إدريسُ، فقُتِلَ القاسمُ خَنقًا سنة 431، وحُمِلَ إلى ابنه محمَّدِ بنِ القاسم بالجزيرة، فدَفَنَه هناك. فكانت ولايةُ القاسِمِ منذ تسمَّى بالخلافةِ بقُرطبةَ إلى أن أسَرَه ابنُ أخيه سِتَّةَ أعوامٍ، ثم كان مقبوضًا عليه ستَّ عشرةَ سَنةً عند ابني أخيه يحيى وإدريس، إلى أن قُتِلَ. مات القاسِمُ وله ثمانون سنة، وله مِن الولد محمد والحسن، أمُّهما أميرةُ بنتُ الحَسَنِ بن قَنُّون بن إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.

#1426
العام الهجري :414العام الميلادي :1023

وفاة الفيلسوف الصوفي أبو حيان التوحيدي .

هو أبو حيَّانَ عليُّ بن محمَّد بن العبَّاس البغدادي، الصوفي، صاحِبُ التَّصانيفِ، له مصنَّفاتٌ عديدةٌ في الأدبِ والفصاحةِ والفلسفةِ، له مصنَّفٌ كبيرٌ في تصوُّفِ الحكماءِ، وزهَّاد الفلاسفة، وكتابٌ سمَّاه البصائرَ والذخائرَ, وكان سيئَ الاعتقادِ، نفاه الوزيرُ أبو محمد المهلبي. ذكر ابن بابي في كتاب الخريدة والفريدة: "كان أبو حيان كذَّابًا، قليلَ الدين والوَرَع عن القَذفِ والمجاهَرة بالبُهتان، تعرَّضَ لأمور جِسامٍ من القَدحِ في الشريعة والقَولِ بالتعطيل، ولقد وقف سيدُنا الصاحِبُ كافي الكُفاة على بعضِ ما كان يدغلُه ويُخفيه من سوء الاعتقادِ، فطلبه ليقتُلَه، فهرب والتجأ إلى أعدائه، ونفَق عليهم بزُخرفه وإفكِه، ثم عثَروا منه على قبيحِ دخلته وسوء عقيدته وما يُبطِنُه من الإلحاد ويرومُه في الإسلام من الفساد، وما يُلصِقُه بأعلام الصَّحابة من القبائِحِ، ويضيفُه إلى السلف الصالح من الفضائح، فطلبه الوزيرُ المهلبي فاستتر منه، ومات في الاستتار، وأراح الله منه، ولم تؤثَرْ عنه إلا مَثلبةٌ أو مخزيةٌ. "

#1427
العام الهجري :414الشهر القمري : صفرالعام الميلادي :1023

مسير السلطان مشرّف الدَّولة إلى بغداد .

سار السُّلطانُ مُشرفُ الدَّولة مُصعِدًا إلى بغداد من ناحيِة واسط، ورُوسِلَ القادِرُ باللهِ في البروزِ لتَلَقِّيه، فتلقَّاه من الزلاقة، ولم يكن تلقَّى أحدًا من الملوكِ قَبلَه. فرَكِبَ في الطيار، وعن جانبه الأيمَنِ الأميرُ أبو جعفر، وعن يسارِه الأميرُ أبو القاسمِ، وبين يديه أبو الحسَنِ عليُّ بنُ عبد العزيز، وحوالي القُبَّة الشريف أبو القاسم المرتضي، وأبو الحَسَن الزينبي، وقاضي القُضاة ابنُ أبي الشوارب، وفي الزبازب المسَوِّدة من العباسيِّين، والقضاة، والقُرَّاء، والعلماء، ونزل مُشرفُ الدَّولة في زبزبه بخواصِّه، وصعد إلى الطيار، فقَبَّلَ الأرض، وأُجلِسَ على كرسيٍّ، وسأله الخليفةُ عن خبره وكيف حالُه، والعسكَرُ واقِفٌ بأسره على شاطئِ دِجلةَ، والعامَّةُ في الجانبين. ثم قام مشرف الدَّولة فنزل إلى زبزبه، وأصعد الطيار.

#1428
العام الهجري :414الشهر القمري : صفرالعام الميلادي :1023

محمود بن سبكتكين يفتح قلعة بالهند .

أوغلَ يَمينُ الدَّولة محمودُ بنُ سبكتكين في بلاد الهندِ، فغَنِمَ وقَتَل، حتى وصل إلى قلعةٍ على رأس جبَلٍ منيعٍ، ليس له مَصعدٌ إلَّا من موضعٍ واحدٍ، وهي كبيرةٌ تَسَعُ خلقًا، وبها خمسُمِئَة فيل، وفي رأسِ الجَبَلِ من الغَلَّات والمياه، وجميعِ ما يحتاجُ الناسُ إليه، فحصرهم يمينُ الدَّولة، وأدام الحِصارَ، وضَيَّق عليهم، واستمَرَّ القتال، فقُتِل منهم كثيرٌ، فلما رأَوا ما حلَّ بهم أذعنوا له، وطلبوا الأمان، فأمَّنَهم وأقَرَّ مَلِكَهم فيها على خراجٍ يأخُذُه منه، وأُهديَ له هدايا كثيرةٌ، منها طائِرٌ على هيئة القمريِّ مِن خاصيَّتِه إذا أُحضِرَ الطَّعامُ وفيه سُمٌّ دَمِعَت عينا هذا الطائِرِ وجرى منهما ماءٌ، ثم يتحَجَّرُ، فإذا حُكَّ وجُعِلَ على الجِراحاتِ الواسعةِ ألحَمَها.

117 118 119 120 121
#

نَبْع

أصل صافٍ للمعرفة الشرعية

للمزيد قم بزيارة موقعنا

nabe.vercel.app