نَبع

الأحداث التاريخية

رحلة عبر الزمن في تاريخنا الإسلامي العريق

#3241
العام الهجري :805الشهر القمري : ذي القعدةالعام الميلادي :1403

وفاة الشيخ عبد الجبّار بن عبد الله المعتزلي الحنفي إمام تيمورلنك .

هو الشيخ عبد الجبَّار بن عبد الله المعتزلي الحنفي الخوارزمي عالم الدشت، صاحب تيمورلنك وإمامه وعالمه وترجمانه. ولد في حدود سنة 770، وكان إمامًا عالِمًا بارعًا، متقِنًا للفقه، والأصلين، والمعاني، والبيان، والعربية، واللغة، انتهت إليه الرئاسة في أصحاب تيمور، وكان هو عظيم دولته، ولما قدم تيمور البلاد الحلبية والشامية كان عبد الجبَّار هذا معه، وباحَثَ وناظر علماء البلدين، وكان فصيحًا باللغات الثلاث: العربية، والعجمية، والتركية، وكانت له ثروة ووجاهة وعَظَمة وحرمة زائدة إلى الغاية؛ قال أبو الفلاح العكري الحنبلي: "كان عبدالجبار ينفع المسلمين في غالب الأحيان عند تيمور، وكان يتبرَّمُ من صحبة تيمور ولا يسعُه إلا موافقته، ولم يزل عنده حتى مات في ذي القعدة".

#3242
العام الهجري :806العام الميلادي :1403

بداية الاختلاف بين أبناء السلطان العثماني بايزيد الأول .

بعد أن توفي السلطان بايزيد الأول في الأَسْر, وكان أولاده الذين هربوا من المعركة كل منهم ولى إلى جهة، فلما سار تيمورلنك عن الأناضول عادت مجزَّأة كما كانت قبل أن يوحِّدها العثمانيون وأعلنت الإمارات الأوربية استقلالها لما رأت ما حلَّ بالعثمانيين من قِبَل تيمورلنك، فأعلن البلغار والصرب والأفلاق استقلالهم، واختلف أولاد السلطان بايزيد فزاد الضعف؛ فاستقل سليمان بن بايزيد في أدرنة والمناطق العثمانية في أوروبا تابعة له، وعقد حلفًا مع إمبراطور بيزنطة عمانويل الثاني وتنازل له عن مدينة سلانيك وعن سواحل البحر الأسود ليساعده على إخوته كما تزوج إحدى قريباته، أما عيسى بن بايزيد فقد كان مختبئًا بجهات بورصا، فلما علم بوفاة أبيه أعلن سلطنته على بورصا وساعده كبير قادة بني عثمان ديمور طاش، وأما محمد بن بايزيد فكان مخبؤه في أواسط الأناضول، فلما رأى أن ضغط التتار قد خفَّ جمع جموعه وانطلق محاربًا التتار فتمكن من أخذ مدينة توقات وأماسيا فقوي أمره واستطاع أن يخلص أخاه موسى من الأسر؛ حيث كان أُسِرَ مع أبيه عند تيمورلنك، ثم إن الإخوة بدأ بعضهم يقاتل بعضًا.

#3243
العام الهجري :806الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :1403

الفرنج يغزون طرابلس .

في هذا الشهر كانت واقعة الفرنج بطرابلس، وذلك أنهم نزلوا على طرابلس في ثلاثين شينيًا -سفينة كبيرة- وقراقر، وكان الأمير دمرداش غائبًا عن البلد، فقاتلهم الناس قتالًا شديدًا في يوم الثلاثاء ثاني عشره إلى الغد، فبلغ دمرداش وهو بنواحي بعلبك الخبر، فاستنجد الأمير شيخ المحمودي نائب الشام، وتوجه إلى طرابلس، فقَدِمَها يوم الخميس عشرينه، ونودي في دمشق بالنفير، فخرج الناس على الصعب والذلول، فمضى الفرنج إلى بيروت بعدما قاتلهم دمرداش قتالًا كبيرًا، قُتِل فيه من المسلمين اثنان وجُرح جماعة، فوصل الأمير شيخ إلى طرابلس وقد قضى الأمر، فسار إلى بيروت، فقدمها وقت الظهر من يوم الجمعة الحادي والعشرين، والقتال بين المسلمين وبين الفرنج من أمسه، وقتلى الفرنج مطروحون على الأرض، فحرق تلك الرمم، وتبع الفرنجَ وقد ساروا إلى صيدا بعدما حرقوا مواضع وأخذوا مركبًا قدم من دمياط ببضائع لها قيمة كبيرة، وقاتلوا أهل صيدا، فطرقهم الأمير شيخ وقت العصر وقاتلهم وهم في البر، فهزمهم إلى مراكبهم، وساروا إلى بيروت فلحقهم وقاتلهم، فمضَوا إلى جهة طرابلس، ومرُّوا عنها إلى جهة الماغوصة، فركز الأمير شيخ طائفة ببيروت، وطائفة بصيدا، وعاد إلى دمشق في ثاني صفر.

#3244
العام الهجري :806الشهر القمري : شعبانالعام الميلادي :1404

وفاة الإمام العلامة الحافظ زين الدين العراقي الشافعي .

هو الشيخ الإمام العلامة الأوحد شيخ العصر حافظ الوقت شيخ المحدِّثين علم الناقدين عمدة المخرجين: أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر العراقي المصري الشافعي، شيخ الحديث بالديار المصرية، وُلِدَ بمصر سنة 725, وسمع الكثير ورحل في البلاد، حدَّث وأملى سنين كثيرة وأفاد وتكلم على العلل والإسناد ومعاني المتون وفقهها، فأجاد وصنف التصانيف التي اشتهرت، وخرج تخاريج رُوِيت وانتشرت. كان وَلِيَ قضاء المدينة النبوية، وعدة تداريس، وانتهت إليه رئاسة علم الحديث في زمانه، له مصنفات عديدة منها: ألفية العراقي المسماة بـ: التبصرة والتذكرة في علوم الحديث، والتقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، وتقريب الأسانيد وترتيب المسانيد، ومحجة القرب إلى محبة العرب، والمغني عن حمل الأسفار في الأسفار (تخريج الإحياء)، وتخريج أحاديث مختصر المنهاج في أصول الفقه، وغيرها كثير. توفي بمصر في يوم الأربعاء ثامن شعبان.

#3245
العام الهجري :807الشهر القمري : جمادى الأولىالعام الميلادي :1404

الفتنة بين الأمراء بمصر والقتال بينهم .

أهلَّ شهر جمادى الأولى والفتنة قائمة بين أمراء الدولة؛ وذلك أن الأمير يشبك هو زعيم الدولة، بيده جميع أمورها من الولاية والعزل، والنقض والإبرام، وصار له عصبة كبيرة، فأحبوا عزل الأمير إينال باي ابن الأمير قجماس ابن عم الملك الظاهر برقوق من وظيفة أمير أخور؛ وذلك أنه اختص بالسلطان لأمور؛ منها: قرابته، ثم مصاهرته إياه، فشَقَّ ذلك على عصبة يشبك، وأحبوا أن يكون جركس المصارع أمير أخور، وانقطعوا عن حضور الخدمة السلطانية عدة أيام من جمادى الأولى، فاستوحش السلطان منهم، وتمادى الحال، فتقدم السلطان إلى الأمير إينال باي أن ينزل إلى الأمراء ويصالحهم، فمنع جماعة من المماليك السلطانية إينال باي أن ينزل، وتشاجروا مع طائفة من مماليك الأمراء، واشتد ما بينهم من الشر، وأخذ كل أحد في أُهبة الحرب، وأصبحوا جميعًا يوم الأحد لابسين السلاح، وقد أعدَّ يشبك بأعلى مدرسة حسن مدافع النفط والمكاحل؛ ليرمي على الإسطبل السلطاني، ومن يقف تحت القلعة بالرميلة، ونزل السلطان من قلعة الجبل إلى الإسطبل، واجتمع عليه من أقام على طاعته من الأمراء والمماليك، وأقام مع يشبك من الأمراء المقدَّمين سبعة وأكثر المماليك الظاهرية، فأقاموا على الحصار والمراماة، من بكرة الأحد إلى ليلة الخميس سابعه، وقد أخذ أصحاب السلطان على اليشبكية المنافذ، وحصروهم والقتال بينهم مستمر، وأمرُ يشبك في إدبار، فلما كان ليلة الخميس نصف الليل، خرج يشبك بمن معه على حمية من الرميلة، ومروا إلى جهة الشام، فلم يتبَعْهم أحد من السلطانية، ونودِيَ من آخر الليل في الناس بالقاهرة الأمان والاطمئنان، ومُنِع أهل الفساد من النهب، وأما يشبك ففي مروره إلى دمشق انضم له الكثير وزُوِّد بالكثير من العدد والعتاد، وقد انضم إليهم خلق كثير، فدخلوا دمشق بكرة الثلاثاء رابع شهر رجب، فسألهم الأمير شيخ المحمودي عن خبرهم، فأعلموه بما كان، وذكروا له أنهم مماليك السلطان وفي طاعته، لا يخرجون عنها أبدًا غير أن الأمير إينال باي ثقل عنهم ما لم يقع منهم، فتغير خاطر السلطان، حتى وقع ما وقع، وأنهم ما لم يُنصَفوا منه ويعودوا لِما كانوا عليه، وإلا فأرض الله واسعة، فوعدهم بخير، وقام لهم بما يليق بهم، وكتب إلى السلطان يسأله في أمرهم، وقدمت كتب نواب الشام إلى الأمير يشبك، تَعِدُه بالأمداد، وتقويته بما يريد، وقدم عليهم الأمير نوروز والأمير دقماق، فبعث الأميران شيخ ويشبك بيشبك العثماني إلى الأمير جكم الجركسي الظاهري، يستدعيه من أنطاكية إلى دمشق، وأفرج الأمير شيخ المحمودي أيضًا عن قرا يوسف ابن قرا محمد التركماني.

#3246
العام الهجري :807الشهر القمري : جمادى الأولىالعام الميلادي :1404

واقعة السعيدية وفتنة الأمير جكم ومحاولة استيلائه على البلاد .

استولى الأمير جكم الجركسي الظاهري على حلب، وقد كان سابقًا خرج عن الطاعة وتمالأ مع التركمان والعربان وأحدث عدة فتن، وأنعم على الأمير علان نائب حماة بموجود دمرداش النائب السابق لحلب، وأحسن جكم السيرة في حلب، وولَّى في القلاع نوابًا من جهته، فاجتمعت له حلب وحماة وطرابلس، وأما الأمير شيخ المحمودي نائب الشام فإنه خرج لأخذ صفد وعمل ثلاثين مدفعًا، وعدة مكاحل للنفط ومنجنيقين، وجمع الحجَّارين والنقَّابين وآلات الحرب، وخرج من دمشق ومعه جميع من عنده من عسكر مصر والشام، وقرا يوسف بجماعته، وجماعة السلطان أحمد بن أويس متملك بغداد، والتركمان الجشارية، وأحمد بن بشارة بعشرانه، وعيسى بن الكابولي بعشيره، بعدما نادى بدمشق من أراد النهب والكسب فعليه بصفد، فاجتمع له خلائق، وسار ومعه مائة جمل تحمل المدافع والمكاحل والمجانيق، والزحَّافات، والبارود، ونحو ذلك من آلات الحصار، وولي الأمير ألطنبغا العثماني نيابة صفد، فكتب يستدعي عشران صفد وعربانها وتركمانها، فقدم الأمير شيخ بمن معه إلى صفد وبعث أمامه تقي الدين يحيى بن الكرماني، وقد ولَّاه العسكر، ومعه قطلوبغا رأس نوبة بكتابه إلى الأمير بكتمر شلق يدعوه إلى موافقته، ويحذِّره من مخالفته، ويُعلِمه أن الأمير جكم قد أخذ حلب من الأمير دمرداش بالقهر، وأنه قادم إليه ومعه الأمير علان نائب حماة، فلم يُذعِن له بكتمر، وأبى إلا قتاله، فأحاط الأمير شيخ بقلعة صفد وحصرها من جميع جهاتها، وقد حصَّنها الأمير بكتمر وشحنها بالرجال والآلات، فاستمرَّت الحرب بينهم أيامًا، جرح فيها من الشيخية نحو ثلاثمائة رجل، وقتل ما ينيف على خمسين فارسًا، ثم إن الأمير جكم خرج من حلب يريد دمشق، وقد حضر إليه شاهين دوادار الأمير شيخ يستدعيه، وكان جكم قد سلم القلعة إلى شرف الدين موسى بن يلدق، وعمل حجابًا وأرباب وظائف، وعزم على أن يتسلطن ويتلقب بالملك العادل، ثم أخر ذلك وقدم دمشق ومعه الأمير قانباي، والأمير تغري بردي القجقاري وجماعة، وقد خرج الأمير شيخ والأمراء إلى لقائه، وأنزله في الميدان، فترفع على الأمراء ترفعًا زائدًا أوجب تنكُّرَهم عليه في الباطن، إلا أن الضرورة قادتهم إلى الإغضاء، فأكرموه، وأنزلوه، وحلفوه على القيام معهم على السلطان وموافقتهم، وأخذ في إظهار شعار السلطنة، فشَقَّ عليهم ذلك، وما زالوا به حتى تركه، وأقام معهم بدمشق ثم توجَّه منها مخفًّا إلى طرابلس، وترك أثقاله بدمشق، ليجمع عساكر طرابلس وغيرها ممن انضم إليه، وأما الأمير شيخ فإنه وقع الصلح بينه وبين الأمير بكتمر نائب صفد، وتحالفوا جميعًا على الاتفاق، ثم سار جكم من طرابلس في عشرينه، وخيَّم ظاهرها، فبعث شيخ السلماني يستدعي علان، فبعث إليه نائب شيزر على عسكر، ففرَّ ابن أمير أسد بمن معه وترك أثقاله، فأخذها السليماني، ورتب أمر قلعة صهيون، وجعل بيازير بها، وتوجه إلى علان - -وقد نزل على بارين - فتلقاه وبالغ في كرامته، وأنزله بمخيمه، فأخذ شيخ عند ذلك في مكاتبة أمراء طرابلس وتركمانها يدعوهم إلى طاعته، فأجابوه بالسمع والطاعة، ووعدوه بالقيام معه، فاضطرب أمر جكم، وانسلَّ عنه من معه، طائفة بعد أخرى، فمضى إلى الناعم وقد كثر جمع السليماني، فمشى ومعه علان يريدان جكم فتركهم، ومضى إلى دمشق، فأدركه في طريقه إليها الأمير سعد الدين إبراهيم بن غراب، ويشبك العثماني، وأقبغا دوادار الأمير يشبك الدوادار، يحثُّونه على القدوم، وقد سار من دمشق فسار معهم، وأركب السليماني تركمان طرابلس في أثر جكم، فأخذوا بعض أطرافه، وقدم السليماني طرابلس وأعاد الخطبة للسلطان، ومهَّد أمورها، وكتب يُعلِم السلطان بذلك، ثم خرج منها بعد يومين يستنفر الناس، فاجتمع عليه خلائق من التركمان، والعربان، والعشران، وعسكر طرابلس وكثير من عسكر حلب، وطائفة من المماليك السلطانية، وكان العجل بن نعير قد استولى على معاملة الحصن والمناصف، واستولى فارس بن صاحب الباز -وأخوه حسين- على سواحل اللاذقية، وجبلة، وصهيون، وبلاطنس، واستولى علم الدين على حصن الأكراد، وعصى بها، واستولى رجب بن أمير أسد على قلعة المرقب، فطرد السليماني العجل من المعاملة، ونزل على حصن الأكراد وحصرها حتى أخذها، وأعاد بها الدعاء للسلطان، وأخذ في استرجاع الساحل، فقدم عليه الخبر بولاية الأمير قانباي طرابلس، ووصول متسلمه سيف الدين بوري -ومعه شهاب الدين أحمد الملطي- على ظهر البحر من ديار مصر، ففتَّ ذلك في عضده، وصار إلى علان نائب حماة، فأشار عليه ألَّا يسلم طرابلس حتى يراجع السلطان بما يترتب على عزله من الفساد بتبدُّد كل العساكر، فكتب بذلك، ودخل بوري والملطي إلى طرابلس، وتسلماها، وحلَّفا الأمراء وغيرهم للسلطان، ثم خرج الأمير شيخ المحمودي نائب الشام ومعه الأمير يشبك وبقية الأمراء إلى لقاء الأمير جكم، فعندما رأوه ترجل له يشبك، ونزل الأرض وسلم عليه، فلم يعبأ به، ولا التفت إليه، وجرى على عادته في الترفع والتكبر، فشقَّ ذلك على الأمير شيخ، ولام يشبك على ترجُّله، وعِيبَ جكم على ما كان منه، ودخلوا معه إلى دمشق والطبول تُضرَب وهو في مركب مهول، فنزل الميدان، وجرى على عادته في التكبر والترفع، فتنكرت القلوب، واختلفت الآراء، فكان جكم أمة وحدة يرى أنه السلطان، ويريد إظهار ذلك، والأمراء تَسوسُه برفق، حتى لا يتظاهر بالسلطنة، ورأيه التوجه إلى بلاد الشمال، ورأي بقية الأمراء المسير إلى مصر، فكانوا ينادون يومًا بالمسير إلى مصر، وينادون يومًا بالمسير إلى حماة وحلب، وينادون يومًا من أراد النهب والكسب فعليه بالتوجه إلى صفد، ثم قوي عزمهم جميعًا على قصد مصر، وبعثوا لرمي الإقامات بالرملة وغزة، وبرزوا بالخيام إلى قبة يلبغا في الرابع عشر، وخرج الأمير شيخ والأمير يشبك وقرا يوسف من دمشق، وندبوا الأمير يشبك وقرا يوسف إلى صفد، فسارا من الخربة في عسكر، ومضى الأمير شيخ إلى قلعة الصبيبة فاستعد الأمير بكتمر شلق نائب صفد، وأخرج كشافته بين يديه، ونزل بجسر يعقوب، فالتقى أصحابه بكشافة يشبك وقرا يوسف، واقتتلوا، فكثرت الجراحات بينهما، وغنم الصفديون منهم عشرة أفراس، فرجع يشبك وقرا يوسف إلى طبرية، ونزلا على البحيرة حتى عاد الأمير شيخ من الصبيبة، وقد حصَّن قلعتها، ثم ساروا جميعًا إلى غزة، وقد تقدَّمهم الأمير جكم، ونزل بالرملة والتقت مقدمة السلطان ومقدمة الأمراء واقتتلوا، فرحل السلطان من بلبيس بكرة نهار الأربعاء، ونزل السعيدية فأتاه كتاب الأمراء الثلاثة: شيخ، وجكم، ويشبك، بأن سبب حركتهم ما جرى بين الأمير يشبك والأمير إينال باي ابن الأمير قجماس من حظ الأنفس، حتى توجه يشبك بمن معه إلى الشام، فكان بها من خراب البلاد، وهلاك الرعية ما كان، وطلبوا منه أن يخرج أينال باي ودمرداش نائب حلب من مصر إلى الشام، وأن يُعطى لكل من يشبك وشيخ وجكم، ومن معهم بمصر والشام ما يليق به؛ لتخمد هذه الفتنة باستمرارهم على الطاعة، وتحقن الدماء، ويعمر ملك السلطان، وإن لم يكن ذلك تَلِفَت أرواح كثيرة، وخربت بيوت عديدة وقد كان عزمهم المكاتبة بهذا من الشام، لكن خشوا أن يُظَنَّ بهم العجز، فإنَّه ما منهم إلا من جعل الموت نصب عينيه، ثم بيت أمراء السلطان، وهم في نحو الثلاثة آلاف فارس وأربعمائة تركماني من أصحاب قرا يوسف، فاقتتل الفريقان قتالًا شديدًا، من بعد عشاء الآخرة إلى بعد نصف الليل، جُرِح فيه جماعة، وقُتِل الأمير صرق صبرًا بين يدي الأمير شيخ؛ لأنه ولي نيابة الشام من السلطان، وركب السلطان ومعه الأمير سودن الطيار، وسودن الأشقر هجنا، وساقوا على البر تحت غلس الصبح يريدون القلعة، وتفرقت العساكر وتركوا أثقالهم وسائر أموالهم، فغنمها الشاميون، ووقع في قبضتهم الخليفة وقضاة مصر، ونحو من ثلاثمائة مملوك، والأمير شاهين الأفرم، والأمير خير بك نائب غزة، وقدم المنهزمون إلى القاهرة، ولم يحضر السلطان ولا الأمراء الكبار، فكثر الإرجاف، وأقيم العزاء في بعض الدور وماج الناس، وكثُر النهب، حتى وصل السلطان قريب العصر ومعه الأمراء، إلى الأمير أقباي، وقد قاسى من العطش والتعب ما لا يوصف، فاستعدَّ وجمع إليه عساكره، وزحفت عساكر الشاميين من الريدانية، وقد نزلوا بها من أمسه وكثر اضطراب الناس بالقاهرة، وغلقت أبوابها ودروبها، وتعطلت الأسواق، وعزَّ وجود الماء، ووصلت العساكر قريبًا من دار الضيافة تحت القلعة، فقاتلهم السلطانية من بكرة النهار إلى بعد الظهر، فأقبل عدة من الأمراء إلى جهة السلطان طائعين له، منهم: أسن بيه أمير ميسرة الشام، والأمير يلبغا الناصري، والأمير سودن اليوسفي، وإينال حطب، وجمق، ففت ذلك في أعضاد من بقي، وعاد طائفة منهم، وحملوا خفهم وأفرجوا عن الخليفة والقضاة وغيرهم، وتسلل الأمير قطلوبغا الكركي، والأمير يشبك الدوادار، والأمير تمراز الناصري، وجركس المصارع في جماعة، واختفوا بالقاهرة وظواهرها، فوَلِيَ حينئذ الأمير شيخ المحمودي نائب الشام، والأمير جكم، وقرا يوسف، وطولو، في طائفة يسيرة، وقصدوا الشام، فلم يتبعهم أحد من عسكر السلطان، ونادى السلطان بالأمان، وأصبح فقَيَّد من استأمن إليه من الأمراء، وبعثهم إلى الإسكندرية، فاعتُقِلوا بها، وانجلت هذه الفتنة عن تلف مال العسكريين، فذهب فيها من الخيل والبغال والجمال والسلاح والثياب والآلات ما لا يدخل تحت حصر، وأما حلب فإن الأمير جكم لما سار عنها ثار بها عدة من أمرائها، ورفعوا سنجق السلطان بباب القلعة، فاجتمع إليهم العسكر، وحلفوا للسلطان، فقدم ابنا شهري الحاجب، ونائب القلعة من عند التركمان البياضية إلى حلب، وقام بتدبير الأمور يونس الحافظي، وامتدت أيدي عرب العجل بن نعير وتراكمين ابن صاحب الباز إلى معاملة حلب، فقسموها، ولم يَدَعوا لأحد من الأمراء والأجناد شيئًا.

#3247
العام الهجري :807الشهر القمري : شعبانالعام الميلادي :1405

وفاة الطاغية تيمورلنك وزوال خطر المغول .

هو الطاغية تيمورلنك كوركان بن أيتمش قنلغ بن زنكي بن سنيا بن طارم بن طغريل بن قليج بن سنقور بن كنجك بن طغر سبوقا بن التاخان، المغولي الأصل، من طائفة جغتاي، واسمه تمرلنك وقيل تيمور، كلاهما بمعنى واحد، والثاني أفصح، وهو باللغة التركية: الحديد. ومعنى لنك: الأعرج، ومعنى كوركان: صهر الملك، وهو ينتمي إلى قبيلة البرلاس التركية، وقد كان أحد أجداده وهو قراجا رنويان قد دعم جنكيز خان فأحبَّه وجعله وصيًّا على ابنه جغطاي، فبرز بين المغول وعرف. ولد تيمور عام 736 في كش، وقيل: إنه دخل في الإسلام على مذهب الشيعة. وكان تيمور طويل القامة، كبير الجبهة، عظيم الهامة، شديد القوَّة، أبيض اللون مشربًا بحمرة، عريض الأكتاف، غليظ الأصابع، مسترسل اللِّحية، أشلَّ اليد، أعرج اليمنى، تتوقَّد عيناه، جهير الصَّوت، لا يهاب الموت، قد بلغ الثمانين، وهو متمتِّع بحواسه وقوَّته. وكان يكره المزاَّح ويبغض الكذّاب، قليل الميل إلى اللهو، على أنّه كان يعجبه الصوت الحسن، وكان نقش خاتمه: رستى رستى، ومعناه: "صدقت نجوت" وكان له فراسات عجيبة، وسعد عظيم، وحظ زائد في رعيته، وكان له عزم ثابت، وفهم دقيق، محجاجًا سريع الإدراك، متيقِّظَا يفهم الرَّمز ويدرك اللمحة، ولا يخفى عليه تلبيس ملبِّس، وكان إذا عزم على شيء لا ينثني عنه، وكان يقال له: صاحب قران الأقاليم السبعة، وقهرمان الماء والطين، وقاهر الملوك والسَّلاطين، وكان مغرمًا بسماع التاريخ وقصص الأنبياء عليهم السَّلام ليلًا ونهارا، حتى صار-لكثرة سماعه للتاريخ- يردُّ على القارئ إذا غلط فيها، وكان يحبُّ العلم والعلماء، ويقرِّب السَّادة الأشراف، ويُدني أرباب الفنون والصَّنائع. وكان انبساطه بهيبة ووقار، وكان يباحث أهل العلم وينصف في بحثه، ويبغض الشُّعراء والمضحكين، ويعتمد على أقوال الأطبَّاء والمنجِّمين، حتى إنَّه كان لا يتحرَّك بحركة إلا باختيار فلكي, وكان يلازم لعب الشطرنج، وكان الشيخ عبد الجبَّار بن عبد الله المعتزلي الحنفي الخوارزمي عالم الدّشت، صاحب تيمورلنك وإمامه وعالمه وترجمانه. ولتيمور واقعة مع العلَّامة القاضي محب الدين أبي الوليد محمد بن محمد بن محمود الحلبي قاضيها الحنفي المعروف بابن الشحنة: لما أخذ تيمور قلعة حلب بالأمان والأيمان فاستحضر علماءها وقضاتها فحضروا إليه وطلب من معه من أهل العلم، فقال لكبيرهم عنده، وهو عبد الجبار ابن العلامة نعمان الدين الحنفي، قُل لهم: إني سائلهم عن مسائل سألت عنها علماء سمرقند وبخارى وهراة وخراسان وسائر البلاد التي افتتحتها فلم يفصحوا الجواب، فلا تكونوا مثلهم، ولا يجاوبني إلا أعلمكم وأفضلكم، وليعرف ما يتكلم به؛ فإني خالطت العلماء، وكان يعنت العلماء في الأسئلة ويجعل ذلك سببًا إلى قتلهم أو تعذيبهم، قال القاضي ابن الشحنة، فقال القاضي شرف الدين موسى الأنصاري الشافعي: هذا شيخنا ومدرس هذه البلاد ومفتيها مشيرًا إليَّ، سلوه. قال: فقال لي قاضيه عبد الجبار: سلطاننا يقول: إنه بالأمس قُتِل منا ومنكم، فمن الشهيد: قتيلُنا أم قتيلكم؟ فوجم الجميع وقلنا في أنفسنا: هذا الذي كان يبلغنا عنه من التعنت، وسكت القوم ففتح الله عليَّ بجواب سريع بديع فألقى إلي تيمور سمعه وبصره، وقال لعبد الجبار يسخر من كلامي: كيف سئل رسول الله عن هذا؟ وكيف أجاب؟ فقلت: جاء أعرابي إلى رسول الله، فقال: يا رسول الله، إن الرجل يُقاتِلُ حميةً ويقاتل ليريَ مكانه من الشجاعة، فأينا الشهيد في سبيل الله؟ فقال: ((من قاتل لتكونَ كلمة الله هي العليا، فهو الشهيد)). فقال تيمورلنك: خوب خوب! فانفتح باب المؤانسة، فكثر منه السؤال وكثر مني الجواب، وكان آخر ما سأل أن قال: ما تقولون في علي ومعاوية ويزيد؟ فأسرَّ إلى القاضي شرف الدين: أن اعرِفْ كيف تجاوبُه؛ فإنه شيعي، فلم أفرغ من سماع كلامه إلا وقد قال القاضي علم الدين القفصي المالكي كلامًا معناه: إن الكل مجتهدون، فغضب لذلك غضبًا شديدًا، وقال: علي على الحق، ومعاوية ظالم، ويزيد فاسق، وأنتم حلبيون تبع لأهل دمشق، وهم يزيدون قتلوا الحسين، قال: فأخذت في ملاطفته والاعتذار عن المالكي بأنه أجاب بشيء وجده في كتاب لا يعرف معناه، فعاد إليَّ دون ما كان عليه من البسط, وحضر صلاة المغرب وأقيمت الصلاة وأمَّنا عبد الجبار، وصلى تيمورلنك إلى جانبي قائمًا يركع ويسجد، ثم تفرقنا، وفي اليوم الثاني: غدر بكل من في القلعة وأخذ جميع ما كان فيها من الأموال والأقمشة والأمتعة ما لا يحصى، أخبرني بعض كُتابه أنه لم يكن أخذ من مدينة قط ما أخذ من هذه القلعة، وعوقب غالب المسلمين بأنواع من العقوبة، وحبسوا بالقلعة. بعد أن عاد تيمورلنك من حربه مع العثمانيين واستقر في سمرقند استعدَّ لغزو الصين، فتوجه بجيوشه إليها، ولكن وفي الطريق هاجت العواصف الثلجية فتأثر ببردها، فكانت وفاته في ليلة الأربعاء سابع عشر شعبان سنة 807 وهو نازل بالقرب من أترار، وأترار بالقرب من آهنكران، ومعنى آهنكران باللغة العربية: الحدادون، وكان سبب موته أنَّه خرج من بلاده لأخذ بلاد الصِّين، وقد انقضى فصل الصيف ودخل الخريف، وكتب إلى عساكره أن يأخذوا الأُهبة لمدة أربع سنين، فاستعدوا لذلك وأتوه من كلِّ جهة، وصُنِع له خمسمائة عجلة لحمل أثقاله. ثمَّ خرج من سمرقند  في شهر رجب وقد اشتد البرد، ونزل على سيحون وهو جامد، فعبره ومرَّ سائرا، فأرسل الله عليه من عذابه جبالًا من الثلج التي لم يُعهَد بمثلها مع قوَّة البرد الشديد، فلم يبقَ أحد من عساكره حتى امتلأت آذانهم وعيونهم وخياشيمهم، وآذان دوابهم وأعينها من الثلج، إلى أن كادت أرواحهم تذهب. ثمَّ اشتدت تلك الرِّياح، وملأ الثلج جميع الأرض -مع سعتها- فهلكت بهائمهم. وجمد كثير من النّاس، وتساقطوا عن خيولهم موتًا. وجاء بعقب هذا الثَّلج والرّيح أمطار كالبحار، وتيمور مع ذلك لا يرقُّ لأحد، ولا يبالي بما نزل بالناس، بل يجدُّ في السَّير، فما أن وصل تيمور إلى مدينة أترار حتى هلك خلق كثير من قواته, ثمَّ أمر تيمور أن يستقطر له الخمر حتى يستعمله بأدوية حارَّة لدفع البرد وتقوية الحرارة، فعُمِل له ما أراد من ذلك, فشرع تيمور يستعمله ولا يسأل عن أخبار عساكره وما هم فيه، إلى أن أثَّرت حرارة ذلك وأخذت في إحراق كبده وأمعائه، فالتهب مزاجه حتى ضَعُف بدنه، وهو يتجلَّد ويسير السَّير السّريع، وأطبَّاؤه يعالجونه بتدبير مزاجه إلى أن صاروا يضعون الثلج على بطنه؛ لعِظَمِ ما به من التلهب، وهو مطروح مدة ثلاثة أيام، فتَلِفَت كَبِده، وصار يضطرب ولونه يحمرُّ، ونساؤه وخواصُّه في صراخ، إلى أن هلك إلى لعنة الله وسَخَطِه، ولما مات لبسوا عليه المسوح، ولم يكن معه أحد من أولاده سوى حفيده سلطان خليل بن ميران شاه بن تيمور، فعاد إلى سمرقند برمَّة جده تيمور. فخرج النَّاس إلى لقائه لابسين المسوح بأسرهم، وهم يبكون ويصرخون، ودخل ورمَّةُ تيمور بين يديه في تابوت أبنوس، والملوك والأمراء وكافة النَّاس مشاة بين يديه، وقد كشفوا رؤوسهم وعليهم المسوح، إلى أن دفنوه على حفيده محمد سلطان بمدرسته، وأقيم عليه العزاء أيَّامًا، وقُرِئَت عنده الختمات، وفُرِّقت الصَّدقات، ومدَّت الحلاوات والأسمطة بتلك الهمم العظيمة، ونُشِرت أقمشته على قبره، وعلَّقوا سلاحه وأمتعته على الحيطان حوالي قبره، وكلُّها ما بين مرصع ومكلل ومزركش، في تلك القبّة العظيمة، وعُلِّقت بالقبَّة قناديل الذَّهب والفضَّة، من جملتها قنديل من ذهب زنته أربعة آلاف مثقال -وهو رطل بالسَّمرقندي، وعشرة أرطال بالدِّمشقي، وأربعون رطلًا بالمصري- وفرشت المدرسة بالبُسُط الحرير والدِّيباج. ثمَّ نُقِلت رمَّتُه إلى تابوت من فولاذ عُمِل بشيراز، وهو على قبره إلى الآن، وتحمل إليه النَّذورة من الأعمال البعيدة، ويُقصَد قبره للزِّيارة والتّبرُّك به، ويأتي قبره من له حاجة ويدعو عنده!! وإذا مرَّ على هذه المدرسة أمير أو جليل خضع ونزل عن فرسه إجلالًا لقبره؛ لِما له في صدورهم من الهيبة. فتسلطن بعده حفيده خليل بن ميران شاه فاستولى خليل على خزائن جده وبذل الأموال، وتم أمرُه إلا أن ولدَي تيمور: شاه رخ، وجلال الدين ميرانشاه، اقتسموا المملكة بينهما بخط ممتد على حدود إيران، فأخذ شاه رخ الغرب، وفيه العراق وأذربيجان وأجزاء من بلاد القفجاق القوقاز، وأخذ ميانشاه الشرق، وفيه خراسان وسجستان وأصفهان وشيراز.

#3248
العام الهجري :808الشهر القمري : ربيع الأولالعام الميلادي :1405

فتنة بين أمراء الشراكسة وأمراء الروم واختفاء السلطان ابن برقوق .

في يوم الثلاثاء سادس ربيع الأول تخبطت الأحوال بين السلطان وبين المماليك؛ فوقف طائفة من المماليك الجراكسة، وسألوا أن يقبض على الأمير تغري بردي، والأمير دمرداش، والأمير أرغون؛ من أجل أنهم من جنس الروم؛ وذلك أن السلطان اختص بهم، وتزوج ابنة تغري بردي، وأعرض عن الجراكسة، وقبض على إينال باي، فخاف الجراكسة من تقدُّم الروم عليهم، وأرادوا من السلطان إبعادهم، فأبى عليهم، فتحزبوا عليه واجتمعوا على الأمير الكبير بيبرس، وتأخروا عن الخدمة السلطانية، فتغيب في ليلة الأربعاء الأميران تغري بردي ودمرداش، وأصبح الناس يوم الأربعاء سابعه وقد ظهر الأمير يشبك الدوادار، والأمير تمراز، والأمير جركس المصارع، والأمير قانباي العلاي، وكانوا مختفين من حين الكسرة بعد وقعة السعيدية؛ وذلك أن الأمير بيبرس ركب سَحَرًا إلى السلطان وتلاحى معه طويلًا، وعرَّفه بمواضع الأمراء المذكورين، فاستقرَّ الأمر على مصالحة السلطان للجراكسة، وإحضار الأمراء المذكورين، والإفراج عن إينال باي وغيره، فانفضُّوا على ذلك، وصار العسكر حزبين، وأظهر الجراكسة الخلاف، ووقفوا تحت القلعة يمنعون من يقصد السلطان، وجلس الأمير الكبير بيبرس في جماعة من الأمراء بداره، وصار السلطان بالقلعة، وعنده عدة أمراء، وتمادى الحال يوم الخميس والجمعة والسبت، والناس في قلق، وبينهم قالةٌ وتشانيع وإرجافات، ونزل السلطان إلى باب السلسلة، واجتمع معه بعض الأمراء ليصلح الأمر، فلم يُفِدْ شيئًا، وكثرت الشناعة عليه، وباتوا على ما هم عليه، وأصبحوا يوم الأحد الخامس والعشرين وقد كثروا، فطلبوا من السلطان أن يبعث إليهم بالأمير تغري بردي والأمير أرغون، فلما بعثهما قبضوا عليهما، وأخرجوا تغري بردي منفيًّا في الترسيم إلى القدس، فلما كان عند الظهيرة فُقِدَ السلطان من القلعة، فلم يُعرَف له خبر، وسبب اختفائه أن النوروز كان في يوم السبت الرابع والعشرين ربيع الأول، فجلس السلطان مع عدة من خاصكيته لمعاقرة الخمر، ثم ألقى نفسه في بحرة ماء وقد ثَمِل، فتبعه جماعة وألقَوا أنفسهم معه في الماء، وسبح بهم في البحرة، وقد ألقى السلطان عنه جلباب الوقار، وساواهم في الدعابة والمجون، فتناوله من بينهم شخص، وغمه في الماء مرارًا، كأنه يمازِحُه ويلاعبه، وإنما يريدُ أن يأتيَ على نفسه، وما هو إلا أن فُطِن به فبادر إليه بعض الجماعة -وكان روميًّا- وخلصه من الماء، وقد أشرف على الموت، فلم يُبدِ السلطان شيئًا، وكتم في نفسِه، ثم باح بما أسرَّه؛ لأنه كان لا يستطيع كتمان سر، وأخذ يذم الجراكسة -وهم قوم أبيه، وشوكة دولته، وجُلُّ عسكره- ويمدح الروم، ويتعصَّبُ لهم، وينتمي إليهم، فإنَّ أمه شيرين كانت رومية، فشقَّ ذلك على القوم، وأخذوا حِذرَهم، وصاروا إلى الأمير الكبير بيبرس ابن أخت الظاهر واستمالوه، فخاف السلطان وهم أن يفرَّ، فبادره الأمير بيبرس وعنَّفه، وما زال به حتى أحضر الأمراء من الإسكندرية ودمياط، وأظهر الأمراء المختفين، فاجتمع الأضداد، واقترن العدي والأنداد، ثم عادوا إلى ما هم عليه من الخلاف بعد قليل، وأعانهم السلطان على نفسه بإخراج يشبك بن أزدمر، وأزبك، فأبدوا عند ذلك صفحات وجوههم، وأعلنوا بخلافه، وصاروا إلى إينال باي بن قجماس ليلة الجمعة، وسعوا فيما هم فيه، ثم دسُّوا إليه سعد الدين بن غراب كاتب السر، فخيَّله منهم، حتى امتلأ قلبه خوفًا، فلما علم ابن غراب بما هو فيه من الخوف، حسَّن له أن يفِرَّ، فمال إليه، وقام وقت الظهر من بين حرمه وأولاده، وخرج من ظهر القلعة من باب السر الذي يلي القرافة، ومعه الأمير بيغوت، فركبا فرسين قد أعدهما ابن غراب، وسارا مع بكتمر مملوك ابن غراب، ويوسف بن قطلوبك صهره أيضًا، إلى بركة الحبش، ونزلا وهما معهما في مركب، وتركوا الخيل نحو طرا وغيبوا نهارهم في النيل، حتى دخل الليل، فساروا بالمركب إلى بيت ابن غراب، وكان فيما بين الخليج وبركة الفيل، فلم يجدوه في داره، فمروا على أقدامهم حتى أووا في بيت بالقاهرة لبعض معارف بكتمر مملوك ابن غراب، ثم بعثوا إلى ابن غراب فحول السلطان إليه وأنزله عنده بداره، من غير أن يعلم بذلك أحد.

#3249
العام الهجري :808الشهر القمري : ربيع الأولالعام الميلادي :1405

وقعة بين المسلمين والفرنج بالأندلس .

لما انقضت مدة الصلح بين المسلمين بغرناطة وبين الطاغية صاحب قشتالة، أبى الطاغية الصلح، فبعث السلطان أبو سعيد عثمان صاحب ماس عشرين غرابًا أوسقها بالعدد والزاد، وجهز ثلاثة آلاف فارس، قدم عليهم القائد مارح، وجعل الشيخ عمر بن زيان الوساطي على ألف فارس أخرى، فنزلوا سبتة، وجهز أبو عبد الله محمد بن أبي الحجاج يوسف -صاحب غرناطة- أسطوله إلى جبل الفتح، فلقيهم أسطول الطاغية بالزقاق في يوم الجمعة السادس عشر، وقاتلهم، وقد اجتمع أهل فاس وأهل غرناطة، فكانت النصرة للفرنج، ولم ينجُ من المسلمين إلا القليل، وغنم الفرنج المراكبَ كلها بمن فيها وما فيها، فكانت مصيبة عظيمة، تكالب فيها الفرنج على المسلمين، وقوي طمعُهم فيهم.

#3250
العام الهجري :808الشهر القمري : ربيع الأولالعام الميلادي :1405

خلع السلطان الناصر فرج بن برقوق وتولية أخيه المنصور .

لما فُقِدَ الملك الناصر وقتَ الظهر من يوم الأحد خامس عشرين ربيع الأول بادر الأمراء بالركوب إلى القلعة، وهم طائفتان: الطائفة التي خالفت الناصر وحاربته، ويرجع أمرُهم إلى الأمير يشبك الدوادار، والطائفة الأخرى هي التي وَفَت للناصر، وكبيرهم الأمير الكبير بيبرس ابن أخت الظاهر، وحاربت يشبك الدوادار ومن معه، فلما صار الفريقان إلى القلعة، منعهم الأمير سودون تلى المحمدي أمير أخور من صعود القلعة، وهم يضرعون إليه من بعد نصف النهار إلى بعد غروب الشمس، ثم مكَّنهم من العبور من باب السلسلة، وقد أحضروا الخليفة والقضاة الأربعة، واستدعوا الأمير عبد العزيز بن الظاهر برقوق، وقد ألبسه سعد الدين إبراهيم بن غراب الخِلعة الخليفتية، وعمَّمه، فعهد إليه الخليفة أبو عبد الله محمد المتوكل على الله بالسلطنة، ولقَّبوه الملك المنصور عز الدين، وكنَّوه بأبي العز، وذلك عند أذان عشاء الآخرة، من ليلة الاثنين سادس عشرين ربيع الأول، وقد ناهز الاحتلام، وقام سعد الدين إبراهيم بن غراب كاتب سر مصر بأعباء المملكة، يدبر الأمراء كيف شاء، والمنصور تحت كفالة أمِّه، ليس له من السلطنة سوى مجرد الاسم في الخطبة، وعلى أطراف المراسيم.

#3251
العام الهجري :808الشهر القمري : جمادى الآخرةالعام الميلادي :1405

خلع السلطان المنصور عبدالعزيز بن برقوق وعودة أخيه الناصر فرج .

في شهر جمادى الآخرة، أوله الثلاثاء، وفيه مرض السلطان الملك المنصور، وفي يوم الجمعة رابعه: عادت الخيول من الربيع، وظهر بين أهل الدولة حركة، فكَثُرت القالة، وبات المماليك تسعى بعضها إلى بعض، فظهر الملك الناصر في بيت الأمير سودن الحمزاوي، وتلاحق به كثير من الأمراء والمماليك، ولم يطلع الفجر حتى ركب السلطان بآلة الحرب، وإلى جانبه ابن غراب، وعليه آلة الحرب، وسار بمن اجتمع إليه يريد القلعة، فقاتله سودن المحمدي أمير أخور، وإينال باي بن قجماس، وبيبرس الكبيري، ويشبك بن أزدمر، وسودن المارديني، قتالًا ليس بذاك، ثم انهزموا، وصعد السلطان إلى القلعة، فكانت مدة عبد العزيز سبعين يومًا، فعاد السلطان الملك الناصر زين الدين فرج ابن الملك الظاهر برقوق إلى الملك ثانيًا؛ وذلك أنه لما فُقِد من القلعة وصار إلى بيت سعد الدين بن غراب، ومعه بيغوت، قام له بما يليق به، وأعلم الأمير يشبك به، فخفي على أهل الدولة مكانه، ولم يعبؤوا به، وأخذ ابن غراب يدبر في القبض على الأمير إينال باي، فلم يتمَّ له ذلك، فلما تمادت الأيام قرر مع الطائفة التي كانت في الشام من الأمراء، وهم يشبك، وقطلو بغا الكركي، وسودن الحمزاوي في آخرين، أنه يخرج إليهم السلطان، ويعيدونه إلى المُلك؛ لينفردوا بتدبير الأمور؛ وذلك أن الأمير بيبرس الأتابك قويت شوكته على يشبك، وصار يتردد إليه، ويأكل على سماطه، فعزَّ عليه وعلى أصحابه ذلك، فما هو إلا أن أعلمهم ابن غراب بالخبر، فوافقوه على ذلك، وواعد بعضهم بعضًا، فلما استحكم أمرهم، برز الناصر نصف ليلة السبت خامس جمادى الآخرة من بيت ابن غراب، ونزل بدار الأمير سودن الحمزاوي، واستدعى الناس، فأتوه من كل جهة، وركب وعليه سلاحه، وابن غراب إلى جانبه، وقصد القلعة، فناوشه من تأخر عنه من الأمراء قليلًا، ثم فرُّوا، فملك السلطان القلعة بأيسر شيء؛ وذلك أن صوماي رأس نوبة كان قد وكل بباب القلعة، فعندما رأى السلطان فتح له، فطلع منه، وملك القصر، فلم يثبت بيبرس ومن معه، ومرُّوا منهزمين، فبعث السلطان بالأمير سودن الطيار في طلب الأمير بيبرس فأدركه خارج القاهرة، فقاتله وأخذه وأحضره إلى السلطان، فقيَّده وبعثه إلى الإسكندرية فسُجِن بها، واختفى الأمير إينال باي بن قجماس، والأمير سودن المارديني.

#3252
العام الهجري :808الشهر القمري : رجبالعام الميلادي :1406

وفاة الخليفة العباسي المتوكل محمد وتولية ابنه المستعين بالله العباس .

الخليفةُ أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو عبد الله محمد بن المعتضد أبي بكر ابن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد، وكان عرض عليه الاستقلال بالأمر مرتين فأبى، وكان بويع بالخلافة بعهد من أبيه في سابع جمادى الآخرة سنة 763، وجعله الأمير أينبك البدري بن زكريا بن إبراهيم في ثالث عشرين صفر سنة تسع وسبعين، ثم أعيد في عشرين ربيع الأول، منها، وقبض عليه الظاهر برقوق في أول رجب سنة خمس وثمانين، وقيَّده وسجنه إلى أول جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين، ثم أفرج عنه. توفي المتوكل على الله في سابع عشرين شهر رجب. وفي يوم الاثنين أول شعبان استدعى السلطان الملك الناصر أبا الفضل العباس ولد الخليفة المتوكل على الله أبي عبد الله محمد، وبايعه بالخلافة بعد موت أبيه، ولبس العباس التشريف، ولُقِّب بالمستعين بالله، ونزل إلى داره.

269 270 271 272 273
#

نَبْع

أصل صافٍ للمعرفة الشرعية

للمزيد قم بزيارة موقعنا

nabe.vercel.app