العام الهجري :803الشهر القمري : ربيع الأولالعام الميلادي :1400
جيش تيمورلنك يدخل حماة ويقتل أهلها ويخربها .
نزل مرزه شاه بن تيمورلنك على مدينة حماة بكرة يوم الثلاثاء رابع عشر ربيع الأول، وأحاط بسورها، ونهب المدينة، وسبى النساء والأطفال، وأسر الرجال، ووقع أصحابه على النساء يطؤونهن ويفتضُّون الأبكارَ جهارًا من غير استتار وخرَّبوا جميعَ ما خرج عن السور، وقد ركب أهل البلد السور، وامتنعوا بالمدينة، وباتوا على ذلك، فلما أصبحوا يوم الأربعاء فتحوا بابًا واحدًا من أبواب المدينة، ودخل ابنُ تيمورلنك في قليلٍ من أصحابه ونادى بالأمان، فقَدَّمَ الناس إليه أنواع المطاعم فقَبِلَها، وعزم أن يقيم رجلًا من أصحابه على حماة، فقيل له: إن الأعيان قد خرجوا منها، فخرج إلى مخيمه، وبات به، ودخل يوم الخميس ووعد الناس بخير وخرج، ومع ذلك فإن القلعة ممتنعة عليه، فلما كان ليلة الجمعة نزل أهل القلعة إلى المدينة وقتلوا من أصحاب مرزه شاه رجلين كانا أقرَّهما بالمدينة، فغضب من ذلك وأشعل النار في أرجاء البلد، واقتحمها أصحابه يقتلون ويأسرون وينهبون، حتى صارت كمدينة حلب: سوداء، مغبرة، خالية من الأنيس!
#3230
العام الهجري :803الشهر القمري : جمادى الأولىالعام الميلادي :1401
تيمورلنك يدمر مدينة دمشق ويذبح أهلها .
لما قدم خبر أخْذ حلب وما ارتكبه المغول في أهلها نودِيَ بدمشق في الناس بالتحوُّل إلى المدينة والاستعداد للعدوِّ، فاختبط الناس وعظُم ضجيجهم وبكاؤهم، وأخذوا ينتقلون في يوم الأربعاء نصفه من حوالي المدينة إلى داخلها، واجتمع الأعيانُ للنظر في حفظ المدينة، فقدم في سابع عشر ربيع الأول المنهزمون من حماة، فعظُمَ الخوف، وهمَّ الناس بالجلاء، فمُنِعوا منه، ونودِيَ: من سافر نُهب، فورد في الثامن العشر منه الخبر بنزول طائفة من العدو على حماة، فحُصِّنت مدينة دمشق، ووقف الناسُ على الأسوار، وقد استعدُّوا، ونُصِبت المجانيق على القلعة، وشُحِنت بالزاد، وهمَّ نائب الغيبة بالفرار، ولكن العامة ردته ردًّا قبيحًا، وهاج الناس وماجوا ونادوا بتسليم البلد من غير قتال، وكل هذا وعسكر مصر لم يخرجُ منها بعدُ، ثم في ربيع الآخر بدأ جيش مصر بالخروج منها متوجِّهين إلى دمشق، هذا وجيش تيمورلنك قد وصل قريبًا من حمص؛ فبدأ الناس بالهرب وخاصة أن أهل بعلبك أيضًا هربوا لنزول تيمورلنك عليهم، ثم في سادس جمادى الأولى قدم السلطان دمشق بعساكره، وقد وصل أصحاب تيمورلنك إلى البقاع، وفي يوم السبت الخامس عشر من هذا الشهر نزل تيمورلنك إلى قطا، فملأت جيوشه الأرض، وركب طائفةٌ منهم إلى العسكر وقاتلوهم، فخرج السلطان من دمشق يوم الثلاثاء الثامن عشر إلى يلبغا، فكانت وقعة انكسرت ميسرةُ العسكر، وانهزم أولاد الغزاوي وغيرهم إلى ناحية حوران، وجُرح جماعة، وحَمل تيمورلنك حملةً منكرة؛ ليأخُذَ بها دمشق، فدفعته عساكِرُ السلطان، ونزل كلٌّ من العسكرين بمعسكره، وبعث تيمورلنك إلى السلطان في طلب الصلح وإرسال أطلمش أحد أصحابه إليه، وأنه هو أيضًا يبعث من عنده من الأمراء المقبوض عليهم في وقعة حلب، فأشار تغري بردي ودمرداش وقطلوبغا الكركي في قبول ذلك؛ لما يعرفون من اختلاف كلمتهم، لا لضعف عسكرهم، فلم يقبلوا وأبوا إلا القتال، ثم أرسل تيمور رسولًا آخر في طلب الصلح وكرَّر القول ثانيًا، وظهر للأمراء ولجميع العساكر صحةُ مقالته، وأن ذلك على حقيقتِه، فأبى الأمراء ذلك، هذا والقتال مستمرٌّ بين الفريقين في كل يوم، فلما كان ثاني عشر جمادى الآخرة اختفى من أمراء مصر والمماليك السلطانية جماعة، منهم الأمير سودون الطيار، وقاني باي العلائي رأس نوبة، وجمق، ومن الخاصكية يشبك العثماني، وقمش الحافظي، وبرسبغا الدوادار، وطرباي، في جماعة أخر، فوقع الاختلافُ عند ذلك بين الأمراء، وعادوا إلى ما كانوا عليه من التشاحُن في الوظائف والإقطاعات والتحكُّم في الدولة، وتركوا أمر تيمورلنك كأنه لم يكن، وأخذوا في الكلام فيما بينهم بسببِ من اختفى من الأمراء وغيرهم، هذا وتيمورلنك في غاية الاجتهاد في أخذ دمشق، وفي عمل الحيلة في ذلك، ثم أُعلِمَ بما الأمراء فيه، فقَوِيَ أمرُه واجتهاده بعد أن كان عزم على الرحيل، واستعدَّ لذلك، فلما كان آخر ليلة الجمعة الحادي والعشرين جمادى الأولى ركب الأمراء وأخذوا السلطان الملك الناصر فرج على حين غفلة، وساروا به من غير أن يعلم العسكر به مِن على عقبة عمر يريدون الديارَ المصرية، وتركوا العساكِرَ والرعية من المسلمين غَنَمًا بلا راعٍ، وأما بقية أمراء مصر وأعيانها من القضاة وغيرهم لما علموا بخروج السلطان من دمشق خرجوا في الحال في إثره طوائف طوائف يريدون اللحاق بالسلطان، فأخذ غالبهم العشير وسلبوهم، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وأما العساكر الذين خُلِّفوا بدمشق من أهل دمشق وغيرها، فإنه كان اجتمع بها خلائق كثيرة من الحلبيين والحمويين والحمصيين وأهل القرى ممن خرج جافلًا من تيمور، ولما أصبحوا يوم الجمعة، وقد فقدوا السلطانَ والأمراء والنائب، غلَّقوا أبواب دمشق، وركبوا أسوار البلد، ونادَوا بالجهاد، فتهيَّأ أهل دمشق للقتال وزحف عليهم تيمورلنك بعساكره، فقاتله الدمشقيون من أعلى السور أشدَّ قتال، وردوهم عن السور والخندق، وأسروا منهم جماعة ممن كان اقتحم باب دمشق، وأخذوا من خيولِهم عدَّةً كبيرة، وقتلوا منهم نحو الألف، وأدخلوا رؤوسهم إلى المدينة، وصار أمرُهم في زيادة، فأعيا تيمورلنك أمرهم، وعلم أن الأمر يطول عليه، فأخذ في مخادعتهم، وعمل الحيلة في أخذِ دمشق منهم، وبينما أهل دمشق في أشدِّ ما يكون من القتال والاجتهاد في تحصين بلدهم، قَدِمَ عليهم رجلان من أصحاب تيمورلنك من تحت السور وصاحا مِن بُعدٍ: الأميرُ يريد الصلح، فابعثوا رجلًا عاقلًا حتى يحدِّثَه الأمير في ذلك، ولما سمع أهل دمشق كلام أصحاب تيمورلنك في الصلح وقع اختيارُهم في إرسال قاضي القضاة تقي الدين إبراهيم بن مفلح الحنبلي، فأرخى من سور دمشق إلى الأرض، وتوجَّه إلى تيمورلنك واجتمع به وعاد إلى دمشق وقد خدعه تيمورلنك بتنميق كلامه، وتلطَّف معه في القول، وترفَّق له في الكلام، وقال له: هذه بلدة الأنبياء والصحابة وقد أعتقتُها لرسول الله صلى الله عليه وسلم صدقةً عني وعن أولادي، ولولا حنقي من سودون نائب دمشق عند قتله لرسولي ما أتيتُها، وقد صار سودون المذكور في قبضتي وفي أسري، وقد كان الغرض في مجيئي إلى هنا، ولم يبقَ لي الآن غرض إلا العود، ولكِنْ لا بد من أخذ عادتي من التقدمة من الطقزات، وكانت هذه عادته: إذا أخذ مدينةً صلحًا يُخرِجُ إليه أهلها من كل نوع من أنواع المأكول والمشروب والدواب والملابس والتحف تسعة؛ يسمون ذلك طقزات، والطقز باللغة التركية: تسعةٌ، وهذه عادة ملوك التتار، فعاد ابن مفلح يثني على تيمورلنك ويحثُّ الناس على عدم القتال وإعطائِه ما يريد، وكاد يحصل بسبب ذلك فتنةٌ إلى أن جمع ابن مفلح ما يريده تيمورلنك وحمله إليه وعاد هو ومن معه ومعهم فرمان من تيمورلنك لهم، وهو ورقة فيها تسعة أسطر يتضمن أمانَ أهل دمشق على أنفُسِهم وأهليهم خاصة؛ فقرئ الفرمان المذكور على منبر جامع بني أمية بدمشق، وفُتح من أبواب دمشق باب الصغير فقط، وقدم أمير من أمراء تيمور جلس فيه لِيَحفَظَ البلد ممن يعبر إليها من عساكر تيمور، فمشى ذلك على الشاميين وفرحوا به، لكن تيمورلنك لم يرضَ بالمال الذي أُحضِرَ له، بل طلب أضعافه، فحصل من الغلاء في دمشق ما لا يُصَدَّق بسبب ذلك، ثم إن الجمعة قد دُعِيَ فيها لابن تيمورلنك في الخطبة، ثم قدم شاه ملك أحد أمراء تيمورلنك إلى مدينة دمشق على أنه نائبها من قِبَل تيمور، ثم بعد جمعتين منعوا من إقامة الجمعة بدمشق لكثرة غلبة أصحاب تيمورلنك بدمشق، كل ذلك ونائب القلعة ممتنع بقلعة دمشق، وأعوان تيمورلنك تحاصِرُه أشد حصار، حتى سَلَّمها بعد تسعة وعشرين يومًا، وقد رمي عليها بمدافع ومكاحل لا تدخل تحت حصر، هذا وليس بالقلعة المذكورة من المقاتلة إلا نفر قليل دون الأربعين نفرًا، وطال عليهم الأمر، ويئسوا من النجدة، وطلبوا الأمان، وسلموها بالأمان، وكان تيمورلنك لما اتفق أولًا مع ابن مفلح على ألف ألف دينار يكون ذلك على أهل دمشق خاصة، والذي تركته العساكر المصرية من السلاح والأموال يكون لتيمور، فخرج إليه ابن مفلح بأموال أهل مصر جميعها، فلما صارت كلها إليه وعلم أنه استولى على أموال المصريين ألزمهم بإخراج أموال الذين فرُّوا من دمشق، فسارعوا أيضًا إلى حمل ذلك كله، وتدافعوا عنده حتى خلص المال جميعه، فلما كمل ذلك ألزمهم أن يخرجوا إليه جميع ما في البلد من السلاح: جليلِها وحقيرِها، فتتبعوا ذلك وأخرجوه له حتى لم يبقَ بها من السلاح شيءٌ، فلما فرغ ذلك كله قبض على ابن مفلح ورفقته، وألزمهم أن يكتبوا له جميعَ خِطَط دمشق وحاراتها وسككها، فكتبوا فلكًا ودفعوه إليه، ففرقه على أمرائه، وقسم البلد بينهم، فساروا إليها بمماليكهم وحواشيهم، ونزل كل أمير في قسمه، وطلب من فيه، وطالبهم بالأموال، فحينئذ حلَّ بأهل دمشق من البلاء ما لا يوصف، وأجرى عليهم أنواع العذاب من الضرب والعصر والإحراق بالنار، والتعليق منكوسًا، وغم الأنف بخرقة فيها تراب ناعم، كلما تنفَّس دخل في أنفه حتى تكاد نفسُه تُزهَق؛ فكان الرجل إذا أشرف على الهلاك يخلَّى عنه حتى يستريح، ثم تعاد عليه العقوبة أنواعًا، فكان المعاقَبُ يحسُدُ رفيقَه الذي هلك تحت العقوبة على الموت، ويقول: ليتني أموت وأستريح مما أنا فيه! ومع هذا تؤخذ نساؤه وبناته وأولاده الذكور، وتُقَسَّم جميعهم على أصحاب ذلك الأمير، فيشاهد الرجل المعذَّب امرأته أو بنته وهي توطأ، وولده وهو يلاطُ به، فيصرخ هو من ألم العذاب، والبنت والولد يصرخان من إزالة البكارة واللواط!! وكل ذلك من غير تستُّر في النهار بحضرة الملأ من الناس، ورأى أهل دمشق أنواعًا من العذاب لم يُسمَع بمثلها، واستمرَّ هذا البلاء والعذاب بأهل دمشق تسعة عشر يومًا، آخرها يوم الثلاثاء ثامن عشرين شهر رجب، فهلك في هذه المدة بدمشق بالعقوبة والجوع خلق لا يعلم عددَهم إلا الله تعالى، فلما علم أمراء تيمورلنك أنه لم يبق بالمدينة شيء، خرجوا إلى تيمورلنك فسألهم هل بقي لكم تعلُّق في دمشق؟ فقالوا: لا، فأنعم عند ذلك بمدينة دمشق أتباع الأمراء، فدخلوها يوم الأربعاء آخر رجب، ومعهم سيوف مسلولة مشهورة وهم مشاة، فنهبوا ما قدروا عليه من آلات الحرب وغيرها، وسبَوا نساء دمشق وساقوا الأولاد والرجال، وتركوا من الصغار مَن عُمُره خمس سنين فما دونها، وساقوا الجميعَ مربوطين في الحبال، ثم طرحوا النار في المنازل والدور والمساجد، وكان يومًا عاصف الريح، فعم الحريقُ جميع البلد حتى صار لهيب النار يكاد أن يرتفع إلى السحاب، وعملت النار في البلد ثلاثة أيام بلياليها آخرها يوم الجمعة، وكان تيمورلنك -لعنه الله- سار من دمشق في يوم السبت ثالث شهر شعبان بعدما أقام على دمشق ثمانين يومًا، وقد احترقت كلها وسقطت سقوف جامع بني أمية من الحريق، وزالت أبوابه وتفطَّر رخامه، ولم يبق غيرُ جُدُرِه قائمة، وذهبت مساجد دمشق ودورها وقياسرها وحماماتها وصارت أطلالًا بالية ورسومًا خالية، ولم يبقَ بها دابة تدب إلا أطفال يتجاوز عددهم آلاف، فيهم من مات، وفيهم من سيموت من الجوع!!
#3231
العام الهجري :803الشهر القمري : ذي الحجةالعام الميلادي :1401
تيمورلنك يدخل بغداد ويقتل أهلها ويخربها .
كان رحيل تيمورلنك عن دمشق في يوم السبت ثالث شعبان من هذه السنة واجتاز على حلب وفعل بها ما قدر عليه ثانيًا، ثم سار منها حتى نزل على ماردين يوم الاثنين عاشر شهر رمضان من السنة، ووقع له بها أمور، ثم رحل عنها، وأوهم أنه يريد سمرقند، يورِّي بذلك عن بغداد، وكان السلطان أحمد بن أويس قد استناب ببغداد أميرًا يقال له فرج، وتوجَّه هو وقرا يوسف نحو بلاد الروم، فندب تيمور على حين غفلة أمير زاده رستم ومعه عشرون ألفًا لأخذِ بغداد، ثم تبعه بمن بقي معه ونزل على بغداد، وحصرها حتى أخذها عنوةً في يوم عيد النحر من السنة، ووضع السيف في أهل بغداد، لما استولى على بغداد ألزم جميعَ من معه أن يأتيَه كل واحد منهم برأسين من رؤوس أهل بغداد؛ فوقع القتل في أهل بغداد وأعمالها، حتى سالت الدماء أنهارًا، حتى أتوه بما أراد، فبنى من هذه الرؤوس مائة وعشرين مِئذنة، فكانت عدة من قُتِل في هذا اليوم من أهل بغداد تقريبًا مائة ألف إنسان, وقيل: تسعين ألف إنسان، وهذا سوى من قُتِل في أيام الحصار، وسوى من قُتِل في يوم دخول تيمور إلى بغداد، وسوى من ألقى نفسَه في نهر دجلة فغرق، وهو أكثر من ذلك! قال: وكان الرجل المرسوم له بإحضار رأسين إذا عجز عن رأس رجل قطع رأس امرأةٍ من النساء وأزال شعرَها وأحضرها، قال: وكان بعضُهم يقِفُ بالطرقات ويصطاد من مَرَّ به ويقطع رأسَه، ثم رحل تيمور عن بغداد وسار حتى نزل قراباغ بعد أن جعلها دكًّا خرابًا.
#3232
العام الهجري :804العام الميلادي :1401
الصلح بين تيمورلنك والسلطان فرج بن برقوق .
بعد أن تمَّ للمغول بقيادة تيمورلنك تدميرُ مدن الشام، أرسل تهديداتِه للسلطان فرج بن برقوق سلطان المماليك في مصر، وكان قد أسر أميرًا من المغول يدعى (أطلمس) فطالب تيمورلنك بإطلاق سراحه فورًا، وإلا فسيزحف المغول على مصر ويرفعون راياتهم على ربوعها. وقد أذعن السلطان فرج لهذه التهديدات، وأطلق سراح أطلمس وعقد صلحًا مع تيمورلنك يتعهد فيه السلطان فرج بطاعة تيمورلنك والدعوة باسمه في مساجد مصر، وقد أدى هذا الصلح المُهين إلى ذهاب حرمة دولة المماليك، واختفاء احترام الأمراء والعامة للسلطان فرج، فلم تمضِ سنوات ثلاث حتى عُزل. والواقِعُ أن هزائم دولة المماليك الثانية في عهد فرج بن برقوق تعتبر أقسى الهزائم التي تعرض لها المسلمون في تلك الفترة؛ بسبب تصارع المماليك المتعصبين لأصولهم العِرْقية.
#3233
العام الهجري :804الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :1401
نائب الشام تغري بردي يعصي على السلطان وينضم له نائب حلب .
كان قد رُسِم لتغري بردي بنيابة دمشق، ثم في محرم سنة 804 كتب الأمراء بمصر لأمراء دمشق بالقبض على الأمير تغري بردي، فكَتَب له بذلك بعضُ أعيان أمراء مصر، فسبق كتابُه كتابَ الأمراء، فركب من دار السعادة بدمشق في نفرٍ من مماليكه في ليلة الجمعة ثاني عشرين المحرم وخرج إلى حلب، فتعيَّن لنيابة دمشق عوضًا عنه الأمير آقبغا الجمالي الأطروش أتابك دمشق، وكتب بانتقال دقماق نائب صفد إلى نيابة حلب عوضًا عن دمرداش المحمدي بحُكم عصيانه وانضمامه إلى تغري بردي لَمَّا قدم عليه من دمشق، واستقر الأمير تمربغا المنجكي في نيابة صفد عوضًا عن دقماق، وأما تغري بردي فإنه لما سار إلى حلب وجد الأمير دمرداش نائب حلب قد قبض على الأمير خليل بن قراجا بن دلغادر أمير التركمان، فأمره تغري بردي بإطلاقه، فأطلقه، واتفق الجميعُ على الخروج عن طاعة السلطان بسبب مَن حوله من الأمراء، واجتمع عليهم خلائِقُ من التركمان وغيرهم؛ فإن دقماق جمع جموعَه من العساكر والتركمان لقتال تغري بردي ودمرداش نائب حلب، وسار إلى جهة حلب، فخرج إليه تغري بردي وعلى مقدمته دمرداش، وصدموه صدمة واحدة انكسر فيها بجموعه وولَّوا الأدبار، ونهب ما معهم، وعاد دقماق منهزمًا إلى دمشق، واستنجد بنائبها الأمير آقبغا الجمالي الأطروش، وكتب أيضًا دقماق لجميع نواب البلاد الشامية بالحضور والقيام بنصرة السلطان، وجمع من التركمان والعربان جمعًا كبيرًا، وخرج معه غالب العساكر الشامية، وعاد إلى جهة حلب بعساكر عظيمة، وتغري بردي ودمرداش في مماليكهم لا غير، مع جدب البلاد الحلبية، وخراب قراها؛ فإنه كان عقيب توجه تيمورلنك بسنة واحدة وأشهر، فلما قارب دقماق بعساكره حلب أشار دمرداش على تغري بردي بالتوجه إلى بلاد التركمان من غير قتال، فقال تغري بردي: لا بد من قتالنا معه، فإن انتصرنا وإلا توجهنا إلى بلاد التركمان بحقٍّ، فبرزا لدقماق بمماليكهما، وقد صفَّ دقماق عساكره، واقتتلا قتالًا شديدًا، وثبت كل من الفريقين، وقد أشرف دقماق على الهزيمة، وبينما هو في ذلك خرج من عسكر تغري بردي ودمرداش جماعة إلى دقماق، فانكسرت عند ذلك الميمنة، ثم انهزم الجميع إلى نحو بلاد التركمان، فلم يتبعهم أحد من عساكر دقماق، وملك دقماق حلب، واستمر تغري بردي ودمرداش ببلاد التركمان، وكانت الأخبار وردت بجمع التركمان ونزولهم مع دمرداش إلى حلب، وأن دقماق نائب حلب اجتمع معه نائب حماة والأمير نعير، ثم في السنة التالية في محرم قدم تغري بردي إلى دمشق بأمان كان كُتِبَ له من قِبَل السلطان مع كُتُب جميع الأمراء، وقد فارق دمرداش ورغب في الطاعة، ثم انتقل منها إلى مصر فوصلها في آخر الشهر.
#3234
العام الهجري :804الشهر القمري : صفرالعام الميلادي :1401
مراكب للفرنج تهاجم شاطئ طرابلس .
قَدِمَ إلى طرابلس يوم الاثنين العاشر من صفر مركب فيه عدةٌ من الفرنج، فخرج الناسُ لحربهم، وكان بالميناء مراكِبُ لتجَّار الفرنج، فاجتمعوا على مراكب المسلمين التي قد شُحِنَت بالبضائع لتسيرَ إلى أرض، وأخذوا منها مركبين فيهما مال كبير، وأسروا خمسة وثمانين مسلمًا بعدما قاتلوا قتالًا شديدًا وغرق جماعةٌ وفرَّ جماعة، وأصبحوا من الغدِ على الحرب، فوقع الاتفاقُ على فكاك من أسروه بمالٍ يُحمَلُ إليهم، فلما حُمِل إليهم بعضُ المال أسروا الرجلَ، ومضوا في ليلة الخميس الخامس عشر، ونزلوا على قرية هناك فقاتلهم أميرُها، وقبضهم وجاء بهم إلى طرابلس، فسُجِنوا، وأخذ المسلمون مركَبَهم.
#3235
العام الهجري :804الشهر القمري : ربيع الأولالعام الميلادي :1401
وفاة سراج الدين ابن الملقن .
هو سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المشهور بابن الملقِّن، ولد بالقاهرة سنة 723 عُرِفَ ابن الملقن؛ لأن الذي كفَلَه بعد وفاة أبيه مُلَقِّن القرآن في الجامع الطولوني بالقاهرة، فعُرِفَ به، فصار يقال: ابنُ المُلَقِّن، وكان هو زوجَ أمِّه، وهو الذي ربَّاه، فأصبح من كبار علماء الحديث والفقه الشافعي، فتولى قضاء الشافعية، ثم التدريس والإفتاء، له مصنفات عديدة؛ منها: إكمال تهذيب الكمال، وله البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، وله تحفة المحتاج في أدلة المنهاج، وله التذكرة في علوم الحديث، وله طبقات الأولياء، وله الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، وله غاية السول في خصائص الرسول، وغيرها كثير، وكانت له مكتبة عامرة، ولكنها احترقت؛ فأصابه بسبب ذلك ذهولٌ فحَجَبه ابنُه حتى توفِّي عن 81 عامًا.
#3236
العام الهجري :804الشهر القمري : شوالالعام الميلادي :1402
الفتنة بين الأمراء في مصر وقتالهم بين بعضهم .
كثُرَ تنافرُ الأمراء واختلافهم، وانقطع نوروز، وجكم الجركسي الظاهري، وقنباي، عن الخدمة، ودخل شهر رمضان وانقضى، فلم يحضروا للهناء بالعيد، ولا صلَّوا صلاة العيد مع السلطان، فلما كان يوم الجمعة ثاني شوال ركبوا للحرب، فنزل السلطان من القصر إلى الإسطبل عند سودن طاز، وركب نوروز وجكم وقنباي، وقرقماس الرماح، ووقعت الحربُ من بكرة النهار إلى العصر، ورأس الأمراءَ نوروز وجكم، وخصمهم سودن طاز، فلما كان آخر النهار بعث السلطان بالخليفةِ المتوكل على الله وقضاة القضاة الأربع إلى الأمير الكبير نوروز في طلب الصلح، فلم يجد بدًّا من ذلك، وترك القتال، وخلع عنه آلة الحرب، فكفَّ الأمير جكم الدوادار أيضًا عن الحرب، وعد ذلك مكيدةً من سودن طاز، فإنه خاف أن يغلِبَ ويُسَلِّمَه السلطان إلى الأمراء، فأشار عليه بذلك حتى فعله، فتمَّت مكيدته بعدما كاد أن يؤخذ؛ لقوة نوروز وجكم عليه، وبات الناس في هدوء، فلما كان يوم السبت الغد ركب الخليفة وشيخ الإسلام البلقيني، وحلَّفوا الأمراء بالسمع والطاعة للسلطان، وإخماد الفتنة، فطلع الأمير نوروز إلى الخدمة في يوم الاثنين خامسه، وخُلِعَ عليه، وأُركِبَ فرسًا خاصًّا بسرج، وكنفوش ذهب، وطلع الأمير جكم في ثامنه وهو خائف، ولم يطلع قنباي، ولا قرقماس، وطُلِبا فلم يُوجَدا، وجُهِّز إليهما خلعتان، على أن يكون قنباي نائبًا بحماة، وقرقماس حاجبًا بدمشق، ونزل جكم بغير خِلعة حنقًا وغضبًا، فما هو إلا أن استقر في داره، ونزل إليه سرماش رأس نوبة، وبشباي الحاجب بطلب قنباي، ظنًّا أنه اختفى ليلبس الخلعة بنيابة حماة، فأنكر أن يكون عنده وصرفهما، وركب من ليلته بمن معه من الأمراء والمماليك وأعيانهم قمش الخاصكي الخازندار، ويشبك الساقي، ويشبك العثماني، وألطبغا جاموس، وجانباي الطيبي، وبرسبغا الدوادار، وطرباي الدوادار، وصاروا كلهم على بركة الحبش خارج مصر، ولحق به الأمير قنباي، وقرقماس الرماح، وأرغز، وغنجق، ونحو الخمسمائة من مماليك السلطان، وأقاموا إلى ليلة السبت عاشره، فأتاهم الأمير نوروز، والأمير سودن من زاده رأس نوبة، والأمير تمربغا المشطوب، في نحو الألفين، فسُرَّ بهم، وأقاموا جميعًا إلى ليلة الأربعاء، وأمرُهم يزيد ويقوى بمن يأتيهم من الأمراء والمماليك، فنزل السلطان من القصر في ليلة الأربعاء الرابع عشر إلى الإسطبل عند سودن طاز، وركب بكرةَ يوم الأربعاء فيمن معه، وسار من باب القرافة بعد ما نادى بالعرض، واجتمع إليه العسكر كله، وواقع جكم ونوروز، وكسرهما، وأسَرَ تمربغا المشطوب، وسودن من زاده، وعلى بن أينال، وأرغر، وفرَّ نوروز وجكم في عدة كبيرة يريدون بلاد الصعيد، وعاد السلطان ومعه الأمير سودن طاز إلى القلعة مُظفَّرًا منصورًا، وبعث بالأمراء المأسورين إلى الإسكندرية في ليلة السبت السابع عشر، وانتهى نوروز وجكم إلى منية القائد وعادوا إلى طموه، ونزلوا على ناحية منبابه من بر الجيزة تجاه القاهرة، فمنع السلطان المراكبَ أن تعديَ بأحدٍ منهم في النيل، وطلب الأمير يشبك الشعباني من الإسكندرية، فقدم يوم الاثنين التاسع عشر إلى قلعة الجبل، ومعه عالم كبير ممن خرج إلى لقائه، فباس الأرض ونزل إلى داره، وفي ليلة الثلاثاء عِشرينه: ركب الأمير نوروز نصف الليل، وعدى النيل، وحضر إلى بيت الأمير الكبير بيبرس الأتابك، وكان قد تحدَّث هو والأمير إينال باي بن قجماس له مع السلطان، حتى أمنه ووعده بنيابة دمشق، وكان ذلك من مكر سودن طاز، فمشى ذلك عليه، حتى حضر فاختلَّ عند ذلك أمر جكم وتفرَّق عنه من معه، وفرَّ عنه قنباي وصار فريدًا، فكتب إلى الأمير بيبرس الأتابك يستأذنه في الحضور، فبعث إليه الأمير أزبك الأشقر رأس نوبة، والأمير بشباي الحاجب، وقدما به ليلة الأربعاء في الحادي والعشرين إلى باب السلسلة من الإسطبل السلطاني، فتسلَّمه عدوه الأمير سودن طاز وأصبح وقد حضر يشبك وسائر الأمراء للسلام عليه، فلما كانت ليلة الخميس الثاني والعشرين قُيِّدَ وحمل في الحراقة -سفينة- إلى الإسكندرية، فسُجِن بها حيث كان الأمير يشبك مسجونًا، وفي يوم الخميس هذا خرج المحمَلُ وأمير الحاج نكباي الأزدمري، أحد أمراء الطبلخاناه، وكان قد ألبس الأمير نوروز تشريف نيابة دمشق في بيت الأمير بيبرس يوم الأربعاء، فقُبِض عليه من الغد يوم الخميس، وحُمل إلى باب السلسلة، وقُيِّد وأخرج في ليلة الجمعة الثالث والعشرين إلى الإسكندرية، فسُجِن بها أيضًا، وغضب الأميران بيبرس وإينال باي، وتركا الخدمة السلطانية أيامًا، ثم أُرضيا، واختفى الأميران قانباي وقرقماس، فلم يُعرَف خبرهما.
#3237
العام الهجري :804الشهر القمري : ذي الحجةالعام الميلادي :1402
معركة أنقرة وأسر تيمورلنك السلطان بايزيد الأول .
بعد أن رحل تيمورلنك من بغداد كتب إلى بايزيد الأول صاحب الروم أن يخرجَ السلطان أحمد بن أويس وقرا يوسف من ممالك الروم وإلا قصده وأنزل به ما نزل بغيره، فردَّ بايزيد جوابه بلفظ خَشِنٍ إلى الغاية، فسار تيمور إلى نحوه، فجمع بايزيد الأولُ عساكرَه من المسلمين والنصارى وطوائف التتر، فلما تكامل جيشُه سار لحربه، فأرسل تيمور قبل وصوله إلى التتار الذين مع بايزيد الأول يقول لهم: نحن جنسٌ واحد، وهؤلاء تركمان ندفعُهم من بيننا، ويكون لكم الرومُ عِوَضَهم، فانخدعوا له وواعدوه أنهم عند اللقاء يكونون معه، وسار بايزيد الأول بعساكِرِه على أنه يلقى تيمور خارج سيواس، ويردُّه عن عبور أرض الروم، فسلك تيمور غير طريق بايزيد واختار الطريق الأطول، ومشى في أرض غير مسلوكة، ودخل بلاد بايزيد، ونزل بمعسكر بايزيد الأول بالقرب من أنقرة وضرب الحصار حولها, فلم يشعر بايزيد إلا وقد نُهِبت بلاده، فقامت قيامته وكرَّ راجعًا، وقد بلغ منه ومن عسكره التعبُ مبلغًا أوهَنَ قواهم، وكلَّت خيولهم، ونزل على غير ماء، فكادت عساكره أن تهلك، فلما تدانوا للحرب كان أول بلاء نزل ببايزيد مخامرة التتار بأسْرِها عليه، فضَعُفَ بذلك عسكره؛ لأنهم كانوا معظمَ عسكره، ثم تلاهم ولدُه سليمان ورجع عن أبيه عائدًا إلى مدينة بورصا بباقي عسكرِه، فلم يبقَ مع بايزيد إلا نحو خمسة آلاف فارس، فثبت بهم حتى أحاطت به عساكر تيمورلنك فالتَقَوا في معركة عُرِفت بمعركة أنقرة في ذي الحجة 804 (1402م) واستمر القتال بينهم من ضحى يوم الأربعاء إلى العصر، فصدمهم جيش بايزيد صدمة هائلة بالسيوف والأطبار حتى أفنوا من التمرية أضعافهم، فكفَّت عساكر بايزيد، وتكاثر التمرية عليهم يضربونهم بالسيوف لقلَّتهم وكثرة التمرية، فكان الواحد من العثمانية يقاتله العشرة من التمرية، إلى أن صُرِعَ منهم أكثرُ أبطالهم، وأُخِذَ بايزيد الأول أسيرًا قبضًا باليدِ على نحو ميل من مدينة أنقرة، في يوم الأربعاء سابع عشرين ذي الحجة بعد أن قُتِل غالب عسكره بالعطش، وصار تيمور يوقَف بين يديه في كل يوم السلطان بايزيد ويسخر منه ويُنكيه بالكلام، وجلس تيمور مرةً لمعاقرة الخمر مع أصحابه وطلب بايزيد طلبًا مزعجًا، فحضر وهو يرسُفُ في قيوده وهو يرجف، فأجلسه بين يديه وأخذ يحادثه، ثم وقف تيمور وسقاه من يد جواريه اللاتي أسرهن تيمور، ثم أعاده إلى محبسه، وأما أمر سليمان بن السلطان بايزيد الأول، فإنه جمع المال الذي كان بمدينة بورصا، وجميع ما كان فيها ورحل إلى أدرنة وتلاحق به الناس، وصالح أهل استانبول، فبعث تيمورلنك فرقةً كبيرة من عساكره صحبة الأمير شيخ نور الدين إلى بورصا فأخذوا ما وجدوا بها، ثم تبعهم هو أيضًا بعساكره، ثم أفرج تيمور عن محمد وعلي أولاد ابن قرمان من حبس السلطان بايزيد، وخلع عليهما وولَّاهما بلادهما، وألزم كلَّ واحد منهما بإقامة الخطبة، وضَرْب السكة باسمه واسم السلطان محمود خان المدعو صرغتمش، ثم شتا في معاملة منتشا وعمل الحيلة في قتل التتار الذين أتوه من عسكر بايزيد حتى أفناهم عن آخرِهم، وأما السلطان بايزيد فإنه استمر في أسر تيمورلنك من ذي الحجة سنة أربع إلى أن مات بكربته وقيوده في أيام من ذي القعدة سنة 805.
#3238
العام الهجري :805العام الميلادي :1402
طاهر بن أحمد يثور على أبيه سلطان بغداد .
ثار على السلطان أحمد بن أويس ولدُه طاهر وحارَبَه، ففرَّ من الحلة إلى بغداد فأَخَذَ وديعة له كانت بها، فهجم عليه طاهر وأخذ منه المال، ففرَّ أحمد من ابنه، وأتاه قرا يوسف بطلبه له وأعانه على ابنه، وحاربه معه، ففرَّ طاهر فاقتحم بفرسه دجلة فغرق بها، ولحِقَ بربِّه.
#3239
العام الهجري :805الشهر القمري : شعبانالعام الميلادي :1403
وفاة السلطان العثماني بايزيد الأول .
هو السلطان بايزيد الأول بن مراد الأول بن أورخان غازي بن الغازي عثمان بن أرطغرل الملقب بيلدرم -أي الصاعقة- نظرًا لحركته السريعة بجيوشه وتنقُّلِه بين عدة جهات بمنتهى السرعة. كانت ولادته سنة 761 (1360م) وكان هو الابن البكر لمراد الأول، فاتفق أركان الدولة على توليته بعد مقتل والده مراد الأول سنة 791 على يد أحد جرحى الصرب في أعقاب معركة قوصوة. قَتَل أخاه يعقوب الأصغر منه بقليل والمتصف بالشجاعة والإقدام وعلو الهمة، فخاف على المملكة منه من أن يدَّعي الملك ويرتكن على أن الملك انتقل إلى السلطان أورخان بعد وفاة أبيه السلطان عثمان ولم يتولَّ بعده ابنه البكر علاء الدين؛ ولذلك قُتِل باتفاق أمراء الدولة وقواد جيوشها, وقيل: إن قتله كان بناء على فتوى شرعية أفتى بها علماء ذلك الزمان منعًا لحصول الفتنة بناء على قوله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ}. وابتدأ السلطان بايزيد الأول أعماله بأن ولى الأمير أسطفن بن لازار ملك الصرب حاكمًا عليها وتزوج أخته أوليفيرا وأجازه بأن يحكم بلاده على حسب قوانينهم بشرط دفع جزية معينة وتقديم عدد معين من الجنود ينضمون إلى الجيوش الشاهانية وقت الحرب، وفعل ذلك ولم يضم بلاد الصرب إلى أملاكه ويجعلها ولاية كباقي الولايات ليسكن بال الصربيين حتى لا يكونوا شغلًا شاغلًا له؛ نظرًا لحبهم الاستقلال، ولما ساد الأمن في أوروبا قصد بلاد آسيا وفتح مدينة آلاشهر المعروفة عند الإفرنج باسم فيلادلفيا سنة 1391م، وهي آخر مدينة بقيت للروم في آسيا, وتنازل الأمير علاء الدين حاكم بلاد القرمان للسلطان عن جزء عظيم من أملاكه ليؤمِّنَه على الباقي, وبعد هذه الفتوحات التي تم أغلبها بدون حرب عاد السلطان إلى أوروبا وحارب أمانويل باليولوج ملك الروم وحاصره في القسطنطينية وضيق عليها الحصار ثم ترك حولها جيشًا جرارًا وسافر لغزو بلاد الفلاخ، فقهر أميرها وأكرهه على التوقيع على معاهدة يعترف فيها بسيادة الدولة العلية العثمانية على بلاده ويتعهد لها بدفع جزية سنوية، وتم ذلك في سنة 1393م, وفي أثناء اشتغال السلطان بمحاربة الفلاخ أراد علاء الدين أمير القرمان ان يسترد ما تنازل عنه للدولة العلية، فهاجم مدينة أنقره، فلما بلغ خبره السلطان بايزيد قام بنفسه إلى بلاد الأناضول وجدَّ في طلب علاء الدين حتى تقابل الجيشان فهزمه السلطان وأسره هو وولديه محمد وعلي، وضم ما بقي من أملاكه إليه وبذلك انمحت سلطنة القرمان وصارت ولاية عثمانية، ثم فتحت أمارات سيواس وتوقات, وبذا لم يبق من الإمارات التي قامت على أطلال دولة آل سلجوق إلا إمارة قسطموني خارجة عن أملاك الدولة العثمانية، وكان أميرها يسمى بايزيد أيضًا، فسار إليه السلطان بايزيد بنفسه وأغار على بلاده وفتح مدائن ساسون وجانك وعثمانجق، وبذلك انقرضت جميع الإمارات الصغيرة القائمة ببلاد الأناضول، أما بايزيد صاحب قسطموني فلجأ إلى تيمورلنك سلطان المغول يحثه على غزو بايزيد, ومع استمرار الحصار حول القسطنطينية ضم السلطان بلاد البلغار إلى الأملاك العثمانية فصارت ولاية عثمانية كباقي الولايات بعد أن قتل أميرها سيسمان وأسلم ابنه وعين حاكمًا لسمسون سنة 1394م, وقَعَ بايزيد الأول في أسر تيمورلنك بعد معركة أنقرة فبقي في الأسر مهانًا, وقد حاول الفرار أكثر من مرة، لكن الحراسة المشددة أفشلت كل ذلك، فأصبح في ضيق شديد إلى أن توفي في الخامس عشر من شعبان من هذه السنة، وسمح تيمورلنك بنقل جثته لتُدفَن في بورصا، فكانت مدة ملكه قرابة التسع سنين، ويُذكَر أن أولاده محمد وعيسى وسليمان كانوا ممن استطاعوا الفرار من جيش تيمورلنك، أما ابنه موسى فأُسِرَ مع أبيه بايزيد، وأما مصطفى بن يزيد فقد اختفى فلم يُعرَف له خبر.
#3240
العام الهجري :805الشهر القمري : ذي القعدةالعام الميلادي :1403
وفاة شيخ الإسلام العلامة سراج الدين البلقيني الشافعي .
هو الإمام العلامة شيخ الإسلام مجتهد العصر نادرة الوقت فقيه الدنيا وخاتمة المجتهدين: سراج الدين أبو حفص عمر بن رسلان بن نصير بن صالح -وصالح أول من سكن بلقينة- بن شهاب بن عبد الخالق بن عبد الحق بن مسافر بن محمد الكناني البلقيني الشافعي، وُلِد في ليلة الجمعة ثاني عشر شعبان 724 ببلقينة، وهي قرية في المحلة الكبرى بطنطا. حفظ القرآن وهو في السابعة من عمره. حفظ المحرر في الفقه، والكافية لابن مالك في النحو، ومختصر ابن الحاجب في الأصول، والشاطبية في القراءات. أقدمه أبوه إلى القاهرة وله اثنتا عشرة سنة، وأجاز له من دمشق الحافظ أبو الحجاج المزِّي، والحافظ الذهبي، وطلب العلم واشتغل على علماء عصره، وتفقَّه بجماعة كثيرة، وبرع في الفقه وأصوله، والعربية والتفسير، وغير ذلك، وأفتى ودرس سنين، وانفرد في أواخر عمره برئاسة مذهبه، وولي إفتاء دار العدل، ودرس بزاوية الشافعي المعروفة بالخشابية من جامع عمرو بن العاص، وولي قضاء دمشق عوضًا عن تاج الدين عبد الوهاب السُّبكي، فباشر مدة يسيرة، ثم تركه وعاد إلى مصر واستمرَّ بمصر يقرئ ويشتغل ويفتي بقية عمره، له مصنفات؛ منها: تصحيح المنهاج، ومحاسن الاصطلاح، وترجمان شعب الإيمان، وغيرها. توفي في يوم الجمعة عاشر ذي القعدة، وصُلي عليه بجامع الحاكم، ثم دُفِن بمدرسته التي أنشأها تجاه داره بحارة بهاء الدين قراقوش من القاهرة.