العام الهجري :753الشهر القمري : ربيع الأولالعام الميلادي :1352
استيلاء بني مرين على تلمسان .
استولى أبو عنان فارس المتوكِّل المريني على تلمسان حاضرة بني عبد الواد، وذلك بعد معركةٍ جَرَت بينه وبين السلطانِ أبي سعيد عثمان الثاني سلطان بني زيان، وكان من نتائِجِ هذه المعركة أسْرُ أبي سعيد ثم قتله بعد ذلك، ثم استولى أبو عنان على بجاية أيضًا.
#3050
العام الهجري :753الشهر القمري : رجبالعام الميلادي :1352
خروج بيبغا روس نائب حلب عن طاعة السلطان وتسلطنه بحلب .
اتفَقَ الأمير بيبغا روس نائِبُ حلب مع الأمير أحمد الساقي نائب حماة، والأمير بكلمش نائب طرابلس على العصيان، فجُرِّدَ في يوم السبت سابع عشر رجب جماعةٌ من الأمراء وأجناد الحلقة إلى الصعيد، منهم عمر شاه الحاجب، وقماري الحاجب، ومحمد بن بكتمر الحاجب، وشعبان قريب يلبغا، وكتب لبيبغا روس نائب حلب بالحضور إلى مصر، على يَدِ سنقر وطيدمر من مماليك الحاج أرقطاي، وكتب معهما ملطفات لأمراء حلب تتضَمَّنُ أنَّه إن امتنع عن الحضور فهو معزولٌ، ورسم لهما أن يُعلِمَا بيبغا بذلك أيضًا مُشافهةً بحَضرةِ الأمراء، فقَدِمَ البريد من دمشق، بموافقة ابنِ دلغادر لبيبغا روس، وأنه تسلطن بحلب، وتلَقَّبَ بالملك العادل، وأظهر أنَّه يريد مصر لأخذِ غُرَمائِه، وهم طاز وشيخو وصرغتمش وبزلار وأرغون الكاملي نائب الشام، ثم قَدِمَ البريد بأن قراجا بن دلغادر قَدِمَ حَلَب في جمع كبير من التركمان، فركب بيبغا روس وقد واعد نائِبَ حماة ونائب طرابلس على مسيرة أول شعبان، وأنَّهم تلقوه بعساكرهم على الدستن، فركب الأمير أرقطاى الدوادار الكبير البريد، بملطفاتٍ لجميع أمراء حلب وحماة ونائب طرابلس، فقَدِمَ دمشق وبعث بالملطفات لأصحابِها، فوجد أمر بيبغا روس قد قَويَ، ووافقه النواب والعساكر والأمير زين الدين قراجا بن دلغادر تركمانه وكسابته، وجبار بن مهنا بعُربانه، فكتب الأمير أرغون الكاملي نائب الشامِ بأنَّ سَفَر السُّلطانِ لا بُدَّ منه، "وإلا خرح عنكم جميعُه"، فاتفق رأي الأمراء على ذلك، وخرج الأمير طاز في يوم الخميس ثالث شعبان، ومعه الأميرُ بزلار، والأمير كلتاي أخو طاز، وفارس الدين ألبكي، ثمَّ خرج الأمير طيبغا المجدي وابن أرغون النائب، ثمَّ إنَّ بيبغا روس حاول أخْذَ دمشق وحاصرها واشتَدَّ الأمر على أهل دمشق وامتنعوا عليه، فأمر بنهب البلد من الضياع والبساتينِ، ثم إن عسكر مصر بقيادة طاز وصل إلى دمشقَ فهرب بيبغا إلى حلب، ثم لجأ منها إلى ابن دلغادر ذو القدر أمير ألبستان وملاطية، ولكِنْ لم يلبَثْ الأمر كثيرًا حتى كان القبضُ عليه ومن معه من أعوانِه ثمَّ تمَّ قَتلُه بعد ذلك في السنة التالية بحَلَب؛ حيث سلَّمَه الأمير ابن دلغادر إلى نائب حلب الجديد أرغون الكاملي بعد أن حَلَفَ له الأخيرُ أنه لا يحارِبُه، ثمَّ يوم الاثنين ثامن عشر ذي الحجة قدم البريدُ مِن حَلَب بأخذ أحمد الساقي نائب حماة، وبكلمش نائب طرابلس، من عند ابن دلغادر، وقد قبَضَهما، فدخلا حلب في الحادي عشر، وسُجِنا بقلعَتِها، فأجيب الأميرُ أرغون الكاملي نائب حلب بالشكر والثناء، وأنَّه يشهر المذكورين بحلب، ويقتُلُهما، وجَهَّزَ لنائب حلب خِلعةً.
#3051
العام الهجري :753الشهر القمري : ذي الحجةالعام الميلادي :1353
وفاة الخليفة العباسي الحاكم بأمر الله وتولية أخيه أبي بكر المعتضد .
الحاكِمُ بأمر الله أبو العباس أحمد بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد الهاشمي العباسي، كان بويِعَ بالخلافة بعد وفاةِ والده بقوص في العشرين من شعبان سنة 741، فلم يُمضِ له السُّلطانُ المَلِكُ الناصر محمد بن قلاوون ما عَهِدَه أبوه؛ لِما كان في نفسِه من والده المستكفي بالله مِن مَيلِه للمَلِكِ المظَفَّر بيبرس الجاشنكير، وأراد أن يولِّيَ الخلافة لبعض أقارِبِه، بل أحضَرَه وخَلَع عليه، ثمَّ مات المَلِكُ الناصر بعد ذلك بمُدَّة يسيرة، فتَمَّت بموتِه خلافةُ الحاكِمِ هذا إلى أن مات في هذه السَّنةِ بسَبَبِ الطاعونِ، والمتولِّي يومئذ لأمور الدِّيار المصرية الأميرُ شيخون والأمير طاز والأمير صرغتمش ونائب السلطنة الأمير قبلاي، والسُّلطان الملك الصالح، وكان الحاكِمُ مات ولم يَعهَدْ بالخلافة لأحد، فجَمَع الأمراءُ القُضاةَ، وطُلِب جماعةٌ من بني العباس، حتى وقع الاختيارُ على أبي بكر بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان فبايعوه ولقَّبوه بالمُعتَضِد بالله، فكانت مُدَّةُ خلافة الحاكم بأمر الله قرابة العَشرِ سنوات ونصف.
#3052
العام الهجري :754الشهر القمري : ربيع الأولالعام الميلادي :1353
خروج قراجا بن دلغادر أمير ألبستان عن طاعة السلطان ثم قتاله .
خرج عن الطاعةِ قراجا بن دلغادر أمير ألبستان وكان ممن ساعد الأمير بيبغا روس نائب حلب على الخروج أولًا ثمَّ سَلَّمه بنفسِه، وكان نائب حلب الجديد أرغوان الكاملي قد حلف له أنَّه لا يقاتِلُه إن سَلَّم له بيبغا، فلما طلب من أرغون المسيرَ إلى قراجا للقضاء عليه لعصيانِه امتنع واعتذر بأنَّه حلف له ألَّا يُقاتِلَه، ثم ألزم الأمير أرغون الكاملي نائِبَ حلب حتى سار لحرب ابن دلغادر وأتاه نوابُ القلاع حتى صار في عشرة آلاف فارس، سوى الرَّجَّالة والتركمان، ونزل الأميرُ أرغون الكاملي على الأبلستين، فنهبها وهدمها، وتوجَّه إلى قراجا بن دلغادر، وقد امتنع بجبلٍ عالٍ، فقاتلوه عشرين يومًا، فقُتِلَ فيها وجُرِحَ عدد كثير من الفريقين، فلما طال الأمرُ نزل إليهم قراجا بن دلغادر، وقاتَلَهم صدرًا من النهار قتالًا شديدًا، فاستمَرَّ القتل في تركمانه، وانهزم إلى جهة الروم، فأُخِذَت أمواله ومواشيه، وصَعِدَ العسكر إلى جبل، فوجدوا فيه من الأغنام والأبقار ما لا يكاد ينحَصِرُ، فاحتووا عليها، بحيث ضاقت أيديهم عنها، وبِيعَ الرأسُ من البقر بعشرينَ إلى ثلاثين درهمًا، والرأسُ من الضأن بثلاثةِ دراهم، والإكديش- حصان غير أصيل، أبوه من جنسٍ وأمُّه من جنس- من أربعين إلى خمسين درهمًا، وسُبِيَت نساؤه ونِساءُ تركمانه وأولاده، وبِيعوا بحَلَب وغيرها بالهوان، فكانت خيارُ بناته تباع بخمسمائة درهم، وظَفِروا بدفائنَ فيها مال كبير، وكان ابن دلغادر لَمَّا انهزم تبعه العسكر، وأسروا ولَدَيه ونحو الأربعين من أصحابِه، ونجا بخاصَّة نفسه إلى ابن أرتنا، وقد سبق الكتابُ إليه بإعمال الحيلة في قبضِه، فأكرَمَه ابن أرتنا وأواه، ثم قبض عليه وحمله إلى حلب، فدخلها وسُجِنَ بقلعتها في ثاني عشر شعبان، فكتب السلطانُ إلى الأمير أرغون الكاملي نائب حلب بحَملِه إلى مصر، وأنعم عليه بخمسمائة ألف درهم، منها ثلاثمائة ألف من مالِ دمشق، وباقيه من مال حلب، وأعفيَ الأمير أرغون من تسيير القَوَد الذي جرت عادةُ نواب حلب بحَملِه إلى السلطان من الخَيلِ والجِمال البخاتي والهجن والعراب، ومن البغال والقماش والجواري والمماليك، وقيمتُه خمسمائة ألف درهم، فعَظُم بذلك شأن الأمير أرغون الكاملي نائبُ حلب، فإنَّه مع صِغَرِ سِنِّه كان له أربعة مماليك أمراء، وله ولد عمره ثلاث سنين أميرُ مائة مقَدَّم ألف، فلما مات هذا الولد أضيفت تقدمتُه إلى إقطاع النيابة، وكان لأربعة من أخوته القادمين من البلاد وأقاربه أربع إمرات، وفي يوم الخميس خامس عشر رمضان وصل مقدم التركمان الأمير قراجا بن دلغادر، وهو مقيَّدٌ في زنجير، فأقيم بين يدى السلطان، وعُدِّدَت ذنوبه، ثم أُخرِجَ إلى الحبس، فلم يَزَل به إلى أن قَدِمَ البريد من حلب بأن جبار بن مهنا استدعى أولادَ ابن دلغادر في طائفةٍ كبيرة من التركمان، ليُنجِدوه على سيف، وكان سيف قد التجأ إلى بني كلاب، فالتقى الجمعانِ على تعبئة، فانكسر التركمانُ وقُتِلَ منهم نحو سبعمائة رجل، وأُخِذَ منهم ستمائة إكديش، فكتب السلطان من سرياقوس-وكان بها- إلى النائب قبلاي بقتل ابن دلغادر، فأخرجه من السجنِ إلى تحت القلعة ووسَّطه-قتله- في يوم الاثنين رابع عشر ذي القعدة، بعد ما أقام مسجونًا ثمانية وأربعين يومًا.
#3053
العام الهجري :754الشهر القمري : جمادى الآخرةالعام الميلادي :1353
فتنة العربان بالصعيد بقيادة الأحدب بن واصل .
كَثُرَ عَبَثُ العُربان ببلاد الصعيد بقيادة الأحدب محمد بن واصل شيخ عرك، فجمع جمعًا كبيرًا، وتسمَّى بالأمير، فقَدِمَ الخبر في شعبان بأنهم كَبَسوا ناحيةَ ملوي، وقتلوا بها نحو ثلاثمائة رجل، ونهبوا المَعاصِرَ، وأخذوا حواصِلَها وذَبحوا أبقارَها، وأنَّ عَرَب منفلوط والمراغة وغيرهم قد نافقوا، وقَطَعوا بعض الجسور بالأشمونين، فوقع الاتفاقُ على الركوب عليهم بعد تخضيرِ الأراضي بالزراعة، وكُتِبَ إلى الولاة بتجهيز الإقامات برًّا وبحرًا، فأخذَ العرب حِذْرَهم، فتفَرَّقوا واختَفَوا، وقَدِمَت طائفة منهم إلى مصر، فأُخِذوا، وكانوا عشرة، فقُبِضَ ما وجد معهم من المال، وحَمل الأمير جندار، فإنهم كانوا فلَّاحيه، وأُتلِفوا، فلما برز الحاجُّ إلى بركة الحجَّاج ركب الأمير شيخو، وضرب حلقةً على الركب، ونادى مَن كان عنده بدويٌّ وأخفاه، حَلَّ دَمُه، وفَتَّش الخيام وغيرها، فقَبض على جماعة، فقتل بعضهم وأفرج عن بَعضٍ، ثمَّ لما عاد السلطان إلى الجيزة كُبِسَت تلك النواحي، وحُذِّرَ الناس من إخفاء العربان، فأُخِذَ البحري والبري، وقُبِضَت خيول تلك النواحي وسيوفُ أهلها بأسْرِها، وعُرِضَت الرجال، فمن كان معروفًا أُفرج عنه، ومن لم يعرف أقِرَّ في الحديد وحُمِل إلى السجنِ، ورُسِمَ أنَّ الفلاحين تبيعُ خُيولَهم بالسوق، ويوردون أثمانَها ممَّا عليهم من الخراجِ فبِيعَت عِدَّةُ خيول، وأُورِدَ أثمانها للمُقطِعين، والفَرَس الذي لم يُعرَف له صاحِبٌ حُمِلَ إلى إسطبل السلطان، وكُتِبَ للأمير عز الدين أزدمر، الكاشِفِ بالوجه البحري، أن يركَبَ ويكبِسَ البلادَ التي لأرباب الجاه، والتي يأويها أهلُ الفسادِ، فقَبَض على جماعةٍ كثيرة ووسَّطَهم، وساق منهم إلى القاهرةِ نحو ثلاثمائة وخمسين رجلًا، ومائة وعشرين فرسًا، وسلاحًا كثيرًا، ثم أحضَرَ الأميرُ أزدمر من البحيرة ستمائة وأربعين فرسًا، فلم يبقَ بالوجه البحري فرس، ورُسِمَ لقضاة البر وعُدولِه بركوب البغال والأكاديش، ثم كُبِسَت البهنسا وبلاد الفيوم، فركِبَ الأميران طاز وصرغتمش، بمن معهما إلى البلاد، وقد مَرَّ أهلها، واختفى بعضهم في حفائِرَ تحت الأرض، فقبضوا النِّساء والصبيان، وعاقبوهم حتى دلوهم على الرجال، فسَفَكوا دماء كثيرين، وعُوِقَب كثيرٌ من الناس بسبب من اختفى، وأُخِذَت عدة أسلحة، فحَشَد الأحدب بن واصل شيخ عرك جموعَه، وصَمَّم على لقاء الأمراء، وحَلَف أصحابه على ذلك، وقد اجتمع معه عرَبُ منفلوط، وعَرَبُ المراغة وبني كلب وجهينة وعرك، حتى تجاوزت فرسانُه عشرة آلاف فارس تحمِلُ السلاح، سوى الرجَّالة المعَدَّة، فإنَّها لا تعَدُّ ولا تحصى لكثرتِها، ثم رحل الأمير شيخو عن أسيوط، وبعث الأمير مجد الدين الهذبانى ليؤمِّنَ بنى هلال أعداء عرك، ويُحضِرَهم ليقاتلوا عرك أعداءَهم، فانخدعوا بذلك، وفَرِحوا به، وركبوا بأسلحتِهم، وقَدِموا في أربعمائة فارس، فما هو إلا أن وصلوا إلى الأمير شيخو فأمر بأسلحَتِهم وخيولهم فأُخِذَت بأسْرِها، ووضَعَ فيهم السَّيفَ، فأفناهم جميعًا، ثم قاتلوا العَرَبَ الباقين على دفَعات يقتلونهم، وأسَروا منهم الكثيرَ واستَرَقُّوا الأولادَ والحريم، وهلك من العرب خلائقُ بالعطش، ما بين فرسان ورجَّالة وجَدَّ المجَرَّدون في طلبهم، فسَلَبوهم، وصَعِدَ كثيرٌ منهم إلى الجبال، واختَفَوا في المغائر، فقَتَلَ العسكرُ وأَسَر، وسبى عددًا كثيرًا، وارتَقَوا إلى الجبال في طَلَبِهم، وأضرَموا النيران في أبواب المغائر، فمات بها خلقٌ كثير من الدخان، وخرج إليهم جماعةٌ، فكان فيهم من يُلقي نَفسَه من أعلى الجبل ولا يُسَلِّم نَفسَه، ويرى الهلاكَ أسهَلَ مِن أخذ العدوِّ له، فهلك في الجبالِ أُمَمٌ كثيرة وقُتِلَ منهم بالسيف ما لا يُحصى كثرةً، حتى عُمِلَت عدة حفائر ومُلِئَت من رمَمِهم، وأَنتَنَت البرِّيَّةُ من جِيَفِ القتلى ورِمَمِ الخَيلِ، وكان الأحدَبُ قد نجا بنفسِه، فلم يُقدَرْ عليه، ومن حينئذ أَمِنَت الطرقات برًّا وبحرًا، فلم يُسمَعْ بقاطع طريق بعدها، ووقع الموتُ فيمن تأخَّرَ في السجون من العُربان، فكان يموتُ منهم في اليوم من عشرين إلى ثلاثين، حتى فَنُوا إلا قليلًا، وفي شهر ربيع الأول قَدِمَ الأحدب محمد بن واصل، شيخ عرك من بلاد الصعيد، طائعًا، وكان من خَبَرِه أنه لما نجا وقت الهزيمة، وأُخِذَت أمواله وحَرَمُه، ترامى بعد عَودِ العسكر على الشَّيخِ المعتقد أبى القاسم الطحاوي، فكتب الشيخ في أمره إلى الأمير شيخو، يسأل العفوَ عنه وتأمينَه، على أنَّه يقومُ بدَركِ البلاد، ويلتَزِمُ بتحصيل جميع غِلالِها وأموالِها، وما يحدُثُ بها من الفَسادِ فإنَّه مُؤاخَذٌ به، وأنَّه يقابِلُ نواب السلطان من الكُشَّاف والولاة، فكُتِب له أمانٌ سُلطاني، وكُوتِبَ بتطييب خاطِرِه وحضوره آمنًا، فسار ومعه الشيخ أبو القاسم، فأكرم الأمراءُ الشَّيخَ، وأكرموا لأجله الأحدَبَ، وكان دخولُه يومًا مشهودًا، وتمثَّل الأحدَبُ بين يدي السلطان، وأنعم عليه السلطانُ وألبسه تشريفًا وناله من الأمراءِ إنعامٌ كثيرٌ، وضَمِنَ منهم درك البلاد على ما تقدَّمَ ذِكرُه، فرُسِمَ له بإقطاعٍ، وعاد الأحدب إلى بلاده بعد ما أقام نحو شهرٍ.
#3054
العام الهجري :754الشهر القمري : ذي القعدةالعام الميلادي :1353
أسر الشريف ثقبة وإقرار الشريف عجلان على إمرة مكة .
أَسرَّ السلطانُ والأمراء مدَبِّرو الدولة إلى أمير الحاجِّ ومَن بصحبته من الأمراء أن يقبضوا على الشَّريفِ ثُقبة، ويقَرِّروا الشريفَ عَجلان بمُفردِه على إمارة مكَّة، فلمَّا قَدِمَ الحاج بطن مر، ومضى عجلانُ إلى لقائهم، شكا إلى الأمراءِ من أخيه ثقبة، وذكر ما فعلَه معه، وبكى، فطَمَّنوا قَلْبَه، وساروا به معهم حتى لَقِيَهم ثقبة في قوَّاده وعبيده، فألبسوه خِلعةً على العادة، ومَضَوا حافِّينَ به نحو مكَّةَ، وهم يحادثونَه في الصلح مع أخيه عجلان، ويحَسِّنونَ له ذلك، وهو يأبى موافقَتَهم حتى أيِسُوا منه، فمَدَّ الأمير كشلى يده إلى سَيفِه فقَبَض عليه، وأشار إلى من معه فألقَوه عن فرَسِه، وأخذوه ومعه ابنٌ لعُطَيفة، وآخَرُ من بني حسن، وكبَّلوهم بالحديد، ففَرَّ القوَّادُ والعبيد، وأُحضِرَ عَجلانُ، وأُلبِسَ التشريف، وعبروا به إلى مكة، فلم يختلف عليهم اثنانِ، وسُلِّمَ ثُقبةُ للأمير أحمد بن آل ملك، فسُرَّ الناس بذلك، وكَثُرَ جَلبُ الغلال وغيرها، فانحَلَّ السِّعرُ وقُبِضَ على إمام الزيدية أبي القاسم محمد بن أحمد اليمني، وكان يصَلِّي في الحرم بطائفَتِه ويتجاهَرُ، ونَصَب له منبرًا في الحَرَمِ يخطُبُ عليه يوم العيد وغيره، بمَذهبِه، فضُرِبَ بالمقارع ضربًا مبَرِّحًا ليرجِعَ عن مذهبه، فلم يرجِعْ وسُجِنَ، ففَرَّ إلى وادي نخلة، فلما انقضى موسِمُ الحاجِّ حُمِل الشريف ثقبة مُقَيَّدًا إلى مصرَ.
#3055
العام الهجري :755العام الميلادي :1354
إقامة الحد على رافضي شتم الصحابة .
قَدِمَ دمشقَ عليُّ بن الحسن بن أبي الفضل بن جعفر بن محمد بن كثير الحلبي الرافضيُّ، وأقام بها سنواتٍ، فاتفق أنَّه شَقَّ الصفوف والناسُ في صلاةِ جنازةٍ بالجامِعِ الأمويِّ وهو يلعَنُ ويسُبُّ من ظَلَم آلَ مُحمَّدٍ، فانتَهَره عمادُ الدين ابنُ كثيرٍ، وأغرى به العامَّةَ، وقال: إنَّ هذا يسُبُّ الصحابةَ، فحملوه إلى القاضي تقي الدين السبكي فاعترف بسَبِّ أبي بكر وعمر، فعَقَدوا له مجلسًا، فحكَم نائِبُ المالكي بضَربِ عُنُقِه بعد أن كُرِّرَت عليه التوبةُ ثلاثةَ أيامٍ، فأصَرَّ فضُرِبَت عُنُقُه بسوق الخيلِ وحَرَق العوامُّ جَسَده
#3056
العام الهجري :755العام الميلادي :1354
محاولة قتل أمير المدينة الشريف فضل بن قاسم .
قَدِمَ الخَبَرُ مِن المدينةِ النبويَّةِ أنَّ الشَّريفَ مانع بن علي بن مسعود بن جماز وأولاد طفيل جَمَعوا ونازلوا المدينةَ، يُريدونَ قَتْلَ الشَّريفِ فَضلِ بنِ قاسم بن قاسم بن جماز فامتنَعَ بها، وهم يحاصِرونَه اثني عشر يومًا مَرَّت بينهم فيها حروب، فانهَزموا ومضَوا من حيثُ أتوا.
#3057
العام الهجري :755الشهر القمري : جمادى الآخرةالعام الميلادي :1354
فتنة أهل الذمة بمصر وإلزامهم بالشروط العمرية .
تعاظم أمرُ النَّصارى بمصر, فتباهَوا بالملابِسِ الفاخرة، وبَنَوا الأملاكَ الجليلة في مصرَ والقاهرة، واقتَنَوا الجواريَ الجميلةَ مِن الأتراك والمولَّدات، واستولَوا على دواوينِ السلطان والأمراء، وزادوا في الحُمقِ والرَّقاعة، وتعَدَّوا طَورَهم في الترفُّع والتعاظم، وأكثروا من أذى المسلمينَ وإهانتهم، وتحرَّكت الناسُ في أمر النصارى وماجوا، وانتَدَب عِدَّةٌ من أهل الخير لذلك، وصاروا إلى الأمير طاز الشريف أبى العباس الصفراوي، وبلَّغوه ما عليه النصارى مما يوجِبُه نَقضُ عَهدِهم، وانتَدَبوه لنصرة الإسلام والمسلمين، فانتفَضَ الأمير طاز لذلك، وحَدَّثَ الأميرين شيخو وصرغتمش وبقية الأمراء في ذلك بين يدي السلطانِ، فوافقوه جميعًا، وكان لهم يومئذٍ بالإسلامِ وأهلِه عِنايةٌ، ورَتَّبوا قِصَّةً على لسان المسلمين، قُرِئَت بدار العَدلِ على السلطانِ بحَضرةِ الأمراء والقُضاة وعامة أهل الدولة، فرَسَمَ بعَقدِ مَجلِسٍ للنَّظَرِ في هذا الأمر؛ لِيُحمَلَ النصارى واليهود على العهدِ الذي تقَرَّرَ في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وطُلِبَ بطرك النصارى ورئيس اليهود، وحَضَرت قضاة القضاة وعلماء الشريعة، وأمراءُ الدولة، وجيء بالبطرك والرئيس، فوقفا على أرجُلِهما وقرأ العلائيُّ علي بن فضل الله كاتِبُ السر نسخةَ العهد الذي بين المسلمين وبين أهل الذمة، بعد ما أُلزِموا بإحضاره، وهو ألَّا يُحدِثوا في البلاد الإسلامية وأعمالها دِيرًا ولا كنيسةً ولا صومعةً، ولا يجَدِّدوا منها ما خَرِبَ، ولا يَمنَعوا من كنائِسِهم التي عاهدوا عليها أن يَنزِلَ بها أحدٌ مِن المسلمين ثلاثَ ليالٍ يُطعِمونَه، ولا يكتموا غشًّا للمسلمين، ولا يعَلِّموا أولادَهم القرآنَ، ولا يمنعوهم من الإسلامِ إن أرادوا، وإن أسلم أحدُهم لا يردُّوه، ولا يتشَبَّهوا بشيءٍ مِن ملابِسِ المسلمين ويلبَسُ النصرانيُّ منهم العمامةَ الزرقاءَ عَشرَ أذرُعٍ فما دونَها، واليهوديُّ العِمامةَ الصفراء كذلك، ويُمنَع نساؤُهم من التشبُّه بنساء المسلمين، ولا يتسَمَّوا بأسماءِ المُسلِمين، ولا يكتَنُوا بكُناهم، ولا يتلقَّبوا بألقابهم، ولا يركبوا على سَرجٍ، ولا يتقَلَّدوا سيفًا، ولا يركبوا الخيلَ والبِغالَ، ويركبون الحميرَ عَرضًا بالكَفِّ مِن غيرِ تزيينٍ ولا قيمةٍ عظيمة لها، ولا ينقُشوا خواتمهم بالعربيَّة، وأن يَجُزُّوا مقادِمَ رُؤوسهم، والمرأةُ من النصارى تلبَسُ الإزارَ المصبوغ أزرق، والمرأةُ مِن اليهود تلبَسُ الإزار المصبوغ بالأصفر، ولا يدخل أحَدٌ منهم الحمامِ إلَّا بعلامة ممَيِّزة عن المسلم في عُنُقِه، من نحاسٍ أو حديد أو رصاصٍ أو غير ذلك، ولا يستخدموا مُسلِمًا في أعمالهم، وتلبَسُ المرأة السائرةُ خُفَّين أحدهما أسود والآخر أبيض، ولا يجاوروا المسلمينَ بموتاهم، ولا يرفَعوا بناءَ قُبورهم، ولا يعلُوا على المسلمين في بناءٍ، ولا يضربوا بالنَّاقوسِ إلَّا ضربًا خفيفًا، ولا يرفَعوا أصواتَهم في كنائِسِهم، ولا يشتَرُوا من الرقيقِ مُسلمًا ولا مُسلِمةً، ولا ما جَرَت عليه سهامُ المسلمين، ولا يمشُوا وسَطَ الطريق توسِعةً للمُسلمين، ولا يَفتِنوا مُسلِمًا عن دينه، ولا يدُلُّوا على عوراتِ المسلمين، ومن زنى بمُسلمةٍ قُتِل، ومن خالف ذلك فقد حَلَّ منه ما يحِلُّ مِن أهل المعانَدةِ والشِّقاقِ، وكلُّ من مات من اليهود والنصارى والسامرة، ذكرًا كان أو أنثى، يَحتاطُ عليه ديوانُ المواريثِ الحَشريَّة، بالديارِ المصريَّة وأعمالِها وسائِرِ الممالك الإسلامية، إلى أن يُثبِتَ ورَثَتُه ما يستحقُّونه بمقتضى الشرع الشريف، فإذا استحَقَّ يعطونه بمقتضاه، وتُحمَلُ البقيَّةُ لبيت مال المسلمين، ومن مات منهم ولا وارِثَ له يُحمَلُ موجوده لبيتِ المال، ويُجرى على موتاهم الحوطةُ من ديوان المواريث ووكلاء بيت المال مجرى من يموتُ من المسلمين، إلى أن تُبَيَّن مواريثهم، وكان هذا العهدُ قد كتب في رجب سنة 700 في الأيام الناصريَّة محمد بن قلاوون، فلمَّا انتهى العلائي علي بن فضل الله كاتِبُ السرِّ مِن قراءته، تقلد بطركُ النصارى وديان اليهود حُكمَ ذلك، والتَزَما بما فيه، وأجابا بالسَّمع والطاعة، ثم جال الحديثُ في أمر اليهود والنصارى وإعادةِ وقائِعِهم الماضية، وأنهم بعد التزامِهم أحكام العهد يعودونَ إلى ما نُهُوا عنه، فاستقَرَّ الحال على أنهم يُمنَعونَ مِن الخِدَم في جميع الأعمال، ولا يُستخدَمُ نصراني ولا يهودي في ديوانِ السلطان، ولا في شيءٍ مِن دواوين الأمراء، ولو تلفَّظ بالإسلامِ، على أنَّ أحدًا منهم لا يُكرَهُ على الإسلام، فإن أسلم برِضاه، لا يدخُلُ مَنزِلَه، ولا يجتَمِعُ بأهله إلَّا إن اتَّبَعوه في الإسلام، ويُلزَمُ أحدُهم إذا أسلم بملازمة المساجد والجوامع، وكُتِبَ بذلك كُلِّه مراسيم سلطانية سار بها البريدُ إلى البلاد الإسلامية، فكان تاريخُها ثاني عشر جمادى الآخرة، وقُرئ منها مرسومٌ بمجلس السلطان في يوم الخميس خامس عشر، وركب من الغد يوم الجمعة سادس عشر الأميرُ سيف الدين قشتمر الحاجب، ومعه الشريف شهاب الدين المنشئ بالمراسيم السلطانيَّة إلى البلاد الإسلامية، وقُرئ مرسومٌ بجامع عمرو بن العاص من مدينة مصر، وآخَرُ بجامع الأزهر من القاهرة، فكان يومًا عظيمًا هاجت فيه حفائِظُ المسلمين، وتحَرَّكت سواكِنُهم؛ لِما في صدورهم من الحَنَق على النصارى، ونهضوا من ذلك المجلس بعد صلاة الجمعة، وثاروا باليهودِ والنصارى، وأمسكوهم من الطرقات، وتتَبَّعوهم في المواضِعِ وتناولوهم بالضرب، ومَزَّقوا ما عليهم من الثياب، وأكرهوهم على الإسلام، فيَضطرُّهم كثرةُ الضرب والإهانة إلى التلفظ بالشهادتينِ خوفَ الهلاك، فإنَّهم زادوا في الأمر حتى أضرموا النيران، وحملوا اليهود والنصارى، وألقَوهم فيها، فاختَفَوا في بيوتهم، حتى لم يوجَدْ منهم أحد في طريق ولا ممر، وشربوا مياه الآبار لامتناعِ السقَّائين مِن حَمل ِالماء من النيل إليهم، فلما شنع الأمر نُودِيَ في القاهرة ومصر ألا يُعارَضَ أحدٌ مِن النصارى أو اليهود، فلم يرجِعوا عنهم، وحَلَّ بهم من ذلك بلاءٌ شديد، كان أعظَمَه نكايةً لهم أنَّهم منعوا مِن الخِدَم بعد إسلامِهم، فإنهم كانوا فيما مضى من وقائِعِهم إذا مُنِعوا من ذلك كادوا المُسلمين بإظهارِ الإسلام، ثمَّ بالغوا في إيصال الأذى لهم بكلِّ طريق، بحيث لم يبقَ مانع يمنَعُهم لأنه صار الواحِدُ منهم فيما يظهَرُ مُسلِمًا ويَدُه مبسوطةٌ في الأعمال، وأمْرُه نافذٌ، وقولُه مُمتَثَل، فبطل ما كانوا يعملونَ، وتعطَّلوا عن الخِدَم في الديوان، وامتنع اليهودُ والنصارى من تعاطي صناعة الطب، وبذل الأقباط جُهدَهم في إبطال ذلك، فلم يجابُوا إليه، ثمَّ لم يكْفِ الناس من النصارى ما مَرَّ بهم حتى تسَلَّطوا على كنائسهم ومساكِنِهم الجليلة التي رفعوها على أبنيةِ المسلمين، فهدموها، فازداد النصارى واليهودُ خوفًا على خوفهم، وبالغوا في الاختفاءِ، حتى لم يظهَرْ منهم أحدٌ في سوق ولا في غيره، ثم وقعت قِصَصٌ على لسان المسلمين بدار العدل تتضَمَّنُ أنَّ النصارى استَجَدُّوا في كنائِسِهم عُمالًا، ووسعوا بناءها، وتجَمَّع من الناس عدد لا ينحصر، واستغاثوا بالسلطانِ في نصرة الإسلام، وذلك في يوم الاثنين رابع عشر رجب، فرسم لهم أن يَهدِموا الكنائِسَ المُستَجَدَّة، فنزلوا يدًا واحِدةً وهم يضِجُّون، وركب الأميرُ علاء الدين علي بن الكوراني والي القاهرة ليكشِفَ عن صحة ما ذكروه، فلم يتمَهَّلوا بل هجموا على كنيسةٍ بجوار قناطر السباع، وكنيسة للأسرى في طريق مصر، ونهبوهما وأخذوا ما فيهما من الأخشاب والرخام وغير ذلك، ووقع النهبُ في دير بناحية بولاق الدكرور، وهَجَموا على كنائس مصر والقاهرة، وأخربوا كنيسةً بحارة الفهادين من الجوانية بالقاهرة، وتجمعوا لتخريب كنيسة بالبندقانيين من القاهرة، فركب والي القاهرة وما زال حتى ردَّهم عنها، وتمادى هذا الحالُ حتى عجَزَت الحكَّامُ عن كفهم، وكثُرَت الأخبار من الوجه القبلي والوجه البحري بدخولِ النصارى في الإسلامِ، ومُواظبتِهم المساجِدَ، وحِفظِهم للقرآن، حتى إنَّ منهم من ثبتت عدالتُه وجلس مع الشهودِ، فإنه لم يبقَ في جميع أعمال مصر كُلِّها قِبليِّها وبحريِّها كنيسةٌ حتى هُدِمت، وبُني مواضِعَ كثيرٍ منها مساجد، فلما عَظُم البلاء على النصارى، وقَلَّت أرزاقهم، رأوا أن يدخلوا في الإسلام، ففشا الإسلامُ في عامَّة نصارى أرض مصر، حتى إنه أسلم من مدينة قليوب خاصة في يوم واحد أربعمائة وخمسون نفرًا! وممَّن أسلم في هذه الحادثة الشمس المقسي، جدُّ بني المقسي الذي منهم التاج ناظر الخواصِّ، والهيصم جدُّ بني الهيصم الوزراء, وحمَلَ كثيرٌ من الناس فِعْلَهم هذا على أنه من جملةِ مَكْرِهم؛ لكثرةِ ما شنَّعَ العامة في أمرهم، فكانت هذه الواقعةُ أيضًا من حوادث مصر العظيمة، ومن حينئذ اختلطت الأنسابُ بأرض مصر، فنكح هؤلاء الذين أظهروا الإسلامَ بالأرياف المُسلِماتِ، واستولدوهنَّ، ثمَّ قَدِمَ أولادُهم إلى القاهرة، وصار منهم قضاةٌ وشهود وعلماء، ومَن عَرَف سيرتَهم في أنفُسِهم، وفيما وَلُوه من أمور المسلمين، تفطَّنَ لِما لا يمكِنُ التصريحُ به.
#3058
العام الهجري :755الشهر القمري : رجبالعام الميلادي :1354
إبطال عيد الشهيد بمصر .
بعد ما حدث بمصرَ مِن فتنة أهل الذمَّةِ وما جرى من إلزامِهم بالشروط العُمَريَّة وزيادةٍ، وما جرى من هدمٍ للكنائس المُحدَثة وغيرها، فلما كان في أُخرَيات رجب بلغ الأميرَ صرغتمش أنَّ بناحية شبرا الخيام كنيسةً فيها أصبع الشهيدِ التي ترمى كلَّ سنةٍ في النيل زعمًا منهم أنَّها تعمل على زيادةِ الخير والماء فيه، ويعملون في هذا اليوم عيدًا معروفًا بعيد الشهيد يحدُثُ فيه من المُنكرَات والفواحِش الكثير ممَّا يُستحيا مِن ذِكرِه، فتحدَّث مع السلطان فيه، فرسم بركوبِ الحاجِبِ والوالي إلى هذه الكنيسةِ وهَدْمِها، فهُدِمَت ونُهِبَت حواصِلُها، وأخِذَ الصندوق الذي فيه أصبعُ الشهيد، وأُحضِرَ إلى السلطان وهو بالميدان الكبير قد أقام به فأُضرِمَت النارُ، وأُحرِقَ الصندوق بما فيه، ثم ذرى رماده في البحر، وكان يومَ رُمِي هذا الأصبع في النيلِ مِن الأيام المشهودة؛ فإن النصارى كانوا يجتمعون من جميعِ الوجه البحري ومن القاهرة ومصر في ناحية شبرا، وتركَبُ الناس المراكِبَ في النيل، وتُنصَب الخيم التي يتجاوَزُ عَدَدُها الحَدَّ في البر، وتُنصَب الأسواق العظيمة، ويُباع من الخَمرِ ما يؤدُّون به ما عليهم من الخَراج، فيكونُ من المواسم القبيحة، وكان المظفَّرُ بيبرس قد أبطله أيام سَلطنَتِه، فأكذب اللهُ النصارى في قولِهم أنَّ النيل لا يزيدُ ما لم يُرمَ فيه أصبعُ الشهيد، وزاد تلك السنة حتى بلغ إلى أصبعٍ مِن ثمانية عشر ذراعًا، ثم سعت الأقباطُ حتى أعيدَ رَميُه في الأيام الناصرية، فأراح اللهُ منه بإحراقه، وأَخَذ عبَّاد الصليب في الإرجاف بأنَّ النيل لا يزيد في هذه السنة، فأظهر الله تعالى قُدرَتَه، وبيَّن للنَّاسِ كَذِبَهم، بأن زاد النيلُ زيادة لم يُعهَدْ مِثلُها قبل ذلك، فإنه انتهى في الزيادة إلى أصابع من عشرين ذراعًا، فقيل خمسة، وقيل سبعة، وقيل عشرون أصبعًا، من عشرين ذراعًا، ففسدت الأقصابُ والنيلة ونحوها من الزراعات، وفَسَدت الغلال التي بالمطامير والأجران والمخازن، وتقطَّعت الجسور التي بجميع النواحي؛ قبليِّها وبحريها، وتعطَّلت أكثَرُ الدواليب وتهَدَّمت دور كثيرة مما يجاوِرُ النيل والخلجان، وغَرِقَت البساتين، وفاض الماء حتى بلغ قنطرة قديدار، فكانت المراكِبُ تَصِلُ من بولاق إليها، ويركب الناسُ في المراكب من بولاق إلى شبرا ودمنهور.
#3059
العام الهجري :755الشهر القمري : شوالالعام الميلادي :1354
وفاة أمير غرناطة السلطان أبو الحجاج يوسف وتولي ابنه بعده .
توفي السلطانُ أبو الحجَّاج يوسف بن إسماعيل بن فرج من بني نصر؛ صاحِبُ غرناطة وما والاها، طُعِنَ بخنجَرٍ في جبينِه في يوم عيد الفطر، فمات منه، وتسَلْطَن بعده ابنُه أبو عبد الله محمد بن يوسف، وتلقَّبَ بالغني بالله.
#3060
العام الهجري :755الشهر القمري : شوالالعام الميلادي :1354
خلع السلطان الصالح صلاح الدين وإعادة السلطان الناصر حسن .
بعد أن اتَّفَق الأمراءُ بأن يكون الأمرُ كُلُّه للسلطان وأنَّه هو الذي يديرُ السَّلطنةَ بنَفسهِ مِن رأيه، استبَدَّ بالأمر وقَرَّبَ إليه الأمير طاز، وكان قد شُغِفَ بأخيه جنتمر كثيرًا، واستبعد الأميرَ شيخون كليًّا، بل زاد الأمرُ أنَّ السلطان قد اتفق مع إخوة طاز على أن يقبِضَ عليه وعلى صرغتمش يومَ العيد، وكان طاز قد توجَّه إلى البُحيرة في هذه الأيام للصيدِ، بعد ما قرر مع السلطان ما ذُكر، فركب السلطانُ في يوم الأحد أوَّلَ شوال لصلاة العيد في الإسطبل على العادةِ، وقَرَّر مع كلتاي وجنتمر وأصَرَّ على ما يفعلونَه، وأمَرَ بمائة فرس فشُدَّت وأوقِفَت، فلم يحضُرْ شيخو صلاةَ العيد، وكان قد بلغه جميعُ ما تقرر من نيَّة السلطان القبضَ عليه، فباتوا ليلة الاثنين على حَذَر، وأصبحوا وقد اجتمع مع الأميرِ شيخو من الأمراء صرغمتش وطقطاي، ومَن يلوذ بهم، وركبوا إلى تحت الطبلخاناه، ورسموا للآصر علم بضَرب الكوسات، فضُرِبت حربيًّا، فركب جميعُ العسكر تحت القلعة بالسلاحِ وصَعِدَ الأمير تنكربغا والأمير أسنبغا المحمودي إلى القلعة، وقبضا على السلطانِ الصالح صلاح الدين وسَجَناه مقيَّدًا، فزال ملكُه في أقل من ساعةٍ، وصَعِدَ الأمير شيخو ومن معه من الأمراء إلى القلعة، وأقامت أطلابُهم على حالها تحت القلعة، وقَبَضَ الأميرُ شيخو على إخوة الأمير طاز، واستشار فيمن يقيمُه للسلطنة، وصَرَّح هو ومن معه بخلع المَلِك الصالح صلاح الدين، فكانت مدة سلطنته ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام، فاقتضى رأي الأمير شيخو وسائر الأمراء إعادة السلطان الناصر حسن؛ لِما كان يبلغُهم عنه من ملازمتِه في مُدَّةِ حَبسِه للصلوات الخمس والإقبال على الاشتغالِ بالعِلم ِ،حتى إنَّه كتب بخَطِّه كِتابَ دلائل النبوة للبيهقي، فاستدَعَوا الخليفة وقُضاة القضاة، وأحضَروا السلطان من مَحبَسِه، وأركَبوه بشعار المملكة، ومشى الأمراء كلهم وسائر أرباب الدولة في رِكابِه، حتى جلَسَ على تخت الملك، وبايعه الخليفةُ، فقَبَّلوا له الأرضَ على العادة، وذلك في يوم الاثنين ثاني شهر شوال، وبات الأمراءُ في الأشرفية من القلعة، وسُجِنَ المَلِكُ الصَّالِحُ صلاح الدين حيث كان أخوه الملك الناصر حسن مَسجونًا!!