هزيمة نصارى الأندلس على يد محمَّد بن عبد الملك الطويل .
خرج محمَّدُ بنُ عبد الملك الطويل إلى بار بليارش؛ فافتتح حصنَ أوربوالة، وأصاب من المُشرِكينَ ثلاثمائة سبية، وقتل كثيرًا منهم، وهدَمَ الحِصنَ وحَرَّقه. وتقَدَّمَ إلى حصني علتير والغبران فهَدَمهما. وكان مبلغُ الفَيءِ في هذه الغزاة ثلاثةَ عشرَ ألفًا.
#1010
العام الهجري :297الشهر القمري : ربيع الآخرالعام الميلادي :910
تأسيس دولة العبيديين الفاطميين في أفريقيا .
لَمَّا ظهر المهدِيُّ مِن سِجنِه أقام بسِجِلماسة أربعين يومًا، ثم سار إلى أفريقيَّة، وأحضر الأموالَ من إنكجان، فجعَلَها أحمالًا وأخذها معه، وقد عمِلَ أبو عبدالله الشيعي على زوالِ مُلك بني الأغلب، ومُلك بني مدرار الذين منهم اليسَع، وكان لهم ثلاثون ومائة سنةً منفردين بسجلماسة، وزوالِ مُلكِ بني رستم من تاهرَت، ولهم ستون ومائة سنةٍ تفرَّدوا بتاهَرت، ومَلَك المهديُّ جميع ذلك، فلمَّا قَرُب من رقادة تلقَّاه أهلها، وأهلُ القَيروان، وأبو عبدالله، ورؤساءُ كُتامة مشاةً بين يديه، وولَدُه خَلْفَه، فسلَّموا عليه، فردَّ جميلًا، وأمَرَهم بالانصراف، ونزل بقصرٍ من قصور رقادة، وأمر يومَ الجُمُعة بذِكرِ اسمِه في الخطبة في البلاد، وتلقَّب بالمهديِّ أميرِ المؤمنين، وجلس بعد الجمعةِ رجلٌ يُعرَف بالشَّريف، ومعه الدُّعاةُ، وأحضروا النَّاسَ بالعنف والشدّة، ودَعَوهم إلى مذهبِهم، فمن أجاب أُحسِنَ إليه، ومَن أبى حُبِسَ، فلم يدخُلْ في مذهبِهم إلَّا بعضُ الناس، وهم قليلٌ، وقُتِلَ كثيرٌ ممَّن لم يوافِقْهم على قولهم، فكان أوَّل من حَكَم هو هذا الملَقَّب بالمهدي واسمُه عبيدالله بن عبدالله بن ميمون، وقد اختُلِفَ كثيرًا في نَسَبِه وصِحَّتِه، فمنهم من يقولُ: نسبُه صحيحٌ إلى علي بن أبي طالب، ومنهم من يقولُ: بل هو راجِعٌ إلى ميمون القدَّاح، ومنهم من يقولُ: بل أصلُه يهودي ربيبُ الحسين بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، بل قيل: إنَّ اليسَع قد قَتَل عُبيدَ الله، وجعل مكانه رجلًا يهوديًّا في السجن، وهو الذي أخرجه أبو عبدالله الشيعي، عِلمًا أنَّ أبا عبدالله الشيعي لم يَسبِقْ له أن رأى المهديَّ أصلًا؛ ولذلك حصل الشِّقاقُ بينهم فيما بعدُ, وعلى أيِّ حالٍ كان ومِن أيِّ نسَبٍ كان، فإنَّ دولَتَهم وما كانوا يَدْعونَ إليه كفيلةٌ ببيان ما كانوا عليه من الكُفرِ والنِّفاقِ والشِّقاقِ لأهلِ الحقِّ والإسلامِ.
#1011
العام الهجري :297الشهر القمري : ربيع الآخرالعام الميلادي :910
إعلان قيام الدولة الفاطمية برقادة .
نجح أبو عبد الله الشيعيُّ داعيةُ الإسماعيليَّةُ في إعلانِ قيامِ الدَّولةِ الفاطميَّةِ في "رقادة" عاصمةِ دولةِ الأغالبةِ، ومُبايعةِ عُبيدِ الله المَهديِّ بالخلافة، وجاء هذا النَّجاحُ بعد محاولاتٍ فاشلةٍ قام بها الشِّيعةُ منذ قيامِ الدولة الأمويَّة للظَّفَرِ بالخلافةِ.
#1012
العام الهجري :297الشهر القمري : شعبانالعام الميلادي :910
شن حرب على ابن حفصون .
كان غزوُ العاصِ بنِ الإمام عبدِ الله الغَزاةَ المعروفةَ بغَزوةِ رية وفريرة. قاد الخيلَ أحمدُ بنُ محمد بن أبي عبدة. وفصَلَ يوم الخميس لتسعٍ بَقِينَ مِن شعبان؛ فتقدَّمَ إلى بلدة فحاربَها. ثم احتلَّ على نهر طلجيرة، فدارت بينه وبين أصحاب ابن حفصون حربٌ، عُقِرَت فيها خيلُ السُّلطان، وقُتِلَ عددٌ مِن أصحابِ ابنِ حفصون. ثمَّ تقدَّمَ إلى حصون إلبيرة؛ فنزل على حصنِ شبيلش، فكانت هنالك حربٌ شديدةٌ، ونالت بعضَ حُماةِ العَسكرِ جِراحٌ. وتجوَّلَ في كورة إلبيرة، وحلَّ بمحلة بجانة، ثمَّ قفل على كورة جيان، فنازل حِصنَ المنتلون يوم الأربعاء للَيلتين بَقِيتا من ذي القَعدة، فأقام عليه محاصِرًا أيامًا ثمَّ ضحَّى فيه يومَ الأحد، وقفل يومَ الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلَت من ذي الحِجة، ودخل قُرطبةَ يومَ الأربعاء، لأربعَ عَشرةَ ليلةً خَلَت من ذي الحِجَّة.
#1013
العام الهجري :297الشهر القمري : رمضانالعام الميلادي :910
وفاة محمد بن داود الظاهري .
هو أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ داود بن عليِّ بن خلف الأصبهانيُّ المعروفُ بالظاهريِّ. ابنُ الإمامِ داودَ بنِ عليٍّ الظاهري, كان عالِمًا بارعًا, إمامًا في الحديث, أديبًا شاعِرًا ظريفًا، فقيهًا ماهرًا، اشتغل على أبيه وتَبِعَه في مذهبه ومَسلَكِه وما اختاره من الطرائِقِ وارتضاه، وكان أبوه يحبُّه ويقَرِّبُه ويُدنيه. كان أحدَ من يُضرَبُ المثَلُ بذكائه. تصَدَّرَ للفُتيا بعد والده، لَمَّا جلس للفتوى بعد والِدِه استصغروه، فدَسُّوا عليه من سأله عن حَدِّ السُّكرِ، ومتى يعَدُّ الإنسانُ سَكرانَ؟ فقال: إذا عَزَبَت- يعني: بعُدت وغابت- عنه الهُمومُ، وباح بسِرِّه المكتومِ، فاستُحسِنَ ذلك منه. كان مِن أجمل النَّاسِ وأكرَمِهم خلقًا، وأبلَغِهم لسانًا، وأنظَفِهم هيئةً، مع الدِّينِ والورَع، وكلِّ خَلَّةٍ محمودةٍ، مُحَبَّبًا إلى الناس. حَفِظَ القرآنَ وله سبعُ سنين، وذاكَرَ الرِّجالَ بالآدابِ والشِّعرِ وله عشرُ سنين، وكان يُشاهَدُ في مَجلِسِه أربعُمئة صاحبِ مِحبَرةٍ، وله من التآليفِ: كتابُ الزهرة، صنَّفه في عنفوان شبابِه، وهو مجموعٌ في الأدبِ، جمعَ فيه غرائبَ ونوادِرَ وشِعرٍ رائق، كتابُ (الإنذار والإعذار)، وكتاب (التقصِّي) في الفقه، وكتاب (الإيجاز) ولم يَتِمَّ، وكتاب (الانتصارُ من محمَّد بن جريرٍ الطَّبَري)، وكتاب (الوصولُ إلى معرفة الأصول)، وكتاب (اختلافُ مصاحف الصحابة)، وكتاب (الفرائض) وكتاب (المناسِك).
#1014
العام الهجري :298العام الميلادي :910
اغتيال أبي عبدالله الشيعي من قبل عبيد الله المهدي .
سببُ ذلك أنَّ المهديَّ لَمّا استقامت له البلادُ، ودان له العباد، وباشر الأمورَ بنَفسِه، وكفَّ يدَ أبي عبد الله، ويدَ أخيه أبي العبَّاس - وهما أكبَرُ دعاته- داخَلَ أبا العبَّاسِ الحسَدُ، وعظُمَ عليه الفطامُ عن الأمر والنهي، والأخذِ والعطاء، فأقبل يُزري على المهديِّ في مجلسِ أخيه، ويتكلَّمُ فيه، وأخوه ينهاه، ولا يرضى فِعلَه، فلا يزيدُه ذلك إلَّا لجاجًا، ولم يزَلْ حتى أثَّر في قلب أخيه، فقال أبو عبدِ الله يومًا للمهديِّ: "لو كنتَ تجلِسُ في قصرِك، وتتركُني مع كُتامةَ آمُرُهم وأنهاهم؛ لأنِّي عارِفٌ بعاداتهم، لكان أهيبَ لك في أعيُنِ النَّاسِ". وكان المهديُّ سمِعَ شيئًا ممَّا يجري بين أبي عبد الله وأخيه، فتحقَّقَ ذلك، ثم صار أبو العبَّاسِ يقول: "إنَّ هذا ليس الذي كنَّا نعتقد طاعته، وندعو إليه؛ لأنَّ المهديَّ يختم بالحجَّة، ويأتي بالآياتِ الباهرة"، فأخذ قولُه بقلوبِ كثيرٍ مِن الناس، فاتَّفقَ هو وأخوه ومَن معهما على الاجتماعِ، وعَزَموا على قتل المهديِّ، واجتمع معهم قبائِلُ كُتامةَ إلَّا قليلًا منهم، وكان معهم رجل يُظهِرُ أنَّه منهم، وينقُل ما يجري إلى المهديِّ، ودخلوا عليه مِرارًا فلم يجسِروا على قتلِه، فأمر المهديُّ عروبةَ ورجالًا معه أن يرصُدوا أبا عبدالله وأخاه أبا العبَّاس، ويقتُلوهما، فلمَّا وصلا إلى قرب القصرِ حمل عروبة على أبي عبدالله، فقال: لا تفعَلْ يا بُنيَّ، فقال: الذي أمَرتَنا بطاعتِه أمَرَنا بقَتلِك؛ فقُتِلَ هو وأخوه، فقيل: إنَّ المهديَّ صلَّى على أبي عبدالله، وقال: رحمك اللهُ أبا عبدالله، وجزاك خيرًا بجميلِ سَعيِك. وثارت فتنةٌ بسبَبِ قَتلِهما، وجرَّدَ أصحابُهما السيوف، فركب المهديُّ وأمَّن النَّاسَ، فسَكَنوا، ثمّ تَتَّبَعهم حتى قتَلَهم. وثارت فتنة ثانية بين كُتامة وأهل القَيروان قُتِلَ فيها خلقٌ كثيرٌ، فخرج المهديُّ وسكَّن الفتنةَ، وكفَّ الدُّعاةَ عن طلَبِ التشيُّعِ من العامَّة، ولَمَّا استقامت الدولة للمهديِّ عَهِدَ إلى ولده أبي القاسم نِزار بالخلافةِ.
#1015
العام الهجري :298العام الميلادي :910
وفاة أبي عبدالله الشيعي داعية عبيد الله المهدي العبيدي
.
هو الحُسينُ بنُ أحمد بن محمد بن زكريا أبو عبد الله الشيعي المعروف بالقائم؛ فهو الذي قام بالدعوة لعُبيد الله المهدي جَدِّ ملوك مصر, ويُعرَفُ كذلك بالمعلِّم؛ لأنه يعلِّمُ الناسَ عقائِدَ الباطنية, وأصلُه من اليمن من صنعاء، وقيل: كان من أهل الكوفة، سار من سلمية من عند عُبيد الله المهدي داعيًا له في البلاد، وتنقَّلت به الأحوال إلى أن دخل المغرِبَ, وكان من دُهاة العالم، وأفرادِ بني آدم دَهاءً ومَكرًا ورأيًا. دخل إفريقيةَ وحيدًا بلا مال ولا رجال، فلم يزَلْ يسعى ويتحَيَّل ويستحوذ على النُّفوسِ بإظهار الزهادة والقيامِ لله، حتى تَبِعَه خلقٌ وبايعوه، وحاربوا صاحِبَ إفريقية مرَّات. وآل أمرُه إلى أن تمَلَّك القيروان، وهرب صاحِبُها أبو مضر زيادة الله الأغلبي آخِرُ ملوك بني الأغلب منه إلى بلادِ الشرق. كما قضى على دولتَي بني مدرار والرستمية في أفريقيةَ، حتى مهَّد القواعِدَ للمهديِّ ووطَّدَ البلاد, فأقبل المهديُّ من الشرق وسَلَّمَه الأمر، ثمَّ كفَّ المهديُّ يَدَه ويدَ أخيه أبي العباس، فندم أبو عبد الله على ما صنع وأضمَرَ الغَدرَ هو وأخوه بعُبيد الله، فاستشعر منهما المهديُّ الغدرَ, فدَسَّ إليهما من قتَلَهما في ساعةٍ واحدةٍ، وذلك بمدينة رقادة, فتوطَّدَ المُلكُ لعُبيد الله.
#1016
العام الهجري :298العام الميلادي :910
وفاة الراوندي الفيلسوف الملحد .
هو أحمدُ بنُ يحيى بن إسحاق الراوندي نسبةً إلى راوند بلدةٍ مِن أصبهان، ولد عام 210, فيلسوف مجاهرٌ بالإلحاد، له مناظراتٌ ومجالسُ مع علماء الكلام، انفرد بمذاهِبَ نُقِلَت عنه في كتبه، كالقول بالحُلوليَّة، وتناسُخ رُوح الإله في الأئمَّة، وكان يلازِمُ الرافضةَ والملاحِدةَ، فإذا عوتِبَ قال: "أنا أريدُ أن أعرِفَ مذاهبَهم"، ثم كاشَفَ وناظَرَ، وصنَّف في الزندقة- لعنه اللهُ- قيل: إنَّ أباه كان يهوديًّا فأظهَرَ الإسلامَ، قال ابن حجر: "كان أوَّلًا مِن متكَلِّمي المعتَزِلة، ثم تزندقَ واشتَهَر بالإلحادِ" وقيل: إنه كان لا يستقِرُّ على مذهبٍ ولا يَثبُتُ على شيءٍ، ويقال: كان غايةً في الذكاءِ، قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي: "كنتُ أسمع عنه بالعظائمِ، حتى رأيتُ له ما لم يَخطُرْ مِثلُه على قلبٍ" وهو أحدُ مشاهير الزنادقة، طلبه السلطانُ فهرب إلى ابن لاوي اليهودي بالأهواز، وصَنَّفَ عنده مصنَّفات، منها كتاب "الدامغ للقرآن" وضعه ليطعنَ به في القرآنِ، وفي النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم. ثمَّ لم يلبث إلَّا أيامًا حتى مرِضَ ومات, وكتابٌ في الرَّدِّ على الشريعةِ سمَّاه "الزمردة"، قال ابن عقيل: "عجبي كيف لم يُقتَلْ وقد صنَّف «الدامغ»" قال بعضُ اليهودِ للمُسلمينَ: لا يُفسِدَنَّ عليكم هذا كتابَكم، كما أفسَدَ أبوه علينا التوراةَ". واختُلِفَ في موته، فقيل: مات وهو عند اليهوديِّ، وقيل: بل صُلِبَ، عاش أكثَرَ مِن ثمانين سنة، فلا رَحِمَه الله. وجازاه بما يستحِقُّه.
#1017
العام الهجري :298الشهر القمري : رجبالعام الميلادي :911
قيام الدولة السامانية وزوال الدولة الصفارية .
استولى أبو نصر أحمدُ بن إسماعيل السامانيُّ على سِجِستان، وسببُ ذلك أنَّه لَمَّا استقرَّ أمرُه، وثبت ملكُه في بلادِ ما وراءَ النهر، خرج في سنة 297 إلى الرَّيِّ، وكان يسكُنُ بُخارى، ثمَّ سار إلى هراة، فسيَّرَ منها جيشًا في المحرَّم سنة ثمان وتسعين إلى سِجِستان، وسيَّرَ جماعةً من أعيان قوَّاده وأمرائه، منهم أحمد بن سهل، ومحمَّد بن المظفَّر، وسيمجور الدواتي، وهو والدُ آل سيمجور ولاة خُراسان للسامانيَّة، واستعمَلَ أحمدُ على هذا الجيشِ الحسينَ بن علي المَروَروذيَّ، فساروا حتى أتوا سجستان، وبها المعدَّلُ بن علي بن الليث الصَّفَّار، وهو صاحبها، فلمَّا بلغ المعدَّلَ خَبَرُهم سيَّرَ أخاه أبا عليٍّ محمَّد بن عليِّ بن الليث إلى بُست والرخج؛ ليحمي أموالها، ويرسِل منها الميرةَ إلى سجستان، فسار الأميرُ أحمد بن إسماعيل إلى أبي عليٍّ ببُست، وجاذبه وأخذه أسيرًا، وعاد به إلى هَراة، وأمَّا الجيشُ الذي بسجستان فإنَّهم حصروا المُعدَّلَ وضايقوه، فلمَّا بلغه أنَّ أخاه أبا عليٍّ محمَّدًا قد أُخذَ أسيرًا، صالَحَ الحسينَ بنَ عليٍّ، واستأمن إليه، فاستولى الحسينُ على سجستان، فاستعمل عليها الأميرُ أحمدُ أبا صالحٍ منصورَ بن إسحاق، وهو ابنُ عمِّه، وانصرف الحسينُ عنها ومعه المعدَّلُ إلى بُخارى.
#1018
العام الهجري :298الشهر القمري : شوالالعام الميلادي :911
وفاة الجنيد بن محمد الصوفي .
هو أبو القاسِمُ الجُنَيدُ بنُ محمَّد البغدادي النهاوندي الخزَّاز- لأنه كان يعمَلُ في الخَزِّ- أصلُه من نهاوند، ولد ببغداد قيل بعد 220، ونشأ فيها، كان شيخَ العارفينَ وقُدوةَ السَّائرينَ وعَلَمَ الأولياءِ في زمانه، تفَقَّه على أبي ثورٍ, وسمِعَ من الحسن بن عرفة وغيرِه, واختصَّ بصحبةِ السَّرِيِّ السَّقَطيِّ. أتقن العِلمَ، ثم أقبَلَ على شبابه، واشتغل بما خُلِقَ له، سمع الكثيرَ، وشاهَدَ الصالحينَ وأهلَ المعرفة، ورُزِقَ من الذَّكاءِ وصوابِ الإجاباتِ في فُنونِ العلم ما لم يُرَ في زمانِه مِثلُه عند أحدٍ مِن أقرانه، ولا ممَّن أرفعُ سنًّا منه ممَّن كان منهم يُنسَبُ إلى العِلمِ الباطِنِ والعلمِ الظَّاهِرِ في عفافٍ وعُزوفٍ عن الدنيا وأبنائِها. كان يُفتي في حلقةِ أبي ثَورٍ الكَلبيِّ وله عِشرونَ سنة. يقالُ: إنَّه أوَّلُ مَن تكلَّمَ في علم التوحيدِ ببغداد، عَدَّه العلماءُ شَيخَ الصوفيَّةِ؛ لِضَبطِ مَذهَبِه بقواعِدِ الكتابِ والسُّنَّة، ولِكَونِه لم يتلبَّسْ بعقائِدَ فاسدةٍ، وكان يُقالُ له طاووس العُلَماءِ، أخذ الطريقةَ عن خالِه سَرِيٍّ السَّقَطي، كان الجُنيدُ يقولُ: "مَذهَبُنا مُقيَّدٌ بالكتابِ والسُّنَّة، فمن لم يقرأ القُرآنَ ويكتُبِ الحديثَ لا يُقتدى به" يعني: في مذهبِه وطريقتِه، أثنى عليه وعلى كَلِماتِه الوعظيَّةِ كثيرٌ مِن العلماء، توفِّيَ في بغدادَ ودُفِنَ عند قبر خالِه.
#1019
العام الهجري :299الشهر القمري : ذي الحجةالعام الميلادي :912
المقتدر بالله يقبض على وزيره ابن الفرات .
قبَضَ المقتَدِرُ على الوزير أبي الحَسَنِ بنِ الفُرات، ووكَّلَ بدارِه، وهتَكَ حَرَمه، ونهب مالَه، ونُهِبَت دور أصحابِه ومَن يتعلَّقُ به، وافتتنت بغدادُ لِقَبضِه، ولقِيَ الناسُ شِدَّةً لِمُدة ثلاثة أيَّامٍ، ثمّ سكنوا. وكانت مدُّةُ وزارتِه- وهي الوزارة الأولى- ثلاثَ سنين وثمانية أشهر وثلاثة عشر يومًا؛ لكونه أخَّرَ أرزاقَ الجُندِ، واعتَلَّ بضيقِ الأموال، فقال المقتَدِر: أين ما ضَمِنْتَ مِن القيامِ بأمرِ الجُند؟ ثم عزَلَه, واستوزر مِن بعدِه أبا علي محمد بن عبيدالله بن يحيى بن خاقان.
#1020
العام الهجري :299الشهر القمري : ذي الحجةالعام الميلادي :912
وزارة الخاقاني وانحلال أمور الدولة العباسية .
لَمَّا عزَلَ المُقتَدِرُ ابنَ الفرات قلَّدَ أبا علي محمد بن يحيى بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وكان قليلَ الخبرةِ في تدبير أمور الوزارة, فانحَلَّت أمور الدولة؛ لأنَّه كان ضجورًا، ضَيِّقَ الصَّدرِ، مُهمِلًا لقِراءةِ كتُبِ العُمَّال، وجِبايةِ الأموال، وكان يتقَرَّبُ إلى الخاصة والعامة، فمنَعَ خَدَمَ السُّلطانِ وخَواصَّه أن يخاطِبوه بالعبدِ، وكان إذا سأله أحدٌ حاجةً دقَّ صَدرَه، وقال: نعمْ وكرامةً، فسُمِّي "دق صَدرَه"، إلَّا أنَّه قَصَّرَ في إطلاقِ الأموال للفرسان والقُوَّاد، فنفروا عنه واتَّضَعت الوَزارةُ بفِعلِه. وكان أولادُه قد تحَكَّموا فيه، وكان يولِّي في الأيام القليلة عِدَّةً من العُمَّال، حتى إنَّه ولَّى بالكوفةِ في مدةِ عشرينَ يومًا، سبعةً مِن العمال، فاجتمعوا في الطريقِ، فعَرَضوا توقيعاتِهم، فسار الأخيرُ منهم، وعاد الباقونَ يطلُبونَ ما خَدَموا به أولادَه، ثم زاد الأمرُ حتى تحكَّمَ أصحابُه، فكانوا يُطلِقونَ الأموالَ ويُفسِدونَ الأحوال، فانحَلَّت القواعِدُ، وخَبُثَت النيَّات، واشتغل الخليفةُ بعَزلِ وُزرائِه والقَبضِ عليهم، والرُّجوعِ إلى قَولِ النِّساءِ والخَدَم، والتصَرُّف على مقتضى آرائِهم، فخرجت الممالِكُ، وطَمِعَ العُمَّالُ في الأطراف.