اشتَدَّت الفتنة في بلاد الكرك بين بني نمير وبني ربيعة، فإن المَلِكَ الناصر محمد بن قلاوون كان لَمَّا أعياه أمرُهم وتحصُّنُهم بجبالهم المنيعة، أخذ في الحيلة عليهم، وتقَدَّم إلى شطي أمير بني عقبة، وإلى نائب الشام ونائب غزة ونائب الكرك، بأن يدخُلوا إلى البرية كأنهم يصطادونَ ويوقعونَ بهم، فقبضوا على كثيرٍ منهم، وقَتَلوا في جبالهم خلقا كثيرًا منهم، وحَبَسوا باقيَهم حتى ماتوا، فسَكَن الشرُّ بتلك الجهات إلى أن كانت فتنةُ الناصر أحمد بن محمد بن قلاوون بالكرك سنة 743، عاد بنو نمير وبنو ربيعة إلى ما كانوا عليه من الفسادِ، وقَوِيَ أمرهم، فلما كان هذا العام رَكِبَ إليهم الأمير جركتمر نائب الكرك، وطلع إليهم فقاتلوه، وقتلوا من أصحابِه عشرة، وكسروه أقبحَ كَسرةٍ، فكتب لنائب الشام الأمير أرغون شاه بتجهيز عسكرٍ لقتالِهم.
#3038
العام الهجري :750الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :1349
وفاة الشيخ علاء الدين المارديني التركماني الحنفي .
هو الإمامُ الشيخ علاءُ الدين علي ابنُ القاضي فخر الدين عثمان بن إبراهيم بن مصطفى المارديني الحنفي المعروف بالتركماني، ومولِدُه في سنة 683، كان إمامًا فقيهًا بارعًا نحويًّا أصوليًّا لغويًّا، أفتى ودرَّس واشتغل وألَّف وصَنَّف، وكان له معرفةٌ تامَّةٌ بالأدب وأنواعه، وله نظمٌ ونَثرٌ، كان إمامَ عَصرِه لا سيَّما في العلوم العقلية والفقه أيضًا والحديث، وتصدى للإقراءِ عِدَّة سنين، وتولى قضاء الحنفيَّة بالديار المصرية في شوال سنة 748، عوضًا عن قاضي القضاة زين الدين البسطامي، وحسُنَت سيرته، ودام قاضيًا إلى أن مات، وتولى عِوَضَه ولده جمال الدين عبد الله، من مصَنَّفاته كتاب بهجة الأريب في بيان ما في كتاب الله العزيز من الغريب، والمنتخب في علوم الحديث، والمؤتلف والمختلف، والضعفاء والمتروكون، والدر النقي في الرد على البيهقي، ومختصر المحصل في الكلام، ومقدمة في أصول الفقه، والكفاية في مختصر الهداية، ومختصر رسالة القشيري، وغير ذلك. توفِّيَ يوم الثلاثاء عاشرَ المحَرَّم بالقاهرة.
#3039
العام الهجري :750الشهر القمري : جمادى الآخرةالعام الميلادي :1349
قتال العشير والعربان بسبب كثرة فسادهم ببلاد القدس ونابلس .
في عاشر جمادى الآخرة خرجت التجريدة- جيش بدون رجالة- من مصرَ إلى قتال العشير والعُربان، وسببه كثرةُ فسادهم ببلاد القُدس ونابلس، وكان قد قُبِضَ على أدى بن فضل أمير جرم، وسُجِن بقلعة الجبل، ثم أُفرِجَ عنه بعناية الوزير منجك، فجمع أدى وقاتل سنجر بن علي أمير ثعلبة، فمالت حارثة مع أدى، ومالت بنو كنانة مع سنجر، وجرت بينهم حروبٌ كثيرة، قُتِلَ فيها خلائق، وفسدت الطرقاتُ على المسافرين، فخرجت إليهم عساكِرُ دمشق، فلم يَعبؤوا بهم، فلمَّا وَلِيَ الأمير يلجك غزة استمال أدى بعد أيام، وعَضَّده على ثعلبة، واشتدت الحروب بينهم، وفسدت أحوالُ الناس، فركب يلجك بعسكر غزة ليلًا، وطرَقَ ثعلبة، فقاتلوه وكَسَروه كسرةً قبيحة، وألقَوه عن فرسه إلى الأرض، وسَحَبوه إلى بيوتهم فقام سنجر بن علي أمير ثعلبة عليهم حتى تركوا قَتْلَ يلجك، بعد أن سَلَبوا ما عليه، وبالَغوا في إهانته، ثم أفرجوا عنه بعد يومينِ، فعاد يلجك إلى غزة، وقد اتَّضَع قَدرُه وتَقَوَّى العشير بما أخذوه من عسكره، وعَزَّ جانبهم، فقصدوا الغور، وكبسوا القصيرَ المعيني، وقتلوا به جماعةً كثيرة من الجبلية وعمال المعاصر، ونهَبوا جميعَ ما فيه من النقود والأعمال والعسكر وغيره، وذبحوا الأطفالَ على صدر الأمهات، وقطعوا الطُّرُقات، فلم يَدَعوا أحدًا يمر من الشام إلى مصر حتى أخَذوه، وقصدوا القدس، فخلى الناسُ منه ثم قصدوا الرملةَ ولِدَّ فانتهبوها، وزادوا في التعدي، وخرجوا عن الحد، فوقع الاتفاقُ على ولاية الأمير سيف الدين دلنجي نيابة غزة، وأبقى على إقطاعه بمصر، وخلع عليه وأخرج إليها وكَتَب بخروج ابن صبح من دمشق على ألفي فارس، وتجهَّز الوزير منجك ومعه ثلاثةُ أمراء من المقَدَّمين في يوم السبت الرابع عشر، وبينما الوزير ومن معه في أُهبة السفر إذ قدم الخبر أن الأمير قطيلجا توجَّه من حماة إلى نيابة حلب، عوضًا عن الأمير أرقطاي, وقد قَدَّم الوزير النجابةَ لكشف أخبار العشيرة، فلما رحل عن بلبيس عادت نجابتُه بأن ثعلبة ركبت بأجمعها، ودخلت بريَّة الحجاز، لَمَّا بلَغَهم مسير العسكر إليهم، فنهب أدى بن فضل كثيرًا منهم، وانفرد في البلاد بعشيرة، فعاد الوزيرُ بمن معه، وعبَرَ القاهرة في الثاني عشر بعد أربعة أيام، ثم في مستهَلِّ رجب قَدِمَ الخبر بأن الأمير دلنجي نائب غزة بلغه كثرةُ جميع العشيرة، وقَصْدهم نهب لد والرملة، فركب إليهم ولقيهم قريبًا من لد، منزل تجاههم، وما زال يراسِلُهم ويخدعهم حتى قدم إليه نحو المائتين من أكابِرِهم، فقبضهم وعاد إلى غزة، وقد تفَرَّق جمعهم، فقدم الأمير قبلاي غزة، واحتال على أدى حتى قدم عليه، فأكرمه وأنزله، ثم ردَّه بزوادة إلى أهلِه فاطمأنت العشرات والعُربان لذلك، وبقُوا على ذلك إلى أن أهلَّ رمضان، ثم حضر أدى في بنى عَمِّه لتهنئة قبلاي بشهر الصومِ، فساعة وصوله إليه قُبِضَ عليه وعلى بني عمه الأربعة، وقَيَّدَهم وسَجَنَهم، وكتب إلى سنجر بن علي: "بأني قد قبضت على عدوِّك ليكونَ لي عندك يدٌ بيضاء، فسُرَّ سنجر بذلك، وركب إلى قبلاي، فتلقَّاه وأكرمه، فضَمِنَ له سنجر درك البلاد، ورحل قبلاي من غده ومعه أدى وبنو عمه يريد القاهرة، فقدم في يوم الاثنين حادي عشر، فضربوا على باب القلة بالمقارع ضَربًا مبرحًا وألزم أدى بألفِ رجل ومائتي ألف درهم، فبَعَث إلى قومه بإحضارها، فلما أُخِذَت سُمِّرَ هو وبنو عمه في يوم الاثنين خامس عشر وقت العصر، وسُيِّروا إلى غزة صحبة جماعةٍ من أجناد الحلقة، فوُسِّطوا- قُتلوا- بها، فثار أخو أدى، وقَصَد كبس غزة، فخرج إليه الأميرُ دلنجي ولَقِيَه على ميل من غزة، وحاربه ثلاثة أيام، وقتَلَه في اليوم الرابع بسَهمٍ أصابه، وبعث دلنجي بذلك إلى القاهرة، فكتب بخروج نائب صفد ونائب الكرك لنجدته.
#3040
العام الهجري :751العام الميلادي :1350
معركة بين بني مرين وبني عبد الواد بنو زيان .
بعد أن خرج أبو الحسن المريني من تونُسَ وعاد الحفصيُّون إلى تمَلُّكِها، رَكِبَ أبو الحسين الزيان البحر يريد الجزائرَ ومعه ستمائة سفينة، وفي الطريق غرقت أكثر السفن من الرياح والأمواج العالية، فوصل بعدد قليلٍ إلى الجزائر، وكانت بنو عبد الواد بنو زيان قد تجهزت لاسترداد ملكهم من بني مرين الذين استولوا على الجزائر من سنة 748 وحاول أبو الحسن هذا أن يصدَّهم عنها مستعينًا بقلة ممن نجا معه من الرجال فجرت بين الفريقين حروبٌ هُزم فيها أبو الحسن وولَّى هاربًا بعد أن قُتِلَ ابنه الناصر في هذه الحروب.
#3041
العام الهجري :751الشهر القمري : رجبالعام الميلادي :1350
وفاة ابن قيم الجوزية .
هو الشَّيخُ الإمامُ العلَّامةُ أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي الحنبلي المعروفُ بابن قَيِّم الجوزيَّة، فهو إمامُ الجوزيَّة، وابنُ قَيِّمِها، ولِدَ بدمشق في سابع صفر سنة 691, وسَمِعَ الحديث واشتغل بالعلم، وبَرَع في العلوم المتعَدِّدة، لا سيما علم التفسير والحديث والأصلين، ولَمَّا عاد الشيخ تقي الدين بن تيمية من الديار المصرية في سنة 712 لازَمَه إلى أن مات الشيخُ، فأخذ عنه علمًا جَمًّا لازمه قرابة 16 عامًا وتأثَّر به, وسُجِنَ في قلعة دمشق في أيام سجنِ ابن تيمية، وخرج بعد أن توفِّيَ شيخه عام 728 ولم يخَلِّفِ الشيخُ العلَّامة تقي الدين ابن تيميَّة مِثلَه، ومع ما سَلَف له من الاشتغال، صار فريدًا في بابِه في فنونٍ كثيرة، مع كثرةِ الطَّلَب ليلًا ونهارًا، وكثرة الابتهال، وكان حَسَن القراءة والخُلُق، كثيرَ التودد لا يحسُد أحدًا ولا يؤذيه، ولا يستعيبُه ولا يحقِدُ على أحد؛ قال ابن رجب: "كان ذا عبادةٍ وتهَجُّد وطولِ صلاةٍ إلى الغاية القصوى، وتألُّه ولَهَج بالذكر، وشَفَف بالمحبة والإنابة والاستغفار، والافتقار إلى الله والانكسار له، والاطِّراح بين يديه على عتبة عبوديته، لم أشاهِدْ مِثلَه في ذلك، ولا رأيتُ أوسَعَ منه علمًا، ولا أعرَفَ بمعاني القرآن والسنَّة وحقائق الإيمان منه، وليس هو المعصومَ، ولكن لم أرَ في معناه مِثلَه، وقد امتُحِنَ وأوذيَ مَرَّات، وحُبِسَ مع الشيخ تقي الدين في المرَّة الأخيرة بالقلعة، منفرِدًا عنه، ولم يُفرَجْ عنه إلَّا بعد موت الشيخ, وكان في مُدَّة حبسه مشتغلًا بتلاوة القرآن بالتدبر والتفكر، ففُتِحَ عليه من ذلك خير كثير، وحصل له جانِبٌ عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، وتسَلَّط بسبب ذلك على الكلام في علومِ أهل المعارف، والدُّخولِ في غوامِضِهم، وتصانيفه ممتلئةٌ بذلك، وحَجَّ مرات كثيرة، وجاور بمكَّةَ، وكان أهلُ مكة يذكرون عنه من شِدَّة العبادة، وكثرة الطواف أمرًا يُتعَجَّب منه. ولازمت مجالِسَه قبل موته أزيدَ مِن سنة، وسَمِعتُ عليه قصيدته النونية الطويلة في السنة، وأشياء من تصانيفه، وغيرها " وقال ابنُ كثير: " كنتُ مِن أصحَبِ النَّاسِ له وأحَبِّهم إليه، ولا أعرف في هذا العالَمِ في زماننا أكثَرَ عبادةً منه، وكانت له طريقةٌ في الصلاة يطيلها جِدًّا ويمُدُّ ركوعَها وسجودَها، ويلومه كثيرٌ من أصحابه في بعضِ الأحيانِ، فلا يرجِعُ ولا ينزِعُ عن ذلك- رحمه الله" وقال ابن حجر العسقلاني: " كان إذا صلَّى الصبح جلس مكانَه يذكُرُ الله حتى يتعالى النَّهارُ، ويقول: هذه غَدوتي لو لم أقعُدْها سَقَطَت قُوايَ، وكان يقولُ: بالصبر واليقين تُنال الإمامةُ في الدين، وكان يقول: لا بد للسَّالك من همَّة تُسيِّرُه وترَقِّيه، وعلمٍ يُبَصِّرُه ويهديه. وكان مُغرًى بجمع الكتب فحصَّل منها ما لا يُحصَرُ حتى كان أولادُه يبيعون منها بعد موتِه دهرًا طويلًا سوى ما اصطَفَوه منها لأنفُسِهم" وله من التصانيف الكبار والصغار شيءٌ كثير، وهي أكثَرُ مِن أن تُحصَرَ هنا، ولكن من أشهرها: زاد المعاد في هَدْي خير العباد، وإعلام الموقعين عن ربِّ العالمين، ومدارج السالكين، وبدائع الفوائد، وطريق السعادتين، وشرح منازل السائرين، والقضاء والقدر، وجلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام، ومصايد الشيطان، ومفتاح دار السعادة، والروح، وحادي الأرواح، ورفع اليدين، والصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، وتصانيف أخرى كثيرة؛ قال ابن حجر: "وكلُّ تصانيفه مرغوبٌ فيها بين الطوائف، وهو طويلُ النَّفَسِ فيها يتعانى الإيضاحَ جُهدَه، فيُسهِبُ جدًّا، ومعظمها من كلام شيخِه يتصَرَّفُ في ذلك، وله في ذلك مَلَكَة قويَّة، ولا يزال يدندِنُ حولَ مُفرداتِه ويَنصُرُها ويحتَجُّ لها" ومن نَظْمِه قصيدة تبلغ ستة آلاف بيت سمَّاها الكافية في الانتصار للفرقة الناجية. ومن تلاميذه ابنه برهان الدين إبراهيم، والإمام ابن رجب الحنبلي، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن عبد الهادي، والإمام الذهبي، والفيروزآبادي صاحب القاموس. توفِّيَ رحمه الله في دمشق ليلة الخميس ثالث عشر رجب وقتَ أذان العشاء وصُلِّيَ عليه بعد صلاة الظهر من الغد بالجامِعِ الأموي، ودفن عند والدته بمقابر الباب الصغير، وقد كانت جنازته حافلةً، شهدها القضاة والأعيان والصالحون من الخاصة والعامة، وتزاحم الناسُ على حمل نعشه، وكَمُل له من العمر ستون سنةً.
#3042
العام الهجري :751الشهر القمري : شعبانالعام الميلادي :1350
إبطال إحياء ليلة النصف من شعبان بالجامع الأموي بدمشق .
قال ابنُ كثير: من العجائب والغرائب التي لم يتَّفِقْ مِثلُها ولم يقَعْ مِن نحو مائتي سنة وأكثر، أنَّه بطل الوقيدُ بجامع دمشق في ليلة النصف من شعبان، فلم يَزِدْ في وقيده قنديلٌ واحد على عادة لياليه في سائر السنة، ولله الحمد والمنة. وفرح أهلُ العلم بذلك، وأهلُ الديانة، وشكَرَ الله تعالى على تبطيل هذه البدعة الشنعاء، التي كان يتولَّدُ بسببها شرور كثيرة بالبلد، والاستئجار بالجامع الأموي، وكان ذلك بمرسومِ السلطان الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاوون
#3043
العام الهجري :751الشهر القمري : ذي القعدةالعام الميلادي :1351
عودة الحفصيين إلى تونس بعد خروج بني مرين منها .
عاد أبو العبَّاس الفضل بن أبي بكر بن يحيى بن إبراهيم بن عبد الواحد بن أبي حفص في ذي القعدة ليملِكَ تونس مرة أخرى، وكان قد قَدِمَ إلى تونس السلطانُ أبو الحسن علي بن أبي سعيد عثمان بن يعقوب بن عبد الحق ملك بني مرين صاحب فاس، وملك تونس وإفريقيَّة ثم سار منها للنصف من شوال، واستخلف ابنَه أبا العباس الفضل.
#3044
العام الهجري :751الشهر القمري : ذي الحجةالعام الميلادي :1351
الفتنة بمنى بين المصريين واليمنيين .
في العاشِرِ مِن ذي الحجة قُبِضَ على صاحب اليمن المَلِك المجاهد علي بن المؤيد داود بن المظفر أبو سعيد المنصوري عمر بن رسول, وسَبَبُ ذلك أن الشريف ثقبة بن رميثة لَمَّا بلَغَه استقرار أخيه الشريف عجلان في إمرة مكَّة، توجَّهَ إلى اليمن، وأغرى المَلِكَ المجاهد علي صاحب اليمن بأخذِ مَكَّة وكسوةِ الكَعبةِ، فتجَهَّز المجاهد، وسار يريد الحَجَّ في جحفل كبير بأولادِه وأمه حتى قَرُب من مكة، وقد سبق حاجُّ مصر، فلَبِسَ عجلان آلة الحرب، وعَرَّف أمراءَ مِصرَ ما عزم عليه صاحِبُ اليمن، وحَذَّرَهم غائلَتَه، فبعثوا إليه بأنَّ "من يريدُ الحَجَّ إنما يدخُلُ مكَّةَ بذِلَّةٍ ومسكنة، وقد ابتَدَعْتَ من ركوبك والسِّلاحُ حولك بدعةً لا يمكِنُك أن تدخُلَ بها، وابعَثْ إلينا ثقبة ليكونَ عندنا حتى تنقَضِيَ أيام الحج، ثم نُرسِلُه إليك" فأجاب المجاهِدُ إلى ذلك، وبعث ثقبةَ رهينةً، فأكرمه الأمراء، وأركبوا الأميرَ طقطاي في جماعة إلى لقاء المجاهد، فتوجَّهوا إليه ومنعوا سلاحداريته من المشيِ معه بالسلاح، ولم يمكِّنوهم من حَملِ الغاشية، ودخَلوا به مكة، فطاف وسَمَّى، وسَلَّم على الأمراء واعتذر إليهم، ومضى إلى منزلِه وصار كل منهم على حَذَرٍ حتى وقفوا بعرفةَ، وعادوا إلى الخيفِ مِن مِنًى، وقد تقرَّر الحال بين الشريف ثقبة وبين المجاهِدِ عليٍّ أنَّ الأمير طاز إذا سارا من مكة أوقعاه بأميرِ الركبِ ومن معه، وقبضا على عجلان، وتسَلَّمَ ثُقبةُ مكَّةَ، فاتَّفَق أن الأمير بزلار رأى وقد عاد من مكَّة إلى منًى خادِمَ المجاهِدِ سائرًا، فبعث يستدعيه فلم يأتِه، وضرب مملوكَه- بعد مفاوضةٍ جَرَت بينهما- بحربةٍ في كتِفِه فماج الحاجُّ، وركب بزلار وقتَ الظهر إلى طاز فلم يَصِلْ إليه حتى أقبَلَت الناس جافلةً تُخبِرُ بركوب المجاهد بعسكَرِه للحرب، وظهرت لوامِعُ أسلحتهم، فركب طاز وبزلار والعسكَرُ، وأكثَرُهم بمكة، فكان أوَّلُ من صدم أهلَ اليمن الأميرَ بزلار وهو في ثلاثين فارسًا، فأخذوه في صدورِهم إلى أن أرمَوه قُربَ خَيمةٍ، ومَضَت فرقةٌ منهم إلى جهة طاز، فأوسع لهم، ثم عاد عليهم، ورَكِبَ الشريف عجلان والناس، فبعث طاز لعجلان "أنِ احفَظِ الحاجَّ، ولا تدخل بيننا في حَربٍ، ودَعْنا مع غريمنا"، واستمَرَّ القتال بينهم إلى بعد العصر، فركِبَ أهلَ اليَمَنِ الذلَّةُ، والتجأ المجاهِدُ إلى دهليزه، وقد أحيط به وقُطِعَت أطنابه، وألقَوه إلى الأرضِ، فمَرَّ المجاهِدُ على وجهِه ومعه أولادُه، فلم يجِدْ طريقًا، وعاد بمن معه وهم يصيحونَ: "الأمانَ يا مسلمين" فأخذوا وزيره، وتمَزَّقَت عساكره في تلك الجبال، وقُتِلَ منهم خلق كثير، ونُهِبَت أموالهم وخيولُهم حتى لم يبقَ لهم شيء، وما انفصل الحالُ إلى غروب الشمس، وفَرَّ ثُقبة بعُربه، وأخذ عبيدُ عجلان جماعةً من الحجَّاج فيما بين مكَّةَ ومِنًى، وقتلوا جماعةً، فلما أراد الأميرُ طاز الرحيل من مِنًى سَلَّمَ أم المجاهد وحريمه لعجلان، وأوصاه بهِنَّ وركب الأمير طاز ومعه المجاهِدُ مُحتَفظًا به، وبالغَ في إكرامِه، وصَحِبَ معه أيضًا الأمير بيبغا روس مقيدًا، وبعث الأمير طنطاي مبشرًا، ولَمَّا قدم الأمير طاز المدينةَ النبويةَ قَبَضَ على الشريفِ طفيل.
#3045
العام الهجري :751الشهر القمري : ذي الحجةالعام الميلادي :1351
خروج أحمد الساقي أمير صفد عن الطاعة .
سَبَبُه أنَّه لَمَّا قُبِضَ على الوزير منجك، خرج الأميرُ قمارى الحموي، وبيده ملطفات لأمراء صفد بالقَبضِ على أحمد، فبلغه ذلك من هجان جَهَّزه إليه أخوه، فندب الأمير أحمد الساقي طائفةً من مماليكه لتلَقِّي قمارى، وطلب نائب قلعة صفد وديوانه، وأمره أن يقرأَ عليه كم له بالقلعة من غَلَّة، فأمر لمماليكه منها بشيءٍ فَرَّقه عليهم إعانةً لهم على ما حصَل من المحْلِ في البلاد، وبعثهم ليأخذوا ذلك، فعندما طلعوا القلعة شَهَروا سيوفهم ومَلَكوها، فقَبَض الأمير أحمد الساقي على عِدَّة من الأمراء، وطلع بحريمِه إلى القلعة وحَصَّنَها، وأخذ مماليكُه قمارى، وأتوه به فكتب السلطان لنائب غزة ونائب الشام تجريدَ العسكر إليه، ورسَمَ بالإفراج عن فياض بن مهنا وعيسى بن حسن الهجان أمير العايد، وخلَعَ عليه وجهَّزه، وأخذت الهجن من جمال الدين بقر أمير عرب الشرقية، وأعيدت إلى علي بن حسن، وكانت الأراجيفُ قد كثرت بأن الأمير طاز قد تحالف هو والأمير بيبغا روس بعقبة أيلة، فخرج الأمير فياض وعيسى بن حسن أمير العايد؛ ليقيما على عقبة أيلة، بسبب بيبغا روس، وكتب لعرب شطي وبني عقبة وبني مهدي بالقيامِ مع الأمير فضل، وكتب لنائب غزَّة بإرسال السوقة إلى العقبة.
#3046
العام الهجري :751الشهر القمري : ذي الحجةالعام الميلادي :1351
الإغارة على الموصل .
قَدِمَ الخَبَرُ بأنَّ هند وهو أحَدُ الأكراد استولى على بلاد الموصل، وصار في جمعٍ كبير يقطَعُ الطريقَ، والتحق به نجمة التركماني، فاستنابه وتقوَّى به وركب من مندر إلى سنجار وتحصَّن بها، وأغار على الموصِلِ ونَهَب وقتل، ومضى إلى الرَّحبة وأفسَدَ بها، ومشى على بلاد ماردين ونهبها، فخرجت إليه عساكِرُ الشام، وحصروه بسنجار ومعهم عسكر ماردين، ونصبوا عليها المنجنيقَ مدَّة شهر حتى طلب هند الأمانَ، على أنه يقيمُ الخُطبةَ للسلطان، ويبعث بأخيه ونجمة في عَقدِ الصلح، وبقَطعِ قطيعة يقومُ بها كل سنة، فأمَّنَه العسكر، وسَرَوا عنه بأخيه ونجمة إلى حلب، فحُمِلَ نجمة ورفيقه إلى مصر، فلما نزلا منزلةَ قانون هرب نجمةُ.
#3047
العام الهجري :752الشهر القمري : جمادى الآخرةالعام الميلادي :1351
عزل السلطان الناصر بن قلاوون وتولية أخيه الصالح صلاح الدين .
توعَّكَ السلطانُ المَلِكُ الناصر حسن بن محمد بن قلاوون ولَزِمَ الفراشُ أيامًا، فبلغ الأميرَ طاز ومغلطاي ومنكلي بغا أنَّه أراد بإظهار توعُّكِه القَبضَ عليهم إذا دخلوا إليه، وأنَّه قد اتَّفَقَ مع قشتمر وألطنبغا الزامر وملكتمر المارديني وتنكز بغا على ذلك، وأن ينعِمَ عليهم بإقطاعاتِهم وإمراتهم، فواعدوا أصحابَهم، واتَّفَقوا مع الأمير بيبغا ططر حارس الطير النائب، والأمير طيبغا المجدي والأمير رسلان بصل، وركبوا يوم الأحدِ سابِعَ عشر جمادى الآخرة بأطلابِهم، ووقفوا عند قبة النصر، فخرج السلطانُ إلى القصر الأبلق، وبعث يسألُهم عن سبب ركوبهم، فقالوا: "أنت اتفقت مع مماليكِك على مَسْكِنا، ولا بدَّ من إرسالهم إلينا، فبعث السلطانُ إليهم تنكز بغا وقشتمر وألطنبغا الزامر وملكتمر، فعندما وصلوا إليهم قَيَّدوهم، وبَعَثوهم إلى خزانة كايل، فسُجِنوا بها، فشَقَّ ذلك على السلطان، وقال: " قد نزلت عن السَّلطنةِ "، وسير إليهم النمجاة، فسلَّموها للأمير طيبغا المجدي، وقام السلطانُ إلى حريمه، فبعث الأمراءُ الأمير صرغتش، ومعه الأمير قطلوبغا الذهبي وجماعة؛ ليأخُذَه ويحبِسَه، فأخرجه صرغتمش وقد غطَّى وجهه إلى الرحبة، فلما رآه الخدام والمماليك تباكَوا عليه بكاءً كثيرًا، وطلع صرغتمش به إلى رُواق فوق الإيوان، ووكَلَ به من يحفَظُه، وعاد إلى الأمراء، وكانت مُدَّتُه ثلاث سنين وتسعة أشهر وأربعة عشر يومًا، منها مُدَّة الحجر عليه ثلاث سنين، ومدة استبداده تسعة أشهر، وكان القائِمُ بدولته الأمير شيخو رأس نوبة، ثم تولَّى صلاح الدين صالح بن الناصر محمد بن قلاوون حيث أقيمَ سُلطانًا بعد خَلْعِ أخيه الناصر حسن، وكان عمره أربع عشرة سنة، في يوم الاثنين ثامن عشر جمادى الآخرة، وذلك أنَّ الأمراء لَمَّا حُمِلَت إليهم النمجاة، باتوا ليلة الاثنين بإسطبلاتهم، وبكَّروا يوم الاثنين إلى القلعة، واجتمعوا بالرحبة داخل باب النحاس، وطلَبوا الخليفةَ والقضاة وسائر أهل الدولة، واستدعَوا به، فلمَّا خرج إليهم ألبَسوه شِعارَ السلطنة، وأركبوه فرسَ النوبة من داخل باب الستارة، ورُفِعَت الغاشية بين يديه، وكان الأميرُ طاز والأمير منكلي بغا الفخري آخذَينِ بشكيمةِ الفَرَسِ حتى جلس على التخت، وحَلَفوا له، وحلَّفوه على العادة، ولقَّبوه بالملك الصالح، ونودِيَ بسَلطنتِه في القاهرة ومصرَ.
#3048
العام الهجري :753الشهر القمري : صفرالعام الميلادي :1352
احتراق باب جيرون أحد الأبواب المشهورة لمدينة دمشق .
في ليلة الاثنين سادس عشر صفر في هذه السنة وقَعَ حَريقٌ عظيم عند باب جيرون شرقيَّه فاحترق به دكان القفاعي الكبيرة المزخرفة وما حولها، واتَّسع اتساعًا عظيمًا، واتَّصَل الحريق بالباب الأصفر من النحاس، فبادر ديوان الجامع إليه فكَشَطوا ما عليه من النحاس ونقلوه من يومه إلى خزانة الحاصل، بمقصورة الحلبية، بمشهد علي، ثم عَدَوا عليه يكَسِّرون خشبه بالفؤوس الحداد، والسواعد الشداد، وإذا هو من خشب الصنوبر الذي في غاية ما يكونُ مِن القوة والثبات، وتأسَّفَ الناس عليه؛ لكونه كان من محاسِنِ البلد ومعالمه، وله في الوجودِ ما ينَيِّفُ عن أربعة آلاف سنة، وباب جيرون المشهور بدمشق هو باب سر في جامع دمشق لم يُرَ باب أوسع ولا أعلى منه، فيما يُعرَفُ من الأبنية في الدنيا، وله عَلَمان من نحاس أصفر بمسامير نحاس أصفر أيضًا بارزة، من عجائبِ الدنيا، ومحاسن دمشق ومعالِمها، وقد تم بناؤها، وقد ذكَرَته العَرَبُ في أشعارها والناس، وهو منسوب إلى ملك يقال له جيرون بن سعد بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وهو الذي بناه، وكان بناؤه له قبل الخليلِ عليه السلام، بل قبل ثمود وهود أيضًا، على ما ذكره الحافِظُ ابن عساكر في تاريخه وكان فوقه حصنٌ عظيم، وقَصرٌ منيف، ويقال: بل هو منسوب إلى اسم المارد الذي بناه لسليمان عليه السلام، وكان اسمُ ذلك المارد جيرون، والأولُ أظهَرُ وأشهَرُ، فعلى الأول يكونُ لهذا الباب من المُدَد المتطاولة ما يقارب خمسة آلاف سنة، ثم كان انجعاف هذا الباب لا من تلقاء نفسِه بل بالأيدي العاديةِ عليه، بسبب ما ناله من شَوطِ الحريق، وذكر ابن كثير: "أن أبواب دمشق كانت سبعةً كُلٌّ منها يُتَّخَذُ عنده عيدٌ لهيكل من الهياكل السبعة، فبابُ القمر باب السلامة، وكانوا يسمونَه باب الفراديس الصغير، ولعطارد باب الفراديس الكبير، وللزهرة باب توما، وللشمس الباب الشرقي، وللمريخ باب الجابية، وللمشتري باب الجابية الصغير، ولزحل باب كيسان"