بعد أن رأى الصليبيون أعمال المغول التتار في البلاد التي يسيرون إليها ويحتلُّونها وشناعَتَهم ووحشيَّتَهم وما فعلوه في روسيا وبولندا من غزوهم أوروبا. قام البابا غريغور التاسع بالدعوة إلى حرب صليبية، ولكن هذه المرة ضد المغول، وليس ضد المسلمين، علمًا بأنَّه قد قيل إن الصليبيين هم من حرَّضوا المغول على التحرك إلى بلاد المسلمين خوارزم وأذربيجان وغيرها؛ وذلك حتى يجعلوا المسلمين بين فكَّي كماشة: من الشرق المغول، ومن الغرب الصليبيين، ولكن لما رأوا استفحالَ أمر المغول واختلاطهم بالمسلمين، أصبحوا يخافون أن يُسلِموا، وبالتالي يصبح مصيرهم مصير التتر الذين أسلموا وأصبحوا قوَّةً للإسلام بعد أن كانوا قوةً عليها.
#2534
العام الهجري :637الشهر القمري : صفرالعام الميلادي :1239
استيلاء الصالح إسماعيل والمجاهد أسد الدين على دمشق .
استهلت هذه السَّنةُ وسلطانُ دمشق نجم الدين الصالح أيوب بن الكامل مخيِّم عند نابلس، يستدعي عمَّه الصالح إسماعيل؛ ليسيرَ إلى الديارِ المصريةِ؛ لأخْذِها من صاحبها العادل بن الكامل، فلما كان يومُ الثلاثاء السابع والعشرين من صفر هجم الملك الصالح إسماعيل وفي صحبته المجاهِدُ أسد الدين شيركوه صاحب حمص على دمشقَ، فدخلاها بغتةً من باب الفراديس، فنزل الصالح إسماعيل بدارِه من درب الشعارين، ونزل صاحِبُ حمص بداره، وجاء نجم الدين بن سلامة فهنأ الصالحَ إسماعيل، وأصبحوا فحاصروا القلعةَ وبها المغيث عمر بن الصالح نجم الدين، ونَقَبوا القلعة من ناحية باب الفرج، وهتَكوا حُرمَتَها ودخلوها وتسَلَّموها واعتقلوا المغيثَ في برج هنالك، ولما وصل الخبَرُ بما وقع إلى الصالح أيوب تفَرَّق عنه أصحابه والأمراء خوفًا على أهاليهم من الصالحِ إسماعيلَ، وبَقِيَ الصالح أيوب وحده بمماليكِه.
#2535
العام الهجري :637الشهر القمري : ربيع الأولالعام الميلادي :1239
وقعة بين الفرنج والعسكر المصري .
في يوم الأحد رابع عشر ربيع الأول وقع بين الفرنج وبين العسكر المصري المقيم بالساحلِ حَربٌ، انحسَرَ فيها الفرنج، وأُخِذَ من الفرنج ملوكُهم وأكنادُهم، وثمانون فارسًا، ومائتان وخمسون راجلًا وصَلوا إلى القاهرة، وقُتِلَ منهم ألف وثمانمائة، ولم يُقتَل من المسلمين غيرُ عشرة رجال.
#2536
العام الهجري :637الشهر القمري : ربيع الأولالعام الميلادي :1239
انتهاء مدة صلح يافا مع الصليبيين .
انتهت مدةُ الصلح المعقود بين الملك الكامل بن الملك العادل وبين فردريك الثاني ملك الألمان على ما ذكرناه سنة 624، وكانت المدة عشر سنوات، وكان بموجبه قد تسلم الصليبيون القدس، وبه نَصَّب فردريك نفسه ملكًا على القُدسِ.
#2537
العام الهجري :637الشهر القمري : ربيع الآخرالعام الميلادي :1239
تولي الشيخ عز الدين بن عبدالسلام الخطابة بجامع دمشق .
في يوم الأربعاءِ ثالث ربيع الآخر وليَ الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي خَطابةَ جامِعِ دمشقِ.
#2538
العام الهجري :637الشهر القمري : جمادى الأولىالعام الميلادي :1239
استرداد القدس من الصليبيين .
في أثناءِ الاختلاف بين الملوك التركمان استغل الفرنجُ الوضع فعَمَروا في القُدسِ قلعةً، وجعلوا برجَ داود أحدَ أبراجها، وكان قد تُرِكَ لَمَّا خرب الملك المعظم أسوارَ القُدس، فلما بلغ الناصرَ داود بن الملك المعظَّم صاحب الكرك والأردن عمارةُ هذه القلعة، سار إلى القدسِ ورمى عليها بالمجانيقِ حتى أخَذَها، بعد واحد وعشرين يومًا في يوم تاسع جمادى الأولى عَنوةً بمن معه من عسكر مصر، وتأخَّر أخْذُ برج داود إلى خامس عشر فأُخِذَ من الفرنج صلحًا على أنفُسِهم دون أموالهم، وعَمَر الناصِرُ برج داود واستولى على القُدسِ، وأخرج منه الفرنجَ، فساروا إلى بلادِهم.
#2539
العام الهجري :637الشهر القمري : رمضانالعام الميلادي :1240
خلع الملك العادل صاحب مصر وتعيين الملك الصالح نجم الدين .
بعد استيلاء الصالح إسماعيل والمجاهد أسد الدين شيركوه على دمشقَ ولَمَّا وصل الخبر إلى الصالح نجم الدين وهو مقيمٌ في نابلس يتجهَّزُ للمسير إلى مصر، افتَرَق عنه عسكرُه وبقي وحيدًا، فاستغل الفرصةَ الملك الناصر داودُ بن الملك المعظَّم صاحب الكرك والأردن فأرسل إليه من أخَذَه من نابلس مهانًا على بغلةٍ بلا مهماز ولا مُقَدمة، فاعتقله عنده سبعةَ أشهر، فأرسل العادِلُ من مصر إلى الناصر ِيطلب منه أخاه الصالحَ أيوبَ، ويعطيه مائة ألف دينار، فما أجابه إلى ذلك، بل عكس ما طلب منه بإخراجِ الصالحِ مِن سجنه والإفراج عنه وإطلاقه من الحبسِ، فعند ذلك حاربت الملوك من دمشق ومصر وغيرهما الناصرَ داود، وبرز العادِلُ من الديار المصرية إلى بلبيس قاصدًا قتال الناصر داود، فاضطرب الجيشُ عليه واختلفت الأمراءُ، وقَيَّدوا العادل واعتقلوه في خركاه- بيت من الخشب- وخُلِعَ العادل في يوم الجمعة تاسع شوال، فكانت مُدَّة ملكه سنتين وشهرين وثمانية عشر يومًا، وأرسلوا إلى الصالحِ أيوب يستدعونه إليهم، فامتنع الناصرُ داود من إرساله حتى اشتَرَط عليه أن يأخذ له دمشق وحمص وحلب وبلاد الجزيرة وبلاد ديار بكر ونصف مملكة مصر، ونصف ما في الخزائن من الحواصل والأموال والجواهر، فأجاب الصالحُ أيوب إلى ذلك مُكرهًا، وهو خائِفٌ أن تكونَ هذه الكائنة من المصريين مكيدةٌ، فلمَّا وصل الصالح أيوب إلى المصريين مَلَّكوه عليهم ودخل الديار المصرية سالِمًا مُؤيَّدًا منصورًا، مظفرا محبورًا مسرورًا، فأرسل إلى الناصر داود عشرين ألف دينار فرَدَّها عليه ولم يقبَلْها منه، واستقَرَّ مُلكه بمصر.
#2540
العام الهجري :637الشهر القمري : ذي الحجةالعام الميلادي :1240
ولاية الملك الصالح نجم الدين أيوب على مصر .
بعد وفاة الملك الكامل محمد سنة 635 (1238م) تعرضت الدولة الأيوبية في مصر والشام لخطر الانقسام والفوضى، فاستولى الصالح نجم الدين أيوب على دمشق سنة 636 (1239م)، وكان هذا إيذانًا بدخوله في صراعٍ مع أخيه الملك العادل الصغير بن الكامل الذي خلَف أباه على حكم مصر والشام، واستعان كلٌّ منهما بأنصارٍ مِن البيت الأيوبي للوقوفِ في وجه الآخر، وفي غمرة الصراع قفَزَ عمُّهما الصالح إسماعيل على دمشق واستولى عليها، وطرد الصالحَ أيوب منها، والذي وقع في قبضة الناصرِ داود بن الملك المعظم صاحب الأردن والكرك، ثمَّ لم يلبث أن أفرَجَ عنه، واتفقا معًا على القيام بحملةٍ عسكرية على مصر والاستيلاء عليها من قبضة العادِلِ الصغير, وقد كانت الظروفُ مُهَيَّأة تمامًا لنجاح حملة الصالحِ أيوب؛ فكبار أمراء العادلِ الصغير مستاؤون منه لاحتجابه عنهم، وانشغاله باللهو واللعب عن تدبير شئون الدولة، فقبضوا على سلطانهم اللاهي واستدعوا أخاه الصالح نجم الدين أيوب لتولي مقاليد البلاد الذي دخل القاهرة في 25 ذي الحجة 637 (17 يوليو 1238م) وجلس على عرشها، واستأثر بها دون الناصر داود.
#2541
العام الهجري :638العام الميلادي :1240
ثورة المسلمين على الملك الصالح إسماعيل في دمشق .
بعد أن بدأ الخلاف في البيت الأيوبي وخاف كل أميرٍ من الآخر، لم يجدوا سبيلًا إلا الاستنجاد بالكُفَّار على إخوانهم، وتعهدوا لهم بعهودٍ ومواثيق وتسليمِ للبلاد, فسَلَّم الملك الصالح إسماعيل صاحب دمشق حصن شقيف أرنون لصاحب صيدا الفرنجي وسلَّمه غيرها من المدن، فاشتد الإنكارُ عليه من الناس عامَّةً؛ بسبب ذلك، حتى إن الشيخ عز الدين بن عبد السلام خطيب البلد، والشيخ أبا عمرو بن الحاجب شيخ المالكية ندَّدا به وقطعا الخطبة له، فاعتقلهما مدةً ثم أطلقهما وألزمهما منازِلَهما، وولى الخطابةَ وتدريس الغزالية لعماد الدين داود بن عمر بن يوسف المقدسي خطيب بيت الأبار، ثم خرج الشيخان من دمشق، فقصد أبو عمرو الناصر داود بن الملك المعظَّم بالكرك، ودخل الشيخ عز الدين الديارَ المصريَّة.
#2542
العام الهجري :638العام الميلادي :1240
انتقال الشيخ عز الدين بن عبدالسلام إلى مصر .
لَمَّا أطلق الملك الصالح إسماعيل صاحب دمشق سراح الشيخ عز الدين بن عبد السلام من سجنه بسبب إنكاره عليه تسليمَه أراضي المسلمين للصليبيين، ترك الشام وانتقل إلى الديار المصريَّة، فتلقاه صاحبها الملك الصالح نجم الدين أيوب بالاحترامِ والإكرامِ، وولَّاه خطابة القاهرة وقضاءَ مصر، واشتغل عليها أهلُها، فكان ممن أخذ عنه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد- رحمهما الله تعالى.
#2543
العام الهجري :638العام الميلادي :1240
النزاع بين الملوك الأيوبيين واستنجادهم بالصليبيين .
استولى الصالح نجم الدين أيوب على مصر، ثم استولى عمه الصالح إسماعيل على دمشق، ثم إن الناصر داود بن الملك المعظَّم الذي كان أطلق الصالح نجم الدين أيوب مِن أسرِه إلى مصر فمَلَكها على أن يعطيه بعضَ البلاد فخلفه، فانحاز إلى الصالح إسماعيل ومعهم كذلك صاحب حمص، كل هذه الأمور من النزاعات بين أمراء البيت الأيوبي أدت إلى تولد شرارة الحرب بينهم، فخاف الصالح عماد الدين صاحب دمشق من الملك الصالح نجم الدين صاحب مصر، فكاتب الفرنج، واتفق معهم على معاضدته ومساعدتِه، ومحاربة صاحب مصر، وأعطاهم قلعةَ صفد وبلادها، وقلعة الشقيف وبلادها، ومناصفة صيدا وطبرية وأعمالها، وجبلَ عاملة وسائر بلاد الساحل، وعزم الصالح عماد الدين على قصد مصر لِمَا بلغه من القبض على المماليك الأشرفية والخُدَّام ومُقَدَّمي الحلقة وبعض الأمراء، وأن من بقي من أمراء مصر خائف على نفسه من السلطان، فتجهَّز وبعث إلى المنصور صاحب حمص، وإلى الحلبيين وإلى الفرنج يطلب منهم النجدات، وأذن الصالح إسماعيل للفرنج في دخول دمشق وشراء السلاحِ، فأكثروا من ابتياع الأسلحة وآلات الحرب من أهل دمشق، فأنكر المسلمون ذلك، ثمَّ برز الصالح إسماعيل من دمشق، ومعه عساكِرُ حمص وحلب وغيرها، وسار حتى نزل بنهر العوجاء، فبلغه أن الناصر داود قد خيم على البلقاء، فسار إليه، وأوقع به، فانكسر الناصرُ داود، وانهزم إلى الكرك وأخذ الصالحُ أثقاله، وأسَرَ جماعة من أصحابه، وعاد إلى العوجاء وقد قَوِيَ ساعده واشتدت شوكتُه، فبعث يطلب نجدات الفرنج، على أنَّه يعطيهم جميع ما فتحه السلطان صلاح الدين يوسفُ، ورحل ونزل تل العجول فأقام أيامًا، ولم يستطع عبور مصر، فعاد إلى دمشق؛ وذلك أن الملك الصالح نجم الدين لما بلغه حركة الصالح إسماعيل من دمشق ومعه الفرنج، جرَّد العساكِرَ إلى لقائه، فألقاهم، وعندما تقابل العسكران ساقت عساكر الشام إلى عساكر مصر طائعةً، ومالوا جميعًا على الفرنج، فهزموهم وأسَرُوا منهم خلقًا لا يُحصَون، وبهؤلاء الأسرى عَمَرَ السلطان الملك الصالح نجم الدين قلعةَ الروضة، والمدارس الصالحية بالقاهرة، ثم تمَّ الصلح مع الفرنج، وأطلق الملك الصالح نجم الدين الأسرى بمصر من الجنود والفرسان والرجَّالة.
#2544
العام الهجري :638العام الميلادي :1240
وصول رسالة من ملك المغول إلى المسلمين .
وصل رسول التتار من ملكهم خاقان إلى الملك المظفَّر شهاب الدين غازي بن العادل، صاحب ميافارقين، ومعه كتاب إليه وإلى ملوك الإسلام، عنوانه: من نائب رب السماء، سامح وجه الأرض، ملك الشرق والغرب، قاقان، فقال الرسول لشهاب الدين صاحب مياقارفين: قد جعلك قاقان سلاحَ داره، وأمرك أن تخربَ أسوار بلدِك، فقال له شهاب الدين: أنا من جملةِ الملوك، وبلادي حقيرةٌ بالنسبة إلى الروم والشام ومصر، فتوجَّهْ إليهم، وما فعلوه فعَلْتُه، وكان يريد مَلِكُ المغول من كل أمراء المسلمين أن يُخرِبوا أسوار كل المدن الإسلامية ويدخلوا في طاعتِه.