هو السُّلطانُ مُعِزُّ الدِّينِ أبو الحارِثِ سنجر بن ملكشاه بن ألب أرسلان بن جغريبك بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق؛ الغُزِّيُّ، التُّركيُّ، السَّلجوقيُّ سُلطانُ خراسان وغُزنَة وما وَراءَ النَّهرِ. كانت وِلادَتُه يومَ الجُمعةِ لِخَمسٍ بَقِينَ من رجب سَنةَ 479هـ بظاهِرِ مَدينةِ سنجار، ولذلك سُمِّيَ بسنجر. نَشأَ ببلادِ الخَزَر، ثم سَكنَ خراسان. كان مِن أَعظمِ المُلوكِ هِمَّةً، وأَكثرِهم عَطاءً، ذُكِرَ عنه أنه اصطَبَحَ خَمسةَ أيامٍ مُتوالِيَة ذَهَبَ في الجُودِ بها كلَّ مَذهَبٍ، فبَلَغَ ما وَهَبَهُ مِن العَينِ سبعمائة ألف دينار، غيرَ ما أَنعمَ من الخَيلِ والخِلَعِ والأَثاثِ وغيرِ ذلك. وَلِيَ نِيابةً عن أَخيهِ السُّلطانِ بركياروق سَنةَ 490هـ، ثم استَقَلَّ بالمُلْكِ في سَنةِ 512هـ. كان في أَيامِ أَخيهِ يُلَقَّب بالمَلِكِ المُظَفَّر إلى أن تُوفِّيَ أَخوهُ محمدٌ بالعِراقِ، آخرَ سَنةِ 511هـ، فتَسَلْطَنَ، وَرِثَ المُلْكَ عن آبائهِ، وزادَ عليهم، ومَلَكَ البِلادَ، وقَهَرَ العِبادَ، وكان وَقورًا حَيِيًّا، كَريمًا سَخِيًّا، مُشفِقًا، ناصِحًا لِرَعِيَّتِه، كَثيرَ الصَّفْحِ، جَلَسَ على سَريرِ المُلْكِ قَريبًا من سِتِّين سَنةً, وضُرِبَت السِّكَّةُ باسمِه في الخافِقَينِ. كان قد خُوطِبَ سنجر بالسُّلطانِ بعدَ وَفاةِ أَخيهِ محمدٍ، فاستَقامَ أَمرُه، وأَطاعَهُ السَّلاطينُ، وخُطِبَ له على أَكثرِ مَنابرِ الإسلامِ بالسَّلطَنَةِ نحوَ أربعين سَنَةً، وكان قَبلَها يُخاطَب بالمَلِكِ عِشرينَ سَنةً, ولم يَزَل أَمرُهُ عالِيًا وَجَدُّهُ مُتراقِيًا إلى أن أَسَرَهُ الغُزُّ الأَتراكُ التُّركمان، ثم إنه خُلِّصَ مِن الأَسْرِ بعدَ مُدَّةٍ وجَمَعَ إليه أَطرافَهُ بمَرو، وكاد يعودُ إليه مُلْكُه، لولا أنه أَدرَكَهُ أَجَلُه، فقد أَصابَهُ قولنج، ثم إسهال، فماتَ منه، ولمَّا مات دُفِنَ في قُبَّةٍ بَناها لِنَفسِه سَمَّاها دارَ الآخِرَةِ؛ ولمَّا وَصَلَ خَبرُ مَوتِه إلى بغداد قُطِعَت خُطبتُه، ولم يُجلَس له في الدِّيوانِ للعَزاءِ، وانقَطَع بمَوتِه استِبدادُ المُلوكِ السَّلجوقيَّة بخراسان، واستَولَى على أَكثرِ مَملَكتِه خوارزم شاه أتسز بن محمد بن أنوشتكين، وهو جَدُّ السُّلطانِ محمدِ بن تكش خوارزم شاه، فسُبحان مَن لا يَزولُ مُلْكُه. كان السُّلطانُ سنجر لمَّا حَضَرَهُ المَوتُ استَخلَفَ على خراسان المَلِكَ محمودَ بنَ محمدِ بنِ بغراجان، وهو ابنُ أُختِ السُّلطانِ سنجر، فأَقامَ بها خائِفًا من الغُزِّ، فقَصَدَ جرجان يَستَظهِر بها، وعاد الغُزُّ إلى مَرو وخراسان، واجتَمَعَ طائفةٌ من عَساكرِ خراسان على أي أبه المؤيد -أحد مماليك سنجر السلجوقي- فاستَولَى على طَرفٍ من خراسان. وبَقِيَت خراسان على هذا الاختِلالِ إلى سَنةِ أربعٍ وخمسين.
#2067
العام الهجري :552الشهر القمري : ربيع الأولالعام الميلادي :1157
جَمعٌ من الجُندِ ينَهْبُون ويقَتْلُون حجيج خُراسان .
سار حُجَّاجُ خُراسان، فلمَّا رَحَلوا عن بسطام أغار عليهم جَمعٌ من الجُندِ الخُراسانيَّة قد قَصَدوا طبرستان، فأَخَذوا من أَمتِعَتَهم، وقَتَلوا نَفرًا منهم، وسَلِمَ الباقون وساروا من مَوضِعهم، فبينما هم سائِرون إذ طَلُعَ عليهم الإسماعيليَّةُ، فقاتَلَهم الحُجَّاجُ قِتالًا عَظيمًا، وصَبَروا صَبرًا عَظيمًا، فقُتِلَ أَميرُهم، فانخَذَلوا، وأَلقَوا بأيديهم، واستَسلَموا وطَلَبوا الأَمانَ، وأَلقَوا أَسلِحَتَهم مُستَأمِنينَ، فأَخَذهم الإسماعيليَّةُ وقَتَلوهُم، ولم يُبقوا منهم إلا شِرذِمةً يَسيرَةً؛ وقُتِلَ فيهم من الأئمَّةِ والعُلماءِ والزُّهَّادِ والصُّلَحاءِ جَمعٌ كَثيرٌ، وكانت مُصيبةً عَظيمةً عَمَّت بِلادَ الإسلامِ، وخَصَّت خُراسان، ولم يَبقَ بلدٌ إلا وفيه المَأتَمُ، فلمَّا كان الغَدُ طافَ شَيخٌ في القَتلَى والجَرحَى يُنادِي يا مُسلِمين، يا حُجَّاج، ذَهبَ المَلاحِدَةُ، وأنا رَجلٌ مُسلمٌ، فمَن أرادَ الماءَ سَقَيتُه؛ فمَن كَلَّمَهُ قَتَلَهُ وأَجهَز عليه، فهَلَكوا جَميعُهم إلا مَن سَلِمَ ووَلَّى هارِبًا؛ وقَليلٌ ما هُم.
#2068
العام الهجري :552الشهر القمري : رجبالعام الميلادي :1157
كان بالشامِ زَلازلُ كَثيرةٌ قَوِيَّةٌ خَرَّبَت كَثيرًا من البلادِ، وهَلَكَ فيها ما لا يُحصَى كَثْرَةً، فخَرِبَ منها بالمرة: حماة، وشيزر، وكفر طاب، والمعرة، وأفاميا، وحِمصُ، وحِصنُ الأَكرادِ، وعرقة، واللَّاذِقِيَّة، وطَرابلُس، وأَنطاكية، وأما ما لم يَكثُر فيه الخَرابُ ولكن خَرِبَ أَكثرُه فجَميعُ الشامِ، وتَهَدَّمَت أَسوارُ البلادِ والقِلاعِ، فقام نورُ الدينِ محمودٌ في ذلك المقام المرضي، وخاف على بلادِ الإسلامِ من الفِرنجِ حيث خَرِبَت الأَسوارُ، فجَمَعَ عَساكِرَه وأَقامَ بأَطرافِ بِلادِه يُغيرُ على بلادِ الفِرنجِ ويَعمَل في الأَسوارِ في سائرِ البلادِ، فلم يزل كذلك حتى فَرغَ من جَميعِ أَسوارِ البِلاد.
#2069
العام الهجري :553العام الميلادي :1158
الحَربُ بين الغُزِّ الأَتراكِ التُّركمانِ والإسماعيليَّةِ بخُراسان .
نَزلَ جَمْعٌ من الإسماعيليَّةِ من قِلاعِهم وهُم ألفٌ وسبعمائة رَجلٍ. على طائفةٍ من الغُزِّ الأَتراكِ التُّركمانِ كانوا بنَواحِي قهستان، فأَوقَعوا بهم، فلم يَجِدوا الرِّجالَ، وكانوا قد فارَقوا بُيوتَهم، فنَهَبوا الأَموالَ، وأَخَذوا النِّساءَ والأَطفالَ، وأَحرَقوا ما لم يَقدِروا على حَملِه، وعادَ التُّركمانُ ورَأوا ما فُعِلَ بهم، فتَبِعوا أَثرَ الإسماعيليَّةِ، فأَدرَكوهُم وهُم يَقتَسِمون الغَنيمةَ، فكَبَّرُوا وحَمَلوا عليهم، ووَضَعوا فيهم السَّيفَ، فقَتَلوهُم كيف شاءوا، فانهَزَم الإسماعيليَّةُ وتَبِعَهم التُّركمانُ حتى أَفنوهُم قَتْلًا وأَسْرًا، ولم يَنجُ إلا تِسعةُ رِجالٍ.
العام الهجري :553الشهر القمري : صفرالعام الميلادي :1158
القِتالُ بين عَسكرِ العُبيدِيِّينَ (الفاطِمِيِّينَ) والفِرنج .
جَهَّزَ المَلِكُ الصالحُ أبو الغارات الأَرمنيُّ الرَّافِضيُّ وَزيرُ العاضِدِ حاكِم مصر العُبيديُّ أَربعةَ آلافٍ وأَمَّرَ عليهم شَمسَ الخِلافَةِ أبا الأَشبالِ ضِرغامًا للغارَةِ على بِلادِ الفِرنجِ، فساروا إلى تَلِّ العُجولِ وحارَبوا الفِرنجَ، فانهَزَموا من المسلمين هَزيمةً قَبيحةً عليهم. وسَيَّرَ عَسكرًا فوَاقَعوا الفِرنجَ على العَريشِ وعادوا ظافِرينَ بعِدَّةِ غَنائمَ ما بين خُيولٍ وأَموالٍ، وسار الأُسطولُ في يَومِ الجُمعةِ ثالث عشر رَبيعٍ الآخر فانثَنَى إلى تنيس في الثامنِ من شعبان وأَقلعَ منه إلى بِلادِ الفِرنجِ، وفي سادس عشر رَبيعٍ الآخَر قَدِمَ أُسطولُ الإسكندريَّةِ وقد امتَلأَت أَيدِي الغُزاةِ بالغَنائمِ، وفي رَبيعٍ الآخَر سار عَسكرٌ إلى وادي موسى فنَزَل على حِصنِ الدميرةِ وحاصَرَهُ ثمانيةَ أيامٍ، وتَوجَّه إلى الشَّوبكِ وأَغارَ على ما هنالك؛ وأَقامَ أَميرانِ على الحِصارِ وعاد بَقِيَّةُ العَسكرِ، وفي التاسعِ من جُمادَى الأُولى سار عَسكرٌ إلى القُدسِ فخَرَّبَ وعادَ بالغَنائمِ. ووَرَدَ الخَبرُ بوَقعَةٍ كانت على طبرية كُسِرَ فيها الفِرنجُ وانهَزَموا، فأَخَذَ الصَّالحُ في النَّفَقَةِ على طَوائفِ العَسكرِ، وكان جُملةُ ما أَنفقَهُ فيها مائةَ ألفِ دِينارٍ. فلمَّا تَكامَل تَجهيزُهم سَيَّرَهُم في الخامسِ من شعبان، فتَوَجَّهَت لِسَواحلِ الشامِ، وظَفرَت بمَراكِبَ من مَراكبِ الفِرنجِ وعادَت بكَثيرٍ من الغَنائمِ والأَسرَى في الثاني والعشرين من رمضان. وخَرجَ العَسكرُ في البَرِّ وقد وَرَدَ الخَبرُ بحَركَةِ مُتَمَلِّكِ العَريشِ يُريدُ الغارَةَ على أَطرافِ البِلادِ، فلمَّا بَلَغَهُ سَيْرُ العَسكرِ لم يَتحرَّك، ورَجعَ العَسكرُ.
#2072
العام الهجري :553الشهر القمري : شوالالعام الميلادي :1158
كان الغُزُّ الأَتراكُ (التُّركمانُ) قد أَقاموا بمَدينةِ بَلخ واستَوطَنُوها، وتَرَكوا النَّهْبَ والقَتْلَ ببلادِ خُراسان، واتَّفَقَت الكَلمةُ بها على طاعَةِ السُّلطانِ خاقان محمود بن أرسلان، وكان المُتَوَلِّي لِأُمورِ دَولتِه المُؤيَّدُ أي أبه -أحد مماليك سنجر- وعن رَأيِه يَصدُر محمودٌ، فلمَّا كان هذه السَّنةَ في شعبان، سار الغُزُّ من بَلخ إلى مَرو، وكان السُّلطانُ محمود بسرخس في العَساكرِ، فسار المُؤيَّد أي أبه بطائِفَةٍ من العَسكرِ إليهم، فأَوقعَ بطائفةٍ منهم، وظَفَرَ بهم، ولم يَزَل يَتْبَعُهم إلى أن دَخَلوا إلى مَرو أَوائلَ رمضان وغَنِمَ من أَموالِهم، وقَتلَ كَثيرًا وعاد إلى سرخس، فاتَّفَقَ هو والسُّلطانُ محمودٌ على قَصْدِ الغُزِّ وقِتالِهم، فجَمَعَا العَساكرَ وحَشَدَا، وسارَا إلى الغُزِّ، فالتَقوا سادسَ شَوَّال من هذه السَّنَةِ، وجَرَت بينهم حَربٌ طالَ مَداها، فبقوا يَقتَتِلون من يَومِ الاثنينِ تاسِعَ شَوَّال إلى نِصفِ اللَّيلِ من لَيلةِ الأَربعاءِ الحادي عشر من الشهرِ، تَواقَعوا عِدَّةَ وَقَعات مُتَتَابِعَة، ولم يكُن بينهم راحةٌ، ولا نُزولٌ، إلا لِمَا لا بُدَّ منه؛ انهَزَمَ الغُزُّ فيها ثلاثَ دَفعاتٍ، وعادوا إلى الحَربِ. فلمَّا أَسفرَ الصُّبحُ يومَ الأَربعاءِ انكَشَفَت الحَربُ عن هَزيمةِ عَسكرِ خُراسان وتَفَرُّقِهِم في البلادِ، وظَفَرَ الغُزُّ بهم، وقَتَلوا فأَكثَروا فيهم، وأمَّا الأَسرَى والجَرحَى فأَكثرُ من ذلك.
#2073
العام الهجري :554العام الميلادي :1159
ضَمُّ المُوَحِّدِين عَدَدًا من مَناطِقَ إفريقية .
وفي مُدَّةِ حِصارِ عبدِ المُؤمنِ للمَهديَّةِ أَطاعَتهُ صفاقسُ، وكذلك مَدينةُ طرابلس، وجِبالُ نَفُوسَة، وقُصورُ إفريقية وما وَالَاهَا، وفَتَحَ مَدينةَ قابس بالسَّيفِ، وسَيَّرَ ابنَه أبا محمدٍ عبدَ الله في جَيشٍ ففَتَحَ بِلادًا، ثم إن أَهلَ مَدينةِ قفصة لمَّا رَأوا تَمَكُّنَ عبدِ المؤمنِ أَجمَعوا على المُبادَرَةِ إلى طاعَتِه، وتَسليمِ المَدينةِ إليه.
#2074
العام الهجري :554العام الميلادي :1159
الفِتنَةُ بين الشَّافعيَّةِ والشِّيعَةِ في استراباذ .
وَقعَ في استراباذ -جرجان حاليا، شمال إيران- فِتنةٌ عَظيمةٌ بين العَلَوِيِّين ومَن يَتبَعُهم مِن الشِّيعَةِ وبين الشافعيَّةِ ومَن معهم، وكان سَببُها أن الإمامَ محمدًا الهَرويَّ وَصلَ إلى استراباذ، فعَقَدَ مَجلِسَ الوَعظِ، وكان قاضِيَها أبو نصرٍ سعدُ بن محمدِ بن إسماعيلَ النعيميُّ شافعيُّ المَذهَبِ أيضًا فثار العَلَوِيِّون ومَن يَتبَعُهم مِن الشِّيعَةِ بالشافعيَّةِ ومَن يَتبَعُهم باستراباذ، ووَقَعَت بين الطائِفَتينِ فِتنةٌ عَظيمةٌ انتَصرَ فيها العَلَوِيُّون، فقُتِلَ من الشافعيَّةِ جَماعةٌ، وضُرِبَ القاضي ونُهِبَت دارُه ودُورُ مَن معه، وجَرَى عليهم من الأُمورِ الشَّنيعةِ ما لا حَدَّ عليه، فسَمِعَ شاه مازندران الخَبرَ فاستَعظَمَهُ، وأَنكَرَ على العَلَوِيِّين فِعْلَهم، وبالَغَ في الإنكارِ مع أنه شَديدُ التَّشَيُّعِ، وقَطَعَ عنهم جِراياتٍ كانت لهم، ووَضَعَ الجِباياتِ والمُصادَراتِ على العامَّةِ، فتَفَرَّقَ كَثيرٌ منهم وعادَ القاضي إلى مَنصِبِه وسَكَنَت الفِتنةُ.
كان بَنُو نَجاحٍ يَحكُمون تِهامَة وكان أَميرُهم فاتك بن منصور الذي تُوفِّي سَنةَ 540هـ وكان ظَهَرَ في أَيامِه المَهدِيُّون، فهاجَمُوا بإِمْرَةِ عليِّ بن مَهديٍّ بِلادَ بَنِي نَجاحٍ سَنةَ 538هـ غيرَ أنَّهم هُزِمُوا وانسَحَب عليُّ بن مَهديٍّ إلى الجِبالِ، وبعدَ مَوتِ فاتك خَلَفَهُ فاتك بن محمد بن فاتك، وبَقِيَ إلى أَواخرِ هذا العامِ فكان آخِرَ مُلوكِ بَنِي نَجاحٍ ونِهايةَ دَولَتِهم به، ثم أَغارَ عليُّ بن مَهديٍّ مَرَّةً أُخرَى على زبيدٍ فاستَنجَد أَهلُها ببَنِي الرس وكان إمامُهم المُتَوَكِّلَ أحمدَ بن سُليمانَ فأَنجَدَهُم ودَفَعَ عنهم غاراتِ عليِّ بن مَهديٍّ الذي استَطاعَ دُخولَها سَنةَ 553هـ.
#2076
العام الهجري :554الشهر القمري : صفرالعام الميلادي :1159
عبد المُؤمِن قائدِ المُوَحِّدِين ينتزع مدينة المَهديَّةَ من الفرنج .
لمَّا مَلَكَ الفِرنجُ مَدينةَ المَهديَّة وفَعَلوا ما فَعَلوا في زويلة المَدينةِ المُجاوِرَةِ للمَهديَّةِ من القَتلِ والنَّهبِ، هَرَبَ منهم جَماعةٌ وقَصَدوا عبدَ المُؤمنِ صاحبِ المَغربِ، وهو بمراكش، يَستَجيرُونَه، فلمَّا وَصَلوا إليه ودَخَلوا عليه أَكرَمَهم، وأَخبَروهُ بما جَرَى على المسلمين، وأنه ليس من مُلوكِ الإسلامِ مَن يُقصَد سِواهُ، فبدَأَ بالاستِعدادِ للمَسيرِ, فلمَّا كان في صفر سَنةَ554هـ سار عن مراكش، فلم يَزَل يَسيرُ إلى أن وَصلَ إلى مَدينةِ تونس، فلمَّا نازَلَها أَرسلَ إلى أَهلِها يَدعوهُم إلى طاعَتِه، فامتَنَعوا، فقاتَلَهُم ثم نَزَلوا يَسأَلونَهُ الأَمانَ فأَجابَهُم إليه. ثم سار عبدُ المؤمن منها إلى المَهديَّةِ والأُسطولُ يُحاذِيه في البَحرِ، فوَصلَ إليها ثامنَ عشر رجب سَنةَ 554هـ، وكان حينئذٍ بالمَهديَّةِ أَولادُ مُلوكِ الفِرنجِ وأَبطالُ الفِرسانِ، وقد أَخلوا زويلةَ، فدَخلَ عبدُ المؤمنِ زويلةَ، وامتَلأَت بالعَساكرِ والسُّوقَةِ وانضافَ إليه من صنهاجة والعَربِ وأَهلِ البلادِ ما يَخرُج عن الإحصاءِ، وأَقبَلوا يُقاتِلون المَهديَّةَ مع الأَيامِ، فلا يُؤثِّر فيها لِحصَانَتِها وقُوَّةِ سُورِها وضِيقِ مَوقِعِ القِتالِ عليها، فعَلِمَ عبدُ المؤمنِ أن المَهديَّةَ لا تُفتَح بقِتالٍ بَرًّا ولا بَحرًا، لأن البحرَ دائرُ بأَكثرِها، فكأَنها كَفٌّ في البَحرِ، وزِندُها مُتَّصِلٌ بالبَرِّ، وليس لها إلا المُطاوَلَةِ، فتَمادَى الحِصارُ، وكانت الفِرنجُ تُخرِج شُجعانَهم إلى أَطرافِ العَسكرِ، فتَنال منه وتَعودُ سَريعًا؛ فأَمرَ عبدُ المؤمنِ أن يُبنَى سُورٌ من غَربِ المَدينةِ يَمنَعُهم من الخُروجِ، وأَحاطَ الأُسطولُ بها في البَحرِ، ورَكِبَ عبدُ المؤمنِ في شيني، ومعه الحَسنُ بنُ عَليٍّ الذي كان صاحِبَها، وطاف بها في البَحرِ، فهاله ما رأى من حَصانَتِها، وفي مُدَّةِ حِصارِه أَطاعَتهُ مجموعةٌ من المناطِقِ. ثم جاء أُسطولُ صاحبِ صِقلِّية فأَرسلَ إليهم مَلِكُ الفِرنجِ يَأمُرُهم بالمَجيءِ إلى المَهديَّةِ، فلمَّا قارَبَ أُسطولُ صِقلِّية المَهديَّةَ حَطُّوا شِراعَهم لِيَدخُلوا المِيناءَ، فخَرجَ إليهم أُسطولُ عبدِ المؤمنِ، ورَكِبَ العَسكرُ جَميعُه، ووَقَفوا على جانبِ البَحرِ، فاستَعظَم الفِرنجُ ما رَأوهُ من كَثرةِ عَساكرِ المُوَحِّدِين، ودَخلَ الرُّعبُ قُلوبَهم، فاقتَتَلوا في البَحرِ، فانهَزَمَت شواني الفِرنجِ، وتَبِعَهم المسلمون، فأَخَذوا منهم سبعَ شوان. ويَئِسَ أَهلُ المَهديَّةِ حينئذٍ من النَّجدَةِ، وصَبَروا على الحِصارِ سِتَّةَ أَشهُر، فنَزلَ حينئذٍ من فِرسانِ الفِرنجِ إلى عبدِ المؤمنِ عَشرةٌ وكان قُوتُهُم قد فَنِيَ حتى أَكَلوا الخَيْلَ, وسَألوا الأَمانَ لمن فيها من الفِرنجِ على أَنفُسِهم وأَموالِهم لِيَخرُجوا منها ويَعودُوا إلى بِلادِهم، فعَرَض عليهم الإسلامَ، ودَعاهُم إليه فلم يُجيبوا، ولم يَزالوا يَتَردَّدُون إليه أيامًا واستَعطَفوهُ بالكَلامِ اللَّيِّنِ، فأَجابَهُم إلى ذلك، وأَمَّنَهُم وأَعطاهُم سُفُنًا فرَكِبوا فيها وساروا، وكان الزَّمانُ شِتاءً، فغَرِقَ أَكثرُهم ولم يَصِل منهم إلى صِقلِّية إلا النَّفَرُ اليَسيرُ. ودَخلَ عبدُ المؤمن المَهديَّةَ بُكرَةَ عاشوراء من المُحرَّم سنةَ 555هـ، وسَمَّاها عبدُ المؤمن سَنةَ الأَخماسِ، وأَقامَ بالمَهديَّةِ عِشرينَ يَومًا، فرَتَّبَ أَحوالَها، وأَصلَح ما انثَلَمَ من سُورِها، ونَقَلَ إليها الذَّخائِرَ من القُوَّاتِ والرِّجالِ والعَدَدِ، واستَعمَلَ عليها أَحَدَ أَصحابِه، وجَعلَ معه الحَسنَ بن عليٍّ الذي كان صاحِبَها، وأَمَرَهُ أن يَقتَدِي بَرأيِه في أَفعالِه، وأَقطَعَ الحَسنَ بها أَقطاعًا، وأَعطاهُ دُورًا نَفيسةً يَسكُنُها، وكذلك فَعلَ بأَولادِه، ورَحلَ من المَهديَّةِ أوَّلَ صَفر من السَّنَةِ إلى بِلادِ المَغرِب.