العام الهجري :813الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :1410
الأمير المحمودي والأمير نوروز يحاولان خلع السلطان فرج بن برقوق .
في شهر ذي الحجة من سنة اثنتي عشرة وثمانمائة قاتل (الأمير شيخ المحمودي) نوروزًا ودمرداش، سبعة أشهر وحاصرهما بحماة، ووقع بينهم في هذه المدة المذكورة حروب وخطوب يطول شرحها، وقُتِل بينهم خلائق لا تُحصى، واشتد الأمر على نوروز وأصحابه بحماة، وقلَّت عندهم الأزواد وقاسوا شدائد حتى وقع الصلح بينه وبين الأمير شيخ، وذلك عندما سمعوا بخروج الملك الناصر فرج إلى البلاد الشامية، وخاف نوروز إن ظفر به الملك الناصر لا يبقيه، فاحتاج إلى الصلح، وحلف كل من نوروز والأمير شيخ لصاحبه، وأما السلطان الملك الناصر فإنه أخذ في التجهيز إلى السفر نحو البلاد الشامية، وعَظُم الاهتمام في أول محرم هذه السنة، وأما الأمير شيخ فإنه لما بلغه خروج السلطان من الديار المصرية لم يَثبُت، وداخَلَه الخوف، وخرج من دمشق في يوم الثلاثاء السادس والعشرين من شهر ربيع الأول بعساكره ومماليكه، وتبعه الأمير جانم نائب حماة، فدخل بكتمر جلق إلى الشام من الغد في يوم السابع والعشرين -على حين غفلة- حتى يطرق الأمير شيخًا، ففاته الأمير شيخ بيوم واحد، لكنه أدرك أعقابه وأخذ منهم جماعةً، ونهب بعض أثقال الأمير شيخ، ثم دخل السلطان الملك الناصر إلى دمشق بعد عشاء الآخرة من ليلة الخميس الثامن والعشرين، وقد ركب من بحيرة طبرية في عصر يوم الأربعاء على جرائد الخيل ليكبسَ الأمير شيخًا، ففاته بيسير، وكان الأمير شيخ قد أتاه الخبر وهو جالس بدار السعادة من دمشق، فركب من وقته وترك أصحابه، ونجا بنفسه بقماش جلوسه، فما وصل إلى سطح المزة إلا وبكتمر جلق داخل دمشق؟ ومر الأمير شيخ على وجهه منفردًا عن أصحابه، ومماليكه وحواشيه في أثره، والجميع في أسوأ ما يكون من الأحوال، وسار السلطان بعساكره إلى جهة حلب حتى وصلها في قصد الأمير شيخ ونوروز بمن معهما من الأمراء، ثم كتب السلطان لنوروز والأمير شيخ يخيِّرُهما، إما الخروج من مملكته، أو الوقوف لمحاربته، أو الرجوع إلى طاعته، فأجابه الأمير شيخ بأنه ليس بخارج عن طاعته، ويعتذر عن حضوره بما خامر قلبه من شدة الخوف والهيبة عندما قبض عليه السلطان مع الأتابك يشبك الشعباني في سنة 810، وأنه قد حلف لا يحارب السلطان ما عاش، من يوم حلفه الأمير الكبير تغري بردي في نوبة صرخد، وكرَّر الاعتذار عن محاربته لبكتمر جلق، حتى قال: وإن كان السلطان ما يسمح له بنيابة الشام على عادته، فينعم عليه بنيابة أبلستين، وعلى الأمير نوروز بنيابة ملطية، وعلى يشبك بن أزدمر بنيابة عينتاب، وعلى غيرهم من الأمراء ببقية القلاع؛ فإنهم أحق من التركمان المفسدين في الأرض، فلم يرضَ السلطان بذلك، وصمَّم على الإقامة ببلاد الشام، وبينما السلطان بحلب ورد عليه الخبر بأن الأمير شيخًا ونوروزًا وصلا عينتاب، وسارا على البرية إلى جهة الشام، فركب السلطان مسرعًا من حلب على حين غفلة في الثالث والعشرين شهر رجب ببعض عساكره، وسار حتى دخل دمشق في أربعة أيام، وأما الأمير شيخ ونوروز، فإنهما لما سار السلطان عن أبلستين خرجا من قيسارية بمن معهم، وجاؤوا إلى أبلستين فمنعهم أبناء دلغادر وقاتلوهم، فانكسروا منهم وفروا إلى عينتاب، فلما قربوا من تل باشر تمزقوا، وأخذت كل طائفة جهة من الجهات، فلحق بحلب ودمشق منهم عدة وافرة، واختفى منهم جماعة، ومرَّ الأمير شيخ ونوروز بحواشيهما على البرية إلى تدمر فامتاروا منها، ومضَوا مسرعين إلى صرخد وتوجَّهوا إلى البلقاء ودخلوا بيت المقدس، ثم توجهوا إلى غزة وأقاموا بها حتى أخرج السلطان إليهم بكتمر جلق على عسكر كبير، فسار إلى زرع، ثم كتب للسلطان يطلب نجدة، فأخرج إليه السلطان من دمشق بعسكر هائل من الأمراء والمماليك السلطانية، فلما وصل بكتمر جلق بمن معه من الأمراء إلى غزة، وبلغه توجه الأمير شيخ ونوروز إلى جهة مصر، إلى أن وصلوا إلى مصر في يوم الأحد ثامن شهر رمضان ودخل معهم إلى القاهرة خلائق من الزعر، وبني وائل -من عرب الشرقية - والأمير سعيد الكاشف هو معزول، وأصبح الأمير شيخ أقام رجلًا في ولاية القاهرة فنادى بالأمان، ووعد الناس بترخيص الأسعار، وبإزالة المظالم، فمال إليه جمع من العامة، وأقاموا ذلك اليوم، وملكوا مدرسة الملك الأشرف شعبان التي كانت بالصوة تجاه الطبلخاناة السلطانية، هذا والقتال مستمر بينهم وبين أهل القلعة، ثم طلبوا من الأمراء الذين بالقلعة فتح باب القلعة لهم، قالوا: ما لنا غرض في النهب، وإنما نريد أن نأخذ ابن أستاذنا -يعنون بابن أستاذنا: الأمير فرج ابن السلطان الملك الناصر فرج- فقال كافور الزمام: وأيش أصاب السلطان حتى تأخذوا ولده؟ فقالوا: لو كان السلطان حيًّا ما كنا هاهنا -يعنون أنهم قتلوا السلطان، وساروا إلى الديار المصرية ليسلطنوا ولده- فلم يمش ذلك على كافور ولا على غيره، وطال الكلامُ بينهم في ذلك، فلم يلتفت كافور إلى كلامهم، فهددوه بإحراق الباب، فخاف وبدأ يماطلهم؛ لعلمه بمجيء العسكر المصري من الشام، وبينما كافور الزمام في مدافعتهم لاحت طلائع العسكر السلطاني لمن كان الأمير شيخ أوقفه من أصحابه يرقبهم بالمآذن بقلعة الجبل، وقد ارتفع العجاج، وأقبلوا سائقين سوقًا عظيمًا جهدهم، فلما بلغ الأمير شيخ وأصحابه ذلك لم يثبتوا ساعةً واحدةً، وركبوا من فورهم ووقفوا قريبًا من باب السلسلة، فدهمهم العسكر السلطاني فولَّوا هاربين نحو باب القرافة، والعسكر في أثرهم، فكبا بالأمير شيخ فرسُه عند سوق الخيم بالقرب من باب القرافة، فتقنطر من عليه، فلم يستطع النهوض ثانيًا؛ لعظم روعه وسرعة حركته، فأركبه بعضُ أمراء آخوريته وركب الأمير شيخ ولحق بأصحابه، فمروا على وجوههم على جرائد الخيل، وتركوا ما أخذوه من القاهرة، وأيضًا ما كان معهم، وساروا على أقبح وجه بعد أن قبض عسكر السلطان على جماعة من أصحاب الأمير شيخ، ودخل الأمير بكتمر جلق بعساكره، وأرسل الأمير سودون الحمصي فاعتقل جميع من أمسك من الشاميين، وأخذ يتتبَّعُ من بقي من الشامية بالقاهرة، ثم نادى في الوقت بالأمان، وقدم عليه الخبر في ليلة الأربعاء حادي عشر من شهر رمضان بأن الأمير شيخًا نزل إطفيح وأنهم افترقوا فرقتين؛ فرقة: رأسها الأمير نوروز الحافظي، ويشبك بن أزدمر، وسودون بقجة، وفرقة: رأسها الأمير شيخ المحمودي، وسودون تلي المحمدي، وسودون قراصقل، وكل فرقة منهما معها طائفة كبيرة من الأمراء والمماليك، وأنهم لما وصلوا إلى الشوبك دفعهم أهلها عنها، فساروا إلى جهة الكرك وبها سودون الجلب، فتضرعوا له حتى نزل إليهم من قلعة الكرك، وتلقاهم وأدخلهم مدينة الكرك، وأنهم استقروا بالكرك، واستمر السلطان بدمشق إلى يوم سابع عشر ذي القعدة، وخرج منها إلى قبة يلبغا، ورحل من الغد بأمرائه وعساكره يريد الكرك بعدما تحقق نزول الأمراء بالكرك، وأما الأمير شيخ ونوروز وجماعتهما، فإنهم أقاموا بالكرك أيامًا، واطمأنوا بها، ثم أخذوا في تحصينها، وأما السلطان الملك الناصر فإنه سار من مدينة دمشق حتى نزل على مدينة الكرك في يوم الجمعة الرابع والعشرين ذي القعدة، وأحاط بها ونصَب عليها الآلات، وجَدَّ في قتالها، وحصرها وبها الأمير شيخ ونوروز وأصحابهما، واشتدَّ الحصار عليهم بالكرك، وأخذ الملك الناصر يلازم قتالهم حتى أشرفوا على الهلاك والتسليم، ثم أخذ الأمير شيخ ونوروز والأمراء يكاتبون الأمير تغري بردي ويتضرعون إليه، وهو يتبرَّم من أمرهم والكلام في حقهم، ويوبخهم بما فعله الأمير شيخ مع بكتمر جلق بعد حَلِفِه في واقعة صرخد، فأخذ الأمير شيخ يعتذر ويحلف بالأيمان المغلظة أن بكتمر جلق كان الباغي عليه والبادئ بالشر، وأنه هو دفع عن نفسه لا غير، وأنه ما قَصْدُه في الدنيا سوى طاعة السلطان، ولا زالوا حتى تكلم تغري بردي مع السلطان في أمرهم، ثم تردَّدت الرسل بينهم وبين السلطان أيامًا حتى انعقد الصلح، على أن يكون تغري بردي نائب الشام، وأن يكون الأمير شيخ نائب حلب، وأن يكون الأمير نوروز نائب طرابلس، وكان ذلك بإرادة الأمير شيخ ونوروز، فإنهما قالا: لا نرضى أن يكون بكتمر جلق أعلى منا رتبة بأن يكون نائب الشام، ونحن أقدم منه عند السلطان، فإن كان ولا بد، فيكون الأمير الكبير تغري بردي في نيابة الشام، ونكون نحن تحت أوامره، ونسير في المهمات السلطانية تحت سنجقه، وأما بكتمر ودمرداش فلا، وإن فعل السلطان ذلك لا يقع منا بعدها مخالفة أبدًا، ولما بلغ الأمراء والعساكر هذا القول أعجبهم غاية الإعجاب، وقد ضجر القوم من الحصار، وملوا من القتال، فلا زالوا بالسلطان حتى أذعن ومال إلى تولية تغري بردي نيابة الشام، وكان السلطان قد شرط على الأمراء شروطًا كثيرة فقبلوها، على أن يكون تغري بردي نائب دمشق.
#3266
العام الهجري :813الشهر القمري : ربيع الآخرالعام الميلادي :1410
وفاة الملك أحمد بن أويس الجلائري وانقضاء دولة بني جلائر المغولية .
هو أحمد بن أويس بن الشيخ حسن النوين بن حسين بن أقبغا بن أيلكان بن القال غياث الدين سلطان العراق. أوَّل ما ولي إمرة البصرة من أخيه حسين، فلما اختلف الأمراء على حسين خرج من بغداد إلى تبريز، فقدم أحمد بالجنود واغتال أخاه وقام بالسلطنة، وذلك في صفر سنة أربع وثمانين، وقبض على أعيان الأمراء فقتلهم وأقام أولادهم، فثار عليه من بقي ببغداد مع أخيه شيخ على شاه زاده؛ فآل الأمر إلى أن قتل واستبد أحمد فسار السيرة الجائرة وقتل في يوم واحد ثمانمائة نفس من الأعيان وانهمك في اللذات، واتفق أن تيمورلنك نازل شاه منصور صاحب شيراز وقتله وبعث برأسه إلى بغداد، والتمس منهم ضرب السكة باسمه، فلم يُطِعْه أحمد، فنزل تيمورلنك بغداد في شوال سنة خمس وتسعين، ففرَّ منها ابن أويس بأهله وما يعزُّ عليه من ماله، فلحقه عسكر تيمورلنك بالحلة فهزموه ونهبوا ما معه وخربوا الحلة، وقَصَد الشام فوصل إلى الرحبة واستأذن الظاهر في القدوم عليه، فأجابه بما يطيب خاطره وأمر النواب بإكرامه، ثم جهز السلطان أحمد بن أويس في أول شعبان سنة 796 ورسم له بجميع ما يحتاج إليه، فدخل بغداد في رمضان فوجد بها مسعود الخراساني من جهة تيمورلنك، ففر وأقام أحمد ببغداد، واستخدم جنودًا من العرب والتركمان، ووقع الوباء ببغداد، ففر أحمد إلى الحلة، وجرى على سيرته السيئة من سفك الدماء والجِدِّ في أخذ أموال الرعية، ولم يزل على ذلك إلى أن عاد تيمورلنك طالبًا الشام، ففرَّ أحمد إلى قرا يوسف بن قرا محمَّد بن بيرم خجا صاحب الموصل واستنجد به فسار معه، وكان أهل بغداد قد كرهوه فحاربوه وهزموهما معًا، فدخلا بلاد الشام واستأذنا أمير حلب وكان يومئذٍ دقماق من جهة الناصر فرج، وذلك في شوال سنة 802، فلم يأذن لهم فخرج لمحاربتهم فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم أهل حلب وأُسِرَ دقماق، فبلغ الناصر ذلك فغضب وأمر بتجهيز عساكر الشام، فتوجهوا ففر قرا يوسف فأوقعوا بأحمد فكسروه ونهبوا ما معه وبعثوا بسيفه إلى الناصر. رجع أحمد إلى بغداد فأقام بها قليلًا فثار عليه ولده طاهر بن أحمد ففر منه وأتى إلى قرا يوسف فسار معه وقاتلا طاهرًا بالحلة، فانهزم وغرق، ودخل أحمد بغداد ثم غدر أحمد بجماعة كانوا عنده من جهة قرا يوسف عدتهم خمسون نفسًا من أعيان دولته، فغضب قرا يوسف وسار لمحاربة أحمد، فهرب ثم اختفى في بئر ببغداد، فأمر قرا يوسف بطم البئر، فطُمَّت فما شكُّوا في هلاكه، واتفق أنه كان بالبئر فرجة فخرج منها ابن أويس ومضى إلى تكريت ثم إلى حلب، وملك قرا يوسف بغداد فأخذها منه تيمورلنك, فكتب قرا يوسف إلى أحمد ليجتمعا على قتال عسكر تيمورلنك فنازلا مرزا أبي بكر بن تيمورلنك بالسلطانية سنة 808، فهزموه وقتلوا ابنه, وملك قرا يوسف تبريز ورجع أحمد إلى بغداد، فاستأذنه قرا يوسف فيمن يقيمه في السلطنة، فأذن له بإقامة ولده بزق ففعل، وذلك في سنة إحدى عشرة، فقدم مرزا شاه في طلب ثأر ولده، فواقعه قرا يوسف فقتل، وغنم قرا يوسف جميع ما كان معه, واتفق في غضون ذلك أن أحمد لما تغلب على طباعه من الغدر مضى إلى تبريز فملكها، ونهب جميع ما وجده لقرا يوسف وولده، فرجع إليه وقاتله فانهزم منه، وذلك في ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة، فلم يزل قرا يوسف يتطلب ابن أويس إلى أن ظفر به فأكرمه، ثم سجنه ثم دسَّ عليه من خنقه، فمات في آخر يوم من ربيع الآخر، واستقرت قدم قرا يوسف في بغداد وتبريز، وكان أحمد بن أويس سفاكًا للدماء، متجاهرًا بالقبائح، وله مشاركة في عدة علوم، كالنجوم والموسيقى، وله شعر كثير بالعربية وغيرها؛ وكتب الخط المنسوب، وكانت له شجاعة ودهاء وحِيَل، ومحبة في أهل العلم.
#3267
العام الهجري :813الشهر القمري : جمادى الآخرةالعام الميلادي :1410
الفرنج يحاولون إعادة عمارة بيت لحم .
وصل إلى ميناء يافا أربع قطع، فيها نحو سبعمائة من الفرنج، فأسَروا جماعة من المسلمين، وأخذوا مركبًا فيه خام للسلطان قَدِمَ من مصر، وقدم أيضًا إلى يافا مركب فيه فرنج، معهم أخشاب وعَجَل وصُنَّاع، برسم عمارة بيت لحم بالقدس؛ حيث مولِدُ عيسى عليه السلام، وبيدهم مرسوم السلطان بتمكينهم من العمل، فدعوا الناس للعمل بالأجرة، فأتاهم عدة من القلعة والصنَّاع، وشرعوا في إزاحة ما بطريقهم من الأوعار، وكان سبب هذا أن موسى -وهو صبي بطرك النصارى الملكانية- سأل السلطان لما قدم إلى القدس، بعد نوبة صرخد، في سنة 812 أن يمكن النصارى من إعادة عمارة مولد عيسى ببيت لحم على ما كان عليه، فكتب له بذلك مرسومًا، فطار به كلَّ مطار، وبعثه إلى بلاد الفرنج فاغتنموا الفرصة، وبعثوا هؤلاء، فبدؤوا بتوسعة الدرب الآخذ من ميناء روبيل إلى القدس، وقصدوا أن يصير سعته بحيث يمر فيه عشرة فرسان متواكبين، فإنه لم يكن يسع غير فارس واحد بمشقة، وأحضروا معهم دهنًا إذا وضعوه على تلك الصخرة سَهُل قطعها. فلما رجع الناصر إلى دمشق عرف نصحاؤه بسوء القالة في ذلك، فكتب إلى أرغون كاشف الرملة يمنعهم من ذلك والقبض عليهم وعلى من معهم من الصنَّاع وآلات السلاح والجِمال والدهن، فخُتِم على مخازنهم وحملهم وما معهم.
#3268
العام الهجري :814العام الميلادي :1411
تأسيس الدولة الكثيرية الأولى .
في أواخرِ القرنِ السادسِ الهِجريِّ كانت حَضرَموتُ مَيدانًا لِلمُناوراتِ السياسيةِ والفَوضى، حيث الصِّراعاتُ بينَ أطرافٍ مُتعدِّدةٍ، كبَني راشِدٍ وبَني يَمانٍ، وعَساكِرِ الغُزِّ الهاجمين مِنَ العَساكرِ المِصريةِ، وجُيوشِ ابنِ مَهديٍّ اليَمنيِّ، وغَيرِها مِنَ القَبائلِ والعَشائرِ الحَضرَميةِ، كبَني نَهدٍ وبَني حارِثةَ، فكانت حَضرَموتُ مُتفرقةً بينَ وُلاةٍ مُتعدِّدينَ، مُنتشرًا فيها النَّهبُ وسَفكُ الدِّماءِ، ولم يَنفَعْها احتِلالُ الأيُّوبيِّينَ لها. وفي ظِلِّ هذا الوَضعِ رأى آلُ كَثيرٍ -وهم أعظَمُ قبائِلِ هَمَدانَ، وهم قَبائلُ مُتعدِّدةٌ- أنْ يُؤسِّسوا لِأنفُسْهم دولةً، وأنْ يَكونَ لهم دَورٌ في إنهاءِ حالةِ الفَوْضى والفِتنةِ المُكتَسِحةِ في حَضرَموتَ. فاقتَرَب بَنو كَثيرٍ مِن مَشايخِ العِلْمِ والصَّلاحِ مِن آلِ البَيتِ العَلويِّينَ ومِن أهلِ السُّنةِ، على أمَلِ تأسيسِ دولةٍ سُنِّيةٍ شافعيةٍ، على أنقاضِ المَذهبِ الأباضيِّ الذي انتَهت دولتُه عامَ 561هـ. بدأ آلُ كَثيرٍ بتَقويةِ نُفوذِهمُ السياسيِّ، وفي عامِ 683هـ تحالَفَ آلُ كَثيرٍ مع سالمِ بنِ إدريسَ الحَبُوظيِّ، أميرِ ظَفارِ، الذي أخَذَ يَتوسَّعُ في الاستيلاءِ على البُلدانِ بحَضرَموتَ، وتولَّى آلُ كَثيرٍ إدارةَ العَسكريةِ الحَبُوظيَّةِ، ثم لم يَلبَثْ أنِ انهَزَم سالمُ بنُ إدريسَ وقُتلَ على يَدِ السُّلطانِ المُظفَّرِ الغَسَّانيِّ مَلكِ الدولةِ الرَّسوليةِ. وأخَذَ آلُ كَثيرٍ بعدَ مَقتلِ سالمِ بنِ إدريسَ في تَثبيتِ ما بأيديهم مِنَ القُرى، والاستيلاءِ على مَناطِقَ أُخرى، وكانَ مُلكُهم يَنبسِطُ مَرَّةً ويَتقلَّصُ أُخرى، لِتَخاصُمِهم وتَنازُعِهم فيما بَينَهم، وفيما بينَ غَيرِهم مِنَ المُنافِسينَ، وفي أواخِرِ القرنِ الثامِنِ الهِجريِّ تَفرَّغَ أبناءُ جَعفرِ بنِ بَدرٍ الكَثيريِّ وهم (يَمانيٌّ ومُدرِكٌ وعُمَرُ) لِمُناوشةِ قَبيلةِ الظلفانِ، والتفَتَ أفرادُ الوحدةِ الكَثيريةِ الآخَرون إلى تَدبيرِ السَّلطنةِ، وفي هذه الأثناءِ وُلد السُّلطانُ علِيُّ بنُ عُمَرَ بنِ جَعفرٍ الكَثيريُّ، الذي به أصبحتِ الدولةُ الكَثيريةُ رَسميةً، يَعرِفُها جُمهورُ أهلِ القُطرِ الحَضرميِّ. وكانت بدايةُ الدولةِ الكَثيريةِ الأولى حين غادَرَ السُّلطانُ علِيُّ بنُ عُمَرَ "بُورَ" سنةَ 814هـ، واتَّصلَ بالشيخِ عليِّ بنِ عُمَرَ باعَبَّادٍ وغيرِه مِن رِجالِ الصَّلاحِ، وكانوا يَعِدُونه بالاستيلاءِ على ظَفارِ وجَميعِ بُلدانِ حَضرَموتَ، فاشتَدَّ عَزمُه بذلك، وشرَعَ في تَذليلِ العَقباتِ، يُحارِبُ ويَغزو حتى استتَبَّ له الأمرُ، وخضَعَت له الرِّقابُ واستَحقَّ لَقَبَ سُلطانٍ.
#3269
العام الهجري :814العام الميلادي :1411
السلطان فرج بن برقوق يقتل المماليك الشراكسة مماليك أبيه وغيرهم .
قبض السلطانُ الناصِرُ فرج على جماعةٍ من كبار المماليك الظاهرية -مماليك برقوق- وحبسهم بالبرج من القلعة، ثم قتَلَهم بعد شهر، وكانوا جمعًا كبيرًا، ثم في شهر رجب نزل السلطان من القلعة إلى الصيد، فبات ليلةً وعزم على مبيت ليلة أخرى بسرياقوس، فبلغه أن طائفة من الأمراء والمماليك اتفقوا على قتله، فعاد إلى القاهرة مسرعًا، وأخذ يتتبَّعُ ما قيل حتى ظفر بمملوكين عندهما الخبر، فعاقبهما في ثامن عشر شهر رجب، فأظهرا ورقةً فيها خطوط جماعة كبيرة، كبيرُهم الأمير جانم، وكان جانم قد سافر قبل تاريخه إلى منية ابن سلسيل، وهي من جملة إقطاعه، فندب السلطان الأمير بكتمر جلق، والأمير طوغان الحسني الدوادار؛ لإحضار جانم ومَسَك السلطان بعد خروجهما جماعةً كبيرةً من الأمراء والمماليك الظاهرية ووسَطَ منهم خمسةً، فنفرت القلوب منه، ووجد شيخ ونوروز للوثوب عليه سبيلًا. ذبح السلطان في ليلة الأربعاء مُستهلَّ شعبان عشرين مملوكًا ممن قُبِض عليهم، ثم وَسَط من الأمراء في يوم الأربعاء الثامن عشر آخر تحت القلعة، وفي ليلة الأربعاء قتل السلطان أيضًا بالقلعة من المماليك الظاهرية زيادة على مائة مملوك من الشراكسة من مماليك أبيه، ثم إن السلطان نادى في أول شهر رمضان بالقلعة بالأمان، وأنهم عتقاء شهر رمضان، فظهر منهم جماعة، فأَمِنوا، وتتابع بقيتهم حتى ظهر قريب من ثلاثين مملوكًا في عدة أيام، فوُعدوا بخير، وأن يُعطَوا الخيل، ورُسِم لهم بيوم يجتمعون فيه لأخذ خيولهم فاغترُّوا وحضروا، فقُبِض عليهم كلهم وحبسوا، وتتبع المماليك السلطانية، وجلس السلطان لتفريق القرقلات برسم الرسم عليهم، فقبض على جماعة كثيرة منهم وسَجَنهم، فما انقضى شهر رمضان حتى زادت عدة المسجونين من المماليك السلطانية على أربعمائة رجل، ثم ذبح السلطان في ليلة ثالث شوال أزيدَ من مائة نفس من المماليك السلطانية الظاهرية المحبوسين بالبرج، ثم أُلقوا من سور القلعة إلى الأرض، ورُموا في جبٍّ مما يلي القرافة، واستمر الذبحُ فيهم.
#3270
العام الهجري :814الشهر القمري : جمادى الآخرةالعام الميلادي :1411
عودة الأميرين شيخ ونوروز للخروج عن طاعة السلطان فرج بن برقوق .
تواترت الأخبارُ بأنَّ الأميرين شيخًا ونوروزًا قد اتفقا على الخروج عن طاعة السلطان، وعزما على أخذ حماة، فوقع الشروع في عمارة قلعة دمشق، وكُتِبَ تقدير المصروف على ذلك مبلغ ثلاثين ألف دينار، وفيه وقع الاهتمام في بلاد الشام بتجهيز الإقامات للسلطان، وفي شهر رجب قدم الخبر بأن الأمير نوروزًا نائب طرابلس توجَّه منها إلى حصن الأكراد وحاصرها، وأن الأمير شيخًا كتب إليه أنه اتفق مع جماعة من قلعة حلب على أن يسلِّموها له، وأشار عليه أن يرجع إلى طرابلس يحصل قلعة حلب بيده، وأن الاتفاق وقع بينهما على أن يجهزا سودن الجلب على ثلاثمائة فارس ليأخُذَ حماة، وأن الأمير شيخًا أرسل إلى ناصر الدين محمد بن دلغادر يعرض عليه نيابة عينتاب فلم يقبل ذلك، وأنه خرج من حلب يريد العمق، فنزله آخر جمادى الآخرة، وجمع عليه طائفة التركمان البياضية وابن سقل سيز، ابن صاحب الباز، وغيرهم من التركمان والعرب، وأنه أوقع بعمر بن كندر في ثالث رجب، ثم قاتل التركمان في سابعه، فكسرهم، وأسر منهم جماعة، وأنه بعث أحمد الجنكي أحد ندمائه بهدية إلى قرا يوسف، وأن نوروزًا بعث إليه بهدية أخرى صحبة بهلوان من أصحابه، وفي شهر رمضان تأكد عند السلطان خروج الأميرين شيخ ونوروز عن طاعته، وأنهما عزما على أخذ دمشق، وأن سودن الجلب ويشبك بن أزدمر سعيا في ذلك، وأن الأمير نوروزًا قتل أقسنقر الحاجب، ثم في شهر ذي الحجة خرج السلطان بجيشه من مصر يريد الشام وأن يأخذ الأمير شيخًا ونوروزًا، ثم جاء الخبر بأن الأمراء الذين تقدموه قد خرجوا عن الطاعة، فلم يَثبُت، وسار السلطان من غزة مجدًّا في طلبهم، وقد نفرت منه القلوب، وتمالأت على بُغضِه؛ لقبح سيرتِه، وسوء سريرتِه، وفي السادس والعشرين ذي الحجة نزل الأمراء الذين تقدموا بقبة يلبغا خارج دمشق، وركبوا إلى الأمير تغري بردي نائب الشام، فعادُوه وقد اشتد به مرضُه، وأعلنوا بما هم عليه من الخلاف للسلطان، والخروج عن طاعته، ثم رحلوا عن قبة يلبغا في التاسع والعشرين، ونزلوا على برزة يريدون اللحاق بالأميرين شيخ ونوروز على حمص، فلم يوافقهم على ذلك الأمير شاهين الزردكاش، فقبضوا عليه ومضوا، ونزل السلطان الكسوة في بكرة يوم الثلاثاء آخره، وقد فتَّ في عَضُدِه مخالفة الأمراء عليه، ولاحت أمارات الخذلان عليه، وظهرت كآبة الزوال والإدبار، فألبس من معه من العسكر السلاح، ورتَّبهم بنفسه، ثم ساق بهم، وقصد دمشق.
#3271
العام الهجري :814الشهر القمري : شوالالعام الميلادي :1412
نزول الفرنج دمياط وهزيمتهم .
نزل عددٌ من الفرنج على دمياط في أربعة أغربة وبيونيين -نوعين من المراكب- فقاتلهم المسلمون على بر الطينة قتالًا كبيرًا، جُرح فيه جماعة من المسلمين، وقُتِلت خيولهم. فمضى الفرنج في آخر النهار إلى بر الطينة القديمة، ونهبوا ما كان هناك، وأتوا من الغد إلى حيث كانوا، فقاتلوا المسلمين مرة ثانية قتالًا كثيرًا، وعادوا إلى مراكبهم، فقدم في الحال غراب من أغربة المسلمين، فأحاط به الفرنج، فلم يثبت من كان في الغراب وألقَوا أنفسهم في الماء، وخلصوا إلى البر -وكانوا قريبًا منه- ثم مضوا إلى دمياط؛ فتكاثر المسلمون على الفرنج، وأخذوا منهم غراب المسلمين بعد قتال شديد، وقتلوا منهم إفرنجيينِ وأخذوا سلاحًا، فانهزم بقيتهم، وحُمِل الرأسان والسلاح إلى السلطان.
#3272
العام الهجري :815الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :1412
خروج السلطان الناصر فرج بن برقوق لقتال الأمراء المتمردين .
خرج السلطان الملك الناصر فرج من دمشق بعساكره في يوم الاثنين سادس المحرم، ونزل برزة، ثم رحل منها يريد محاربة الأمراء الخارجين عليه: نوروز الحافظي، وشيخ المحمودي، ونزل حسيا بالقرب من حمص، فبلغه رحيل القوم من قارا إلى جهة بعلبك، فترك أثقاله بحسيا وساق على أثرهم إلى بعلبك، فوجدهم قد توجهوا إلى البقاع، فقصدهم، فمضوا نحو الصبيبة، فتبعهم حتى نزلوا باللجون، فساق السلطان خلفهم وهو سكران لا يعقِل، فما وصل إلى اللجون حتى تقطعت عساكره عنه من شدة السَّوق، ولم يبقَ معه غير من ثَبَت على سوقه، وهم أقل ممن تأخَّر، وكان قد وصل وقت العصر من يوم الاثنين ثالث عشر المحرم، فوجد الأمراء قد نزلوا باللجون وأراحوا، وفي ظنهم أنه يتمهَّلُ ليلته ويلقاهم من الغد، فإذا جنَّهم الليل ساروا بأجمعهم من وادي عارة إلى جهة الرملة، وسلكوا البرية عائدين إلى حلب، وليس في عزمهم أن يقاتلوه أبدًا، لا سيما الأمير شيخ المحمودي فإنه لا يريد ملاقاته بوجه من الوجوه، فحال وصول الملك الناصر إلى اللجون أشار عليه الأتابك دمرداش المحمدي أن يريح خيلَه وعساكره تلك الليلة، ويقاتلهم من الغد، فأجابه السلطان بأنهم يفرُّون الليلة، فقال له دمرداش: إلى أين بقُوا يتوجهون يا مولانا السلطان بعد وقوع العين في العين؟ يا مولانا السلطان مماليكك في جهد وتعب من السَّوق، والخيول كَلَّت، والعساكر منقطعة، فلم يلتفت إلى كلامِه، وحرَّك فرسه ودقَّ بزخمته على طبله، وسار نحو القوم، وحمل عليهم بنفسِه من فوره حال وصولِه، فارتضمت طائفة من مماليكه في وحلٍ كان هناك، ثم قبل اللقاء خرج الأمير قجق أحد أمراء الألوف بطلبه من مماليكه وعسكره، وذهب إلى الأمراء، وتداول ذلك مع المماليك الظاهرية واحدًا بعد واحد، والملك الناصر لا يلتفت إليهم، ويشجِّع من بقي معه حتى التقاهم وصدمهم صدمةً هائلة، وتقهقر عسكره مع قلتهم، فانهزم السلطان عند ذلك، بعد أن قاتل بنفسه، وساق يريد دمشق -وكان الرأي توجهه إلى مصر- وتبعه سودون الجلب، وقرقماس ابن أخي دمرداش، ففاتهما الملك الناصر ومضى إلى دمشق، وأحاط القوم بالخليفة المستعين بالله، وفتح الدين فتح الله كاتب السر، وناظر الجيش بدر الدين حسن بن نصر الله، وناظر الخاص ابن أبي شاكر، واستولوا على جميع أثقال الملك الناصر وأمرائه، وامتدت أيدي أصحاب الأمراء إلى النهب والأسر في أصحاب الملك الناصر، وما غربت الشمس حتى انتصر الأمراء وقَوِيَ أمرهم، وباتوا تلك الليلة بمخيماتهم، وهي ليلة الثلاثاء، وأصبح الأمراء وليس فيهم من يرجع إليه، بل كل واحد منهم يقول: أنا رئيس القوم وكبيرهم، وأما الملك الناصر فإنه لما انكسر سار نحو دمشق حتى دخلها ليلة الأربعاء في ثلاثة نفر، ونزل بالقلعة واستدعى القضاة والأعيان ووعدهم بكل خير، وحثَّهم على نصرته والقيام معه، فانقادوا له، فأخذ في تدبير أموره، وتلاحقت به عساكره شيئًا بعد شيء في العاشر من محرم، ثم أحضر السلطان الأموال وصبها وأتاه الناس من كل فج من التركمان والعربان والعشير وغيرهم، فكتب أسماءهم وأنفق عليهم وقوَّاهم بالسلاح، وأنزل كل طائفة منهم بموضع يحفظه، فكان عدة من استخدمه من المشاة زيادةً على ألف رجل، وحَصَّن القلعة بالمجانيق والمدافع الكبار، وأتقن تحصين القلعة؛ بحيث إنه لم يبق سبيلٌ للتوصل إليها بوجه من الوجوه واستمر ذلك إلى بكرة يوم السبت ثامن عشر المحرم، فنزل الأمراء على قبة يلبغا خارج دمشق، فندب السلطان عسكرًا فتوجهوا إلى القبيبات، فبرز لهم سودون المحمدي، وسودون الجلب، واقتتلوا حتى تقهقر السلطانية منهم مرتين، ثم انصرف الفريقان، وفي يوم الأحد تاسع عشر المحرم ارتحل الأمراء عن قبة يلبغا، ونزلوا غربي دمشق من جهة الميدان، ووقفوا من جهة القلعة إلى خارج البلد، فتراموا بالنشاب نهارهم وبالنفط، فاحترق ما عند باب الفراديس من الأسواق، فلما كان الغد من يوم الاثنين عشرين محرم اجتمع الأمراء للحصار، فوقفوا شرقي البلد وقبليه، ثم كروا راجعين ونزلوا ناحية القنوات إلى يوم الأربعاء الثاني والعشرين، ووقع القتال من شرقي البلد، ونزل الأمير نوروز بدار الطعم، وامتدت أصحابه إلى العقيبة، ونزل طائفة بالصالحية والمزة، ونزل الأمير شيخ بدار غرس الدين خليل تجاه جامع كريم الدين الذي بطرف القبيبات ومعه الخليفة وكاتب السر فتح الله، ونزل بكتمر جلق وقرقماس المدعو بسيدي الكبير في جماعة من جهة بساتين معين الدين ومنعوا الميرة عن الملك الناصر، وقطعوا نهر دمشق، ففُقد الماء من البلد، وتعطلت الحمَّامات، وغُلِّقت الأسواق، واشتدَّ الأمر على أهل دمشق، واقتتلوا قتالًا شديدًا، وتراموا بالسهام والنفوط، فاحترق عدة حوانيت بدمشق، وكثرت الجراحات في أصحاب الأمراء من الشاميين، وأنكاهم السلطانية بالرمي من أعلى السور، وعَظُم الأمر، وكلُّوا من القتال، ثم بلغ الأمير شيخ المحمودي أن الملك الناصر عزم على إحراق ناحية قصر حجاج حتى يصير فضاءً ثم يركب بنفسه ويواقع القوم هناك بمن يأتيه من التركمان وبمن عنده، فبادر الأمير شيخ وركب بعد صلاة الجمعة بأمير المؤمنين ومعه العساكر، وسار من طريق القبيبات ونزل بأرض الثابتية، وقاتل الملك الناصر في ذلك اليوم أشد قتال إلى أن مضى من الليل جانب، وكثر من الشاميين الرمي بالنفط عليهم، فاحترق سوق خان السلطان وما حوله، وحملت السلطانية على الشيخية حملةً عظيمة هزموهم فيها، وتفرقوا فِرَقًا، وثبت الأمير شيخ في جماعة قليلة بعدما كان انهزم هو أيضًا إلى قريب الشويكة، ثم تكاثر الشيخية وانضم عليهم جماعة من الأمراء، فحمل الأمير شيخ بنفسه بهم حملة واحدة أخذ فيها القنوات، ففرَّ من كان هناك من التركمان والرماة وغيرهم، وكان الأتابك دمرداش المحمدي نازلًا عند باب الميدان تجاه القلعة، فلما بلغه ذلك ركب وتوجه إلى الملك الناصر وهو جالس تحت القبة فوق باب النصر، وسأله أن يندب معه طائفة كبيرة من المماليك السلطانية؛ ليتوجه بهم إلى قتال الأمير شيخ؛ فإنه قد وصل إلى طرف القنوات، وسهل أخذه على السلطان، فنادى الملك الناصر لمن هناك من المماليك وغيرهم بالتوجه مع دمرداش، فلم يجِبْه منهم أحد، ثم كرر السلطان عليهم الأمر غيرَ مرة حتى أجابه بعضهم جوابًا فيه جفاء وخشونة ألفاظ، معناه أنهم ملوا من طولِ القتال، وضَجِروا من شدة الحصار، وبينما هم في ذلك إذ اختبط العسكر السلطاني وكثر الصراخ فيهم بأن الأمير نوروزًا قد كبسهم، فسارعوا بأجمعهم وعبروا من باب النصر إلى داخل مدينة دمشق، وتفرَّقوا في خرائبها بحيث إنه لم يبقَ بين يدي السلطان أحد، فولى دمرداش عائدًا إلى موضعه، وقد ملك الأمير شيخ وأصحابه الميدان والإسطبل، فبعث دمرداش إلى السلطان مع بعض ثقاته بأن الأمر قد فات، وأن أمر العدو قوي، وأمر السلطان أخذ في إدبار، والرأي أن يلحق السلطان بحلب ما دام في الأمر سعة، فلما سمع الملك الناصر ذلك قام من مجلسه وترك الشمعة تتقد حتى لا يقع الطمع فيه بأنه ولى، ويوهم الناس أنه ثابت مقيم على القتال، ثم دخل إلى حَرَمِه وجهَّز ماله، وأطال في تعبئة ماله وقماشه، فلم يخرج حتى مضى أكثر الليل، والأتابك دمرداش واقف ينتظره، فلما رأى دمرداش أن الملك الناصر لا يوافقه على الخروج إلى حلب، خرج هو بخواصه ونجا بنفسه، وسار إلى حلب وترك السلطان، ثم خامر الأمير سنقر الرومي على الملك الناصر، وأتى أمير المؤمنين وبطل طبول السلطان والرماة، ثم خرج الملك الناصر من حرمه بماله، وأمر غلمانه فحُمِلت الأموال على البغال ليسير بهم إلى حلب، فعارضه الأمير أرغون من بشبغا الأمير آخور الكبير وغيره، ورغبوه في الإقامة بدمشق، وقالوا له: الجماعة مماليك أبيك لا يوصلون إليك سوءًا أبدًا، ولا زالوا به حتى طلع الفجر، فعند ذلك ركب الملك الناصر بهم، ودار على سور المدينة فلم يجد أحدًا ممن كان أعدَّه للرمي، فعاد ووقف على فرسه ساعة، ثم طلع إلى القلعة والتجأ بها بمن معه -وقد أشحنها- وترك مدينة دمشق، وبلغ أمير المؤمنين والأمراء ذلك، فركب الأمير شيخ بمن معه إلى باب النصر، وركب نوروز بمن معه إلى نحو باب توما، ونصب الأمير شيخ السلالم حتى طلع بعض أصحابه، ونزل إلى مدينة دمشق وفتح باب النصر، وأحرق باب الجابية، ودخل شيخ من باب النصر، وأخذ مدينة دمشق، ونزل بدار السعادة، وذلك في يوم السبت تاسع صفر، بعدما قاتل الملك الناصر نحو العشرين يومًا، قُتِل فيها من الطائفتين خلائق لا تُحصى، ووقع النهب في أموال السلطان وعساكره، وامتدت أيدي الشيخية وغيرهم إلى النهب، فما عفوا ولا كفُّوا، وركب أمير المؤمنين ونزل بدار في طرف ظواهر دمشق، وتحول الأمير شيخ إلى الإسطبل، وأنزل الأمير بكتمر جلق بدار السعادة، كونه قد ولي نيابة دمشق قبل تاريخه، هذا والسلطانية ترمي عليهم من أعلى القلعة بالسهام والنفوط يومهم كله، وباتوا ليلة الأحد على ذلك، فلما كان يوم الأحد عاشر صفر بعث الملك الناصر بالأمير أسندمر أمير آخور في الصلح، وتردد بينهم غير مرة حتى انعقد الصلح بينهم، وحلف الأمراء جميعهم وكُتِبت نسخة اليمين، ووضعوا خطوطهم في النسخة المذكورة، وكتب أمير المؤمنين أيضًا خطه فيها، وصعد بها أسندمر إلى القلعة ومعه الأمير ناصر الدين محمد بن مبارك شاه الطازي أخو الخليفة المستعين بالله لأمه، ودخلا على الملك الناصر وكلماه في ذلك، وطال الكلام بينهم، فلم يعجب الملك الناصر ذلك، وترددت الرسل بينهم غير مرة بغير طائل، وأمر الملك الناصر أصحابه بالرمي عليهم، فعاد الرمي من أعلى القلعة بالمدافع والسهام، وركب الأمراء واحتاطوا بالقلعة، فأرسل الملك الناصر يسأل بالكف عنه، فضايقوا القلعة خشية أن يفر السلطان منها إلى جهة حلب، ومشت الرسل أيضًا بينهم ثانيًا، وأضر الملك الناصر التضييق والغلبة إلى أن أذعن إلى الصلح، وحلفوا له ألا يوصلوا إليه مكروهًا، ويؤمِّنوه على نفسه، وأن يستمِرَّ الخليفة سلطانًا، وقيل غير ذلك: وهو أنه ينزل إليهم، ويتشاور الأمراء فيمن يكون سلطانًا، فإن طلبه المماليك فهو سلطان على حاله، وإن لم يطلبوه فيكون الخليفة، ويكون هو مخلوعًا يسكن بعض الثغور محتفظًا به، ومحصول الحكاية أنه نزل إليهم في ليلة الاثنين حادي عشر صفر، ومعه أولاده يحملهم ويحملون معه، وهو ماشٍ من باب القلعة إلى الإسطبل والناس تنظُره، وكان الأمير شيخ نازلًا بالإسطبل، فعندما عاينه الأمير شيخ قام إليه وتلقَّاه وقبَّل الأرض بين يديه، وأجلسه بصدر المجلس، وجلس بالبعدِ عنه وسكَّن روعه، ثم تركه بعد ساعة وانصرف عنه، فأقام الملك الناصر بمكانه إلى يوم الثلاثاء ثاني صفر، فجمع الأمراء والفقهاء والعلماء المصريون والشاميون بدار السعادة بين يدي أمير المؤمنين وقد تحول إليها وسكنها، وتكلموا في أمر الملك الناصر والمحضر المكتب في حقه، فأفتوا بإراقة دمه شرعًا، فأخذ في ليلة الأربعاء من الإسطبل، وطلع به إلى قلعة دمشق، وحبسوه بها في موضع وحدَه، وقد ضُيِّق عليه وأُفرِدَ من خَدَمِه، فأقام على ذلك إلى أن قُتِلَ ليلة السبت سادس عشر صفر.
#3273
العام الهجري :815الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :1412
خلع السلطان الناصر فرج بن برقوق وتولية الخليفة العباسي المستعين .
دار الأمرُ بين السلطان والأمراء العصاة عليه، وفي هذه الأثناء وفي يوم السبت خامس عشرين المحرم خلع الخليفة المستعين بالله الملكَ الناصر فرج من السلطنة، واتفق الأمراء على إقامة الخليفة المستعين بالله أبي الفضل العباس ابن الخليفة المتوكل على الله أبي عبد الله محمد ابن الخليفة المعتصم بالله أبي بكر ابن الخليفة المستكفي بالله أبي الربيع سليمان ابن الخليفة الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد بن الحسن بن أبي بكر بن علي بن الحسين في السلطنة؛ لتستقيم بسلطنته الأحوال، وتنفذ الكلمة، وتجتمع الناس على سلطان، وثبت خَلعُ الملك الناصر على القضاة، وأجمعوا على إقامة الخليفة سلطانًا، فامتنع الخليفة من ذلك غايةَ الامتناع، وخاف ألا يتمَّ له ذلك فيَهلِك، وصمم على الامتناع، وخاف من الملك الناصر خوفًا شديدًا، فلما عجز عنه الأمراء دبَّروا عليه حيلةً، وطلبوا الأمير ناصر الدين محمد بن مبارك شاه الطازي أخا الخليفة المستعين بالله لأمِّه، فندبوه بأن يركب ومعه ورقة تتضمن مثالب الملك الناصر ومعايبه، وأن الخليفة قد خلعه من المُلكِ وعزله من السلطنة، ولا يحل لأحد معاونته ولا مساعدته، فلما بلغ الخليفة ذلك لام أخاه ناصر الدين بن مبارك شاه على ذلك، وأيس الخليفة عند ذلك من انصلاح الملك الناصر له، فأذعن لهم حينئذ بأن يتسلطن؟ فبايعوه بأجمعهم، وحلفوا له بالأيمان المغلظة والعهود على الوفاء له وعلى القيام بنصرته ولزوم طاعته، وأما الملك الناصر فإنه لما تسلطن الخليفة، وخُلِعَ هو من المُلك، نفر الناس عنه وصاروا حزبين: حزبًا يرى أن مخالفة الخليفة كُفر، والناصر قد عُزِل من الملك، فمن قاتل معه فقد عصى اللهَ ورسوله، وحزبًا يرى أن القتال مع المَلِك الناصر واجب، وأنه باقٍ على سلطنته، ومن قاتله إنما هو باغٍ عليه وخارج عن طاعته، ومن حينئذٍ أخذ أمر الملك الناصر في إدبار.
#3274
العام الهجري :815الشهر القمري : صفرالعام الميلادي :1412
اغتيال السلطان المخلوع فرج بن برقوق في حبسه في قلعة دمشق .
هو الملِكُ الناصر فرج ابن السلطان برقوق، سلطان مملوكي، تولى عرش مصر بعد وفاة والده برقوق وعمره 13 سنة. حدث في عهده قحطٌ عام في البلاد وانتشرت أوباء مات فيها ثلث سكان البلاد, كما سادت الفتن والاضطرابات في عهده؛ فقد ثار عليه أمراء المماليك الظاهرية مماليك أبيه؛ لأنه قرَّب المماليك الجركسية وأبعدهم، وقتل عددًا كبيرًا من أمراء المماليك الظاهرية فقاتلوه حتى خلعوه من السلطنة، ثم تم القبض عليه وحَبسُه في القلعة إلى أن قُتِل بعد اختلاف كبير وقع في أمره بين الأمراء؛ فكان رأي الأمير شيخ إبقاءه محبوسًا بثغر الإسكندرية، وإرساله إليها مع الأمير طوغان الحسني الدوادار، وكان رأي نوروز قتله، وقام نوروز وبكتمر جلق في قتله قيامًا بذلَا فيه جهدهما، وكان الأمير يشبك بن أزدمر أيضًا ممن امتنع من قتله، وشنَّع ذلك على نوروز، وأشار عليه ببقائه، واحتج بالأيمان التي حُلِفت له، واختلف القومُ في ذلك، فقوي أمر نوروز وبكتمر بالخليفة المستعين بالله، فإنه كان أيضًا اجتهد هو وفتح الله كاتب السر في قتله، وحملا القضاة والفقهاء على الكتابة بإراقة دمِه بعد أن توقَّفوا عن ذلك، حتى تجرد قاضي القضاة ناصر الدين محمد بن العديم الحنفي لذلك، وكافح من خالفَه من الفقهاء بعدم قَتلِه بقوة الخليفة ونوروز وبكتمر وفتح الله، ثم أشهد على نفسِه أنه حكم بقَتلِه شرعًا، فاستُخرِجت فتوى بحلِّ دمه لأمورٍ قام بها, ثم في ليلة السبت سادس عشر صفر دخل عليه ثلاثة نفر، هم: الأمير ناصر الدين محمد بن مبارك شاه الطازي أخو الخليفة المستعين بالله لأمه، وآخر من ثقات الأمير شيخ، وآخر من أصحاب نوروز، ومعهم رجلان من المشاعلية، فعندما رآهم الملك الناصر فرج قام إليهم فزعًا، وعرف فيما جاؤوا، ودافع عن نفسه، وضرب أحد الرجلين بالمدورة صرعه، ثم قام الرجل هو ورفيقه ومشوا عليه وبأيديهم السكاكين، ولا زالوا يضربونه بالسكاكين وهو يعاركهم بيديه، وليس عنده ما يدفع عن نفسه به، حتى صرعاه، بعد ما أثخنا جراحه في خمسة مواضع من بدنه، وتقدم إليه بعض صبيان المشاعلية فخنقه وقام عنه، فتحرك الملك الناصر، فعاد إليه وخنقه ثانيًا حتى قَوِيَ عنده أنه مات، فتحرَّك فعاد إليه ثالثًا وخنقه، وفرى أوداجه بخنجر كان معه، وسلبه ما عليه من الثياب، ثم سَحَب برجليه حتى ألقيَ على مزبلة مرتفعة من الأرض تحت السماء، وهو عاري البدن، يستر عورته وبعض فخذيه سراويله، وعيناه مفتوحتان، والناس تمر به ما بين أمير وفقير ومملوك وحر، قد صرف الله قلوبَهم عن دفنه ومواراتِه، وبقيت الغلمان والعبيد والأوباش تعبث بلحيته وبدنِه، واستمَرَّ على المزبلة طول نهار السبت، فلما كان الليل من ليلة الأحد حمله بعض أهل دمشق وغسَّله وكفَّنه، ودفنه بمقبرة باب الفراديس احتسابًا لله تعالى، بموضع يعرف بمرج الدحداح، ولم تكن جنازته مشهودة، ولا عُرِف من تولى غَسلَه ومواراتَه، فكانت مدة ولاية السلطان الناصر فرج الثانية حوالي السبع سنين والأولى مثلها تقريبًا.
#3275
العام الهجري :815الشهر القمري : ربيع الآخرالعام الميلادي :1412
وفاة العلامة محب الدين أبو الوليد ابن الشحنة .
هو العلامة الفقيه المحدث القاضي الشاعر الأديب قاضي القضاة محبُّ الدّين أبو الوليد محمد بن محمد بن محمود بن غازي ابن أيوب بن الشِّحنة محمود، والشِّحنة جدُّه الأعلى محمود، الشهير بابن الشِّحنة التُّركي الأصل الحلبي الحنفي، وأسرة آل الشحنة المشهورين بحلب من قبيلة ثقيف، وظهر منهم علماء أجلاء. ولد أبو الوليد سنة 749، وحفظ القرآن العظيم وعدة متون، وتفقَّه وبرع في الفقه، والأصول، والنحو، والأدب، وأفتى ودرّس، وتولى قضاء قضاة الحنفية بحلب، ثم دمشق، إلى أن قبض عليه الظَّاهر برقوق، وقدم به إلى القاهرة، ثم أُفرِجَ عنه ورجع إلى حلب، فأقام بها إلى أن قبض عليه الملك الناصر فرج سنة 813 لقيامه مع جماعةٍ على الناصر، ثم أفرج عنه فقدمَ القاهرة، ثم عاد إلى دمشق بصحبة الملك الناصر سنة أربع عشرة، فلما انكسر الناصر وحوصر بدمشق ولَّاه قضاء الحنفية بالقاهرة، فلم يتمَّ؛ لأنه لما أزيلت دولة الناصر أعيد ابن العديم لقضاء الدِّيار المصرية، واستقرَّ ابن الشِّحنة في قضاء حلب ودرس بدمشق. قال ابن حجر: "كان كثير الدعوى والاستحضار، عالي الهمَّة، وعمل تاريخًا لطيفًا فيه أوهام عديدة، وله نظم فائق وخط رائق" له ألفية رجز تشتمل على عشرة علوم، وألفية اختصر فيها منظومة النَّسَفي وضم إليها مذهب أحمد. وله تآليف أخرى في الفقه، والأصول، والتفسير. توفي بحلب يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر. ومحب الدين هو والد أبي الفضل
#3276
العام الهجري :815الشهر القمري : شعبانالعام الميلادي :1412
خلع الخليفة العباسي المستعين بالله وتولية الأمير شيخ المحمودي .
بقي الخليفة العباسي المستعين بالله سلطانًا بعد خلع السلطان الناصر فرج أول السنة، ولكن الأمير شيخ المحمودي بيده كل شيء من أمر ونهي وعزل حتى تسمى بالأمير الكبير، ثم لما عَظُم أمره بعد موت بكتمر، وهو مقدم الألوف في الجيش، رأى شيخ المحمودي أن الجوَّ قد خلا له فلا مانع من سلطنته، فطلب الأمراء وكلَّمهم في ذلك، فأجاب الجميع بالسمع والطاعة طوعًا وكرهًا واتفقوا على سلطنته، فلما كان يوم الاثنين مستهل شعبان، وعمل الموكب عنده على عادته بالإسطبل السلطاني، واجتمع القضاة الأربعة، قام فتح الله كاتب السر على قدميه في الملأ وقال لمن حضر: إن الأحوال ضائقة، ولم يعهد أهل نواحي مصر اسم خليفة، ولا تستقيم الأمور إلا بأن يقوم سلطان على العادة، ودعاهم إلى الأتابك شيخ المحمودي، فقال الأمير شيخ: هذا لا يتم إلا برضا الجماعة، فقال من حضر بلسان واحد: نحن راضون بالأمير الكبير، فمدَّ قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقيني يدَه وبايعه، فلم يختلف عليه اثنان، وخُلِعَ الخليفة المستعين بالله العباس من السلطنة بغير رضاه، وبعد مبايعته بالسلطنة لُقِّب بالملك المؤيد شيخ، ثم جلس على كرسي الملك، وبعث إلى الخليفة القضاة ليسلِّموا عليه، ويشهدوا عليه أنه فوَّض إلى الأمير شيخ السلطنة على العادة، فدخلوا إليه وكلموه في ذلك، فتوقف في الإشهاد عليه بتفويض السلطنة توقفًا كبيرًا، ثم اشترط في أن يؤذَنَ له في النزول من القلعة إلى داره، وأن يحلف له السلطان بأنه يناصِحَه سرًّا وجهرًا، ويكون سِلمًا لمن سالمه وحَربًا لمن حاربه، فعاد القضاة إلى السلطان وردوا الخبر عليه، وحَسَّنوا له العبارة في القول، فأجاب: يُمهَل علينا أيامًا في النزول إلى داره، ثم يُرسَم له بالنزول، فأعادوا عليه الجواب بذلك وشهدوا عليه، وتوجَّهوا إلى حال سبيلهم، وأقام الخليفة بقلعة الجبل محتفظًا به على عادته أولًا خليفة، فكانت مدة سلطنته من يوم جلس سلطانًا خارج دمشق إلى يوم خلعه يوم الاثنين أول شعبان، سبعة أشهر وخمسة أيام، فلما حان يوم الاثنين مستهل شعبان حضر القضاة وأعيان الأمراء وجميع العساكر وطلعوا إلى باب السلسلة، وتقدم قاضي القضاة جلال الدين البلقيني وبايعه بالسلطنة، ثم قام الأمير شيخ من مجلسه ودخل مبيت الحراقة بباب السلسلة، وخرج وعليه خِلعة السلطنة السوداء الخليفتي على العادة، وركب فرس النوبة بشعار السلطنة، والأمراء وأرباب الدولة مشاة بين يديه، والقبة والطير على رأسه حتى طلع إلى القلعة، ونزل ودخل إلى القصر السلطاني، وجلس على تخت الملك، وقَبَّلت الأمراءُ الأرض بين يديه، ودُقَّت البشائر، ثم نودي بالقاهرة ومصر باسمه وسلطنته، وخُلِع على القضاة والأمراء ومن له عادة في ذلك اليوم.