نَبع

الأحداث التاريخية

رحلة عبر الزمن في تاريخنا الإسلامي العريق

#1897
العام الهجري :523الشهر القمري : رمضانالعام الميلادي :1129

استئصال الإسماعيلية بدمشق .

قُتِلَ إبراهيم الأسداباذي الباطني ببغداد، وهرب ابن أخته بهرام داعية الباطنية إلى الشام، وملكَ قلعة بانياس، وسار إليها، والتحق بدمشق فدعمه المزدقاني وزير تاج الملوك صاحب دمشق، ولما فارق بهرام دمشق أقام له بها خليفةً يدعو الناس إلى مذهبه، فكثُروا وانتشروا، وملك هو عدةَ حصون من الجبال منها القدموس وغيره، وكان بوادي التيم، من أعمال بعلبك، أصحاب مذاهب مختلفة من النصيرية، والدرزية، والمجوس، وغيرهم، وأميرُهم اسمه الضحاك، فسار إليهم بهرام سنة 522 وحصرهم وقاتلهم، فخرج إليه الضحاكُ في ألف رجل، وكبس عسكر بهرام فوضع السيف فيهم، وقتل منهم مقتلة كثيرة، وقُتِل بهرام وانهزم مَن سَلِمَ، وعادوا إلى بانياس على أقبح صورة، وكان بهرام قد استخلف في بانياس رجلًا من أعيان أصحابه اسمه إسماعيل، فقام مقامه، وجمع شمل من عاد إليه منهم، وبثَّ دُعاتَه في البلاد، وعاضده المزدقاني أيضًا، وقوَّى نفسه على ما عنده من الامتعاض بهذه الحادثة والهمِّ بسببها، ثم إن المزدقاني أقام بدمشق عِوَضَ بهرام إنسانًا اسمُه أبو الوفاء، فقَوِيَ أمرُه وعلا شأنه وكثُر أتباعه، وقام بدمشق، فصار المستوليَ على من بها من المسلمين، وحُكمُه أكثَرَ مِن حُكمِ صاحبها تاج الملوك. ثم إن المزدقاني راسل الفرنجَ ليسلم إليهم مدينة دمشق، ويسلِّموا إليه مدينة صور، واستقرَّ الأمر بينهم على ذلك، وتقرَّر بينهم الميعاد يوم جمعة ذكروه، وقرَّر المزدقاني مع الإسماعيلية أن يحتاطوا ذلك اليومَ بأبواب الجامع، فلا يُمكِّنوا أحدًا من الخروج منه؛ ليجيء الفرنج ويملكوا البلاد، وبلغ الخبر تاج الملوك، صاحب دمشق، فاستدعى المزدقاني إليه، فحضر وخلا معه، فقتله تاج الملوك، ثم أحرق بدنه وعلَّق رأسه على باب القلعة، ونادى في البلد بقَتلِ الباطنية، وانقلب البلدُ بالسرور وحَمْد الله، وثارت الأحداث والشطَّار في الحال بالسيوف والخناجر يقتلون من رأوا من الباطنية وأعوانهم. ومن يُتَّهمُ بمذهبهم، وتتبَّعوهم حتى أفنوهم، وامتلأت الطرق والأسواق بجِيَفِهم، فقُتِل منهم ستة آلاف نفس، وكان يومًا مشهودًا أعزَّ الله فيه الإسلامَ وأهله، وأُخِذ جماعة أعيان منهم شاذي الخادم تربية أبي طاهر الصائغ الباطني الحلبي، وكان هذا الخادِمُ رأسَ البلاء، فعُوقِبَ عقوبة شَفَت القلوب، ثم صُلِب هو وجماعةٌ على السور. وبقي حاجب دمشق يوسف فيروز، ورئيس دمشق أبو الذواد مفرج بن الحسن ابن الصوفي يلبسان الدروع، ويركبان وحولهما العبيد بالسيوف، لأنهما بالغا في استئصال شأفة الباطنية. وكان ذلك منتصفَ رمضان، وكفى الله المسلمين شرهم، وردَّ على الكافرين كيدَهم، ولما تمَّت هذه الحادثة بدمشق على الإسماعيلية خاف إسماعيل والي بانياس أن يثور به وبمن معه الناسُ فيهلكوا، فراسل الفرنج، وبذل لهم تسليمَ بانياس إليهم، والانتقالَ إلى بلادهم، فأجابوه، فسَلَّم القلعة إليهم، وانتقل هو ومن معه من أصحابه إلى بلادِهم، ولَقُوا شدةً وذِلَّةً وهوانًا، وتوِّفي إسماعيل أوائل سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وكفى الله المؤمنين شَرَّهم.

#1898
العام الهجري :523الشهر القمري : ذي الحجةالعام الميلادي :1129

محاصرة الفرنجة دمشق وانتصار أهلها عليهم .

لما بلغ الفرنجَ قتلُ أبي علي طاهر بن سعيد المزدقاني وزير دمشق الذي كان قد راسلهم على تسليمِهم دمشق؛ عَظُم عليهم ذلك، وتأسَّفوا على دمشق؛ حيث لم يتمَّ لهم ملكها، وعمَّتهم المصيبة، فاجتمعوا كلُّهم: صاحب القدس، وصاحب أنطاكية، وصاحب طرابلس، وغيرُهم من الفرنج وقمامصتهم، ومن وصل إليهم في البحر للتجارة والزيارة، فاجتمعوا في خلق عظيم نحو ألفي فارس، وأما الراجل فلا يُحصى، وساروا إلى دمشق ليحصُروها، ولما سَمِعَ تاج الملوك بذلك جمع العرب والتركمان، فاجتمع معهم ثمانية آلاف فارس، ووصل الفرنجُ في ذي الحجة، فنزلوا البلد، وأرسلوا إلى أعمال دمشق لجمع الميرة والإغارة على البلاد، فلما سمع تاج الملوك أن جمعًا كثيرًا قد ساروا إلى حوران لنهبه وإحضار الميرة؛ سَيَّرَ أميرًا من أمرائه، يعرف بشمس الخواص، في جمعٍ من المسلمين إليهم، وكان خروجُهم في ليلة شاتية كثيرة المطر، ولَقُوا الفرنجَ مِن الغدِ فواقعوهم، واقتتلوا وصبر بعضُهم لبعض، فظفر بهم المسلمون وقتلوهم، فلم يُفلِت منهم غيرُ مُقدَّمِهم ومعه أربعون رجلًا، وأخذوا ما معهم، وهي عشرة آلاف دابة مُوقَرة، وثلاثمائة أسير، وعادوا إلى دمشق لم يمسَسْهم قرحٌ. فلما علم مَن عليها من الفرنج ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب، فرحلوا عنها شبه المنهزمين، وأحرقوا ما تعذَّر عليهم حملُه من سلاح وميرة وغير ذلك، وتبعهم المسلمون، والمطر شديد، والبرد عظيم، يقتلون كلَّ من تخلف منهم، فكثُرَ القتلى منهم، وكان نزولُهم ورحيلُهم في ذي الحجة.

#1899
العام الهجري :524العام الميلادي :1129

فتح عماد الدين الزنكي حصن الأثارب وقلعة حارم وهزيمة الفرنج .

لما فرغ عماد الدين زنكي من أمرِ البلاد الشامية، حلب وأعمالها، وما ملكه، وقرَّر قواعده؛ عاد إلى الموصل، وديار الجزيرة؛ ليستريح عسكره، ثم أمرهم بالتجهُّز للغَزاة، فتجهزوا وأعدُّوا واستعدوا، وعاد إلى الشام وقَصَد حلب، فقَوِيَ عَزمُه على قصد حصن الأثارب ومحاصرته؛ لشدة ضرره على المسلمين، وهذا الحصن بين حلب وبين أنطاكية، وكان مَن به من الفرنج يقاسمون حلب على جميع أعمالها الغربية، وكان أهل البلد معهم في ضرٍّ شديد وضيق كل يوم؛ قد أغاروا عليهم، ونهبوا أموالهم. فلما رأى زنكي هذه الحالَ صَمَّم العزمَ على حصر هذا الحصن، فسار إليه ونازله، فلما علمَ الفرنج بذلك جمعوا فارِسَهم وراجِلَهم، وعلموا أن هذه وقعة لها ما بعدها، فحشدوا وجمعوا ولم يتركوا من طاقتهم شيئًا إلا استنفدوه، فلما فرغوا من أمرهم ساروا نحوه، ثم ترك عماد الدين الحصن وتقدم إليهم، فالتقوا واصطفُّوا للقتال، وصبر كلُّ فريق لخصمه، واشتدَّ الأمر بينهم، ثم إن الله تعالى أنزل نصره على المسلمين فظفروا، وانهزم الفرنج أقبحَ هزيمة، ووقع كثيرٌ من فرسانهم في الأَسْر، وقُتِل منهم خلق كثير، فلما فرغ المسلمون من ظَفَرِهم عادوا إلى الحصن فتسلَّموه عَنوةً، وقتلوا وأسروا كل من فيه، وأخربه عماد الدين، وجعله دكًّا، ثم سار منه إلى قلعة حارم، وهي بالقرب من أنطاكية، فحصرها، وهي أيضًا للفرنج، فبذل له أهلها نصف دخل بلد حارم وهادنوه، فأجابهم إلى ذلك،وعاد عنهم وقد استقوى المسلمون بتلك الأعمال؛ قال ابن الأثير تعليقًا على انتصارات زنكي في حصن الأثارب وقلعة حارم: "وضعفت قُوى الكافرين، وعلموا أن البلاد قد جاءها ما لم يكن لهم في حساب، وصار قصاراهم حِفظَ ما بأيديهم بعد أن كانوا قد طَمِعوا في ملك الجميع".

#1900
العام الهجري :524العام الميلادي :1129

وفاة المهدي ابن تومرت مؤسس دولة الموحدين بالمغرب الأقصى .

أبو عبد الله محمد بن عبدالله بن تومرت المصمودي، الهرغي، الخارج بالمغرب. لقَّبه أتباعه بالمهدي، وهو زعيم الموحِّدين ومؤسس دولتهم، قال الذهبي عنه: "المدعي أنه علوي حَسَني، وأنه الإمام المعصوم المهدي، محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن هود بن خالد بن تمام بن عدنان بن صفوان بن جابر بن يحيى بن رباح بن يسار بن العباس بن محمد بن الحسن بن الإمام علي بن أبي طالب. رحل من السوس الأقصى شابًّا إلى المشرق، فحجَّ وتفقَّه، وحصَّل أطرافًا من العلم، وكان أمَّارًا بالمعروف نهَّاءً عن المنكر، قويَّ النفس، زعرًا شُجاعًا، مَهيبًا قوالًا بالحق، عمَّالًا على المُلك، غاويًا في الرياسة والظهور، ذا هيبة ووقار، وجلالة ومعاملة وتألُّه، انتفع به خلق، واهتدوا في الجملة، وملكوا المدائن، وقهروا الملوك. أخذ عن: الكيا الهراسي، وأبي حامد الغزالي، وأبي بكر الطرطوشي، وجاور سنةً. وكان لهِجًا بعلم الكلام، خائضًا في مزالِّ الأقدام، ألَّف عقيدة لقَّبها (بالمرشدة) فيها توحيد وخير بانحراف، فحمل عليها أتباعه، وسمَّاهم الموحِّدين، ونبز مَن خالف (المرشدة) بالتجسيم، وأباح دمه -نعوذ بالله من الغي والهوى- وكان خَشِن العيشِ فقيرًا، قانعا باليسير، مقتصرًا على زي الفقر، لا لذة له في مأكل ولا منكح،ولا مال، ولا في شيءٍ غير رياسة الأمر، حتى لقي الله تعالى. لكنه دخل -والله- في الدماء لنيل الرياسة المُرْدِية. وكان غرامُه في إزالة المنكر والصدع بالحق، وكان يتبسَّم إلى من لقيه. وله فصاحةٌ في العربية والبربرية، وكان يُؤذى ويُضرَب ويَصبِر، فقَدِمَ المهدية وعليها يحيى بن باديس، فنزل بمسجد مُعلَّق، فمتى رأى منكرًا أو خمرًا كسَّر وبدَّد، فالتفَّ عليه جماعة، واشتغلوا عليه، فطلبه ابنُ باديس، فلما رأى حاله وسمع كلامه، سأله الدعاء، فقال: أصلحك اللهُ لرعيتك. وسار إلى بجاية، فبقي ينكر كعادته، فنُفي، فذهب إلى قرية ملالة، فوقع بها بعبد المؤمن وكان أمرد عاقلًا، فقال: يا شابُّ، ما اسمك؟ قال: عبد المؤمن. قال: الله أكبر، أنت طلبتي، فأين مقصدك؟ قال: طلب العلم. قال: قد وجدتَ العِلمَ والشرف، اصحَبْني. ونظر في حِليتِه، فوافقت ما عنده, وكان في صحبته الفقيه عبد الله الونشريسي، وكان جميلًا نحويًّا، فاتفقا على أن يُخفيَ عِلمَه وفصاحته، ويتظاهرَ بالجَهلِ واللَّكنِ مدةً، ثم يجعَلَ إظهار نفسه معجزةً، ففعل ذلك، ثم عمد إلى ستة من أجلاد أتباعه، وسار بهم إلى مراكش، وهي لابن تاشفين، فأخذوا في الإنكار، فخوَّفوا المَلِك منهم، لكنه لم يسمع منهم لما رأى فيه الديانة", حدثت بينه وبين المرابطين معارك كان آخرها هذا العام، وكان على مقربة من مراكش، وقد مرض ابن تومرت بعد هذه الوقعة وتوفي في مدينة تينملل من بلاد السوس وصار قبره مزارًا، وكان مرشحه للخلافة بعده عبد المؤمن.

#1901
العام الهجري :524العام الميلادي :1129

مصرع ملك إمارة أنطاكيا الصليبي في معركة عين زربة .

طمع كل من بوهمند الثاني أمير أنطاكية وإيلغازي بن دانشمند في الاستيلاء على الإمارة الأرمنية في كليكيا بعد وفاة الأمير الأرمني طوروس الأول، ثم وفاة ابنه قسطنطين مسمومًا بعده، فنشب القتال بينهما في سهل عين زربة، وقُتِل فيه بوهمند الثاني، فورثت ابنته كونستانس وكانت قاصرة، فقام جدُّها بودوان الثاني بالوصاية عليها حتى تكبر، ولم يكن له هو ولد، فبعث إلى لويس السادس ملك فرنسا وطلب منه اختيار أمير معروف بالشجاعة يكون خلَفًا له، فرشَّح له الأمير فولك الخامس أمير أنجو الذي تزوج ابنة بودوان الثاني، فأصبح بذلك الوريث الشرعي لمملكة بيت المقدس، وتملك كذلك مدينتي صور وعكا.

#1902
العام الهجري :524الشهر القمري : ربيع الأولالعام الميلادي :1130

حدوث زلزلة عظيمة بالعراق والجزيرة .

وقعت زلزلة عظيمة في ربيع الأول بالعراق، وبلد الجبل، والموصل، والجزيرة؛ فخرَّبت كثيرًا.

#1903
العام الهجري :524الشهر القمري : جمادى الأولىالعام الميلادي :1130

انتصار المرابطين على الموحدين أتباع ابن تومرت في موقعة البحيرة .

في هذه السنة جهَّز ابن تومرت جيشًا عليهم الونشريسي وعبد المؤمن إلى مراكش، فحصروا أمير المسلمين بمراكش عشرين يومًا، ثم سار متولي سجلماسة بالعساكر للكشف عن مراكش، وطلع أهل مراكش وأمير المسلمين واقتتلوا، فقُتِل الونشريبسي، وصار عبد المؤمن مقدَّم العسكر، واشتدَّ بينهم القتال إلى الليل، واستحَرَّ القتل بالموحِّدين, فانهزم عبد المؤمن بالعسكر إلى الجبل، ولما بلغ المهدي بن تومرت خبر هزيمة عسكره، وكان مريضًا، فاشتدَّ مرضه، وسأل عن عبد المؤمن فقالوا: سالم، فقال المهدي: لم يمت أحد، وأوصى أصحابَه باتباع عبد المؤمن وقال: هو الذي يفتح البلاد، فاعضُدوه بأنفسكم وأموالكم، وسمَّاه أمير المؤمنين، ثم مات المهدي في مرضه هذا، وعاد عبد المؤمن إلى تينمليل وأقام بها يؤلِّف قلوب الناس.

#1904
العام الهجري :524الشهر القمري : ذي القعدةالعام الميلادي :1130

اغتيال الحاكم العبيدي الفاطمي الآمر بأحكام الله .

هو حاكم مصر الفاطمي: أبو علي منصور بن المستعلي أحمد بن المستنصر معد بن الظاهر بن الحاكم، العُبيدي المصري الرافضي الظلوم. كان متظاهرًا بالمكر واللهو والجبروت. وَلِيَ وهو صغير له خمسة أعوام, فلما كبر قتَلَ الأفضل أمير الجيوش، واصطفى أموالَه وكانت تفوت الإحصاءَ، ويُضرَب بها المثل، فاستوزر بعده المأمون محمد بن مختار البطائحي، فعسف الرعية وتمرد، فاستأصله الآمر بعد أربع سنين، ثم صلبه، وقتل معه خمسة من إخوته. وفي دولة الآمر أخذت الفرنج طرابلس الشام، وصيدا، والقدس، وعكا، والحصون. ثم قصد الملك بردويل الفرنجي ديار مصر، وأخذ الفرما وهي قريبة من العريش، فأحرق جامِعَها ومساجِدَها. وفي أيامه ظهر ابن تومرت بالمغرب، خرج الآمر إلى متنزَّه له، فلما عاد وثب عليه الباطنية -النزارية وهم من الإسماعيلية الذين يعتقدون أن الإمامة كانت يجب أن تكون لنزار بن الحاكم الفاطمي- فقتلوه؛ لأنه كان سيئ السيرة في رعيته، وكانت ولايته تسعًا وعشرين سنة وخمسة أشهر. عاش خمسًا وثلاثين سنة, وكان العاشر من الحكام الفاطميين العبيديين الباطنية، هلك من غير عقب، فبايعوا ابن عم له، وهو الحافظ لدين الله.

#1905
العام الهجري :524الشهر القمري : ذي القعدةالعام الميلادي :1130

تنصيب الحافظ لدين الله حاكمًا للعبيديين الفاطميين بمصر .

لَمَّا قُتِل الآمر بحكم الله الفاطمي ولم يكن له ولد ذكَرٌ بعده، وقد كان عَهِد بالولاية لحملٍ كان ما يزال في بطنِ أمِّه منه، فوَلِيَ بعده ابن عمه الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم بن المستنصر بالله، ولم يبايَع بالحكم، وإنما بُويعَ له لينظُرَ في أمر الحمل أيكون ذكرًا أم أنثى، ويكون هو نائبًا عنه، ولما وليَ استوزر أبا علي أحمد بن الأفضل بن بدر الجمالي، واستبدَّ الوزير بالأمر، وتغلَّب على الحافظ وحجر عليه، وأودعه في خزانة، ولا يدخل إليه إلا من يريده أبو علي، وبقي الحافِظُ له اسم لا معنى تحته، ونقل أبو علي كلَّ ما في القصر إلى داره من الأموال وغيرها، ولم يزَل الأمر كذلك إلى أن قُتِل أبو علي سنة ست وعشرين وخمسمائة، فاستقامت أمور الحافظ، وحكم في دولته، وتمكَّن من ولايته وبلاده.

#1906
العام الهجري :525العام الميلادي :1130

محاولة الباطنية لاغتيال أمير تاج الملوك بوري بن طغتكين .

لما علم ابن صباح صاحب قلعة ألموت بما جرى على أشياعه الإسماعيلية بدمشق، تنمَّر وندب طائفة لقتل تاج الملوك بوري بن طغتكين، صاحب دمشق، فعيَّن اثنين في زي الجند، ثم قدما فاجتمعا بناس منهم أجناد، وتحيلا على أن صارا من السلحدانة وضمنوهما، ثم وثبا عليه في خامس جمادى الآخرة، فضربه أحدهما بالسيف قَصَد رأسه، فجرحه في رقبته جرحًا سليمًا، وضربه الآخر بسكين في خاصرته، فمرت بين الجلد واللحم, فتعلَّل من ذلك بجرحين، برأ من أحدهما، ولم يبرأ من الآخر، وبقي فيه ألمه، إلا أنه يجلس للناس، ويركب معهم على ضعف فيه، ثم اشتد عليه جرحه وأضعفه، وأسقط قوته إلى أن توفي في رجب سنة 526.

#1907
العام الهجري :525العام الميلادي :1130

تولية القضاة من عدة مذاهب في مصر .

رتَّب الوزير أبو علي بن الأفضل وزير الحاكم الفاطمي الحافظ لدين الله، في الحُكم أربعة قضاة، فصار كل قاض يحكم بمذهبِه ويُوَرِّث بمذهبه، "فكان قاضي الشافعية سلطان بن إبراهيم بن المسلم بن رشا، وقاضي المالكية أبو عبد الله محمد بن أبي محمد عبد المولى بن أبي عبد الله محمد بن عبد الله اللبني المغربي، وقاضي الإسماعيلية أبو الفضائل هبة الله بن عبد الله بن حسن بن محمد القاضي فخر الأمناء الأنصاري المعروف بابن الأزرق، وقاضي الإمامية القاضي المفضل أبو القاسم ابن هبة الله بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن أبي كامل. ولم يُسمَع بمثل هذا في الملة الإسلامية قبل ذلك"، ولم يكن بمصر منتشرًا مذهب أبي حنيفة ولا مذهب أحمد بن حنبل؛ لذا لم يكن لهما قضاة.

#1908
العام الهجري :525الشهر القمري : شعبانالعام الميلادي :1131

أسر دبيس بن صدقة وتسليمه إلى عماد الدين زنكي .

أَسَر تاج الملوك بوري بن طغتكين، صاحب دمشق، الأميرَ دبيس بن صدقة، صاحب الحلة، وسلَّمه إلى أتابك زنكي بن آقسنقر، وسببُ ذلك أن دبيس لما فارق البصرة جاءه قاصد من الشام من صرخد يستدعيه إليها؛ لأن صاحبها كان خصيًّا، فتوفي هذه السنة، وخَلَّف جارية سُرِّية له، فاستولت على القلعة وما فيها، وعَلِمَت أنَّها لا يتم لها ذلك إلا بأن تتصل برجل له قوة ونجدة، فوُصِف لها دبيس بن صدقة وكثرة عشيرته، وذُكِرَ لها حاله، وما هو عليه بالعراق، فأرسلت تدعوه إلى صرخد لتتزوج به، وتُسلِّمَ القلعة وما فيها من مال وغيره إليه. فأخذ الأدلَّاءَ معه، وسار من أرض العراق إلى الشام، فضَلَّ به الأدلاء بنواحي دمشق، فنزل بناسٍ من كلب كانوا شرقي الغوطة، فأخذوه وحملوه إلى تاج الملوك، صاحب دمشق، فحبسه عنده، وسمع أتابك عماد الدين زنكي الخبر، وكان دبيس يقع فيه وينال منه، فأرسل إلى تاج الملوك يطلب منه دبيسًا ليسلِّمَه إليه، ويُطلِقَ وَلَده، ومن معه من الأمراء المأسورين، وإن امتنع من تسليمه سار إلى دمشق وحصرها وخرَّبها ونهب بلدها، فأجاب تاج الملوك إلى ذلك، وأرسل عماد الدين زنكي سونجَ بن تاج الملوك، والأمراء الذين معه، وأرسل تاج الملوك دبيسًا، فأيقن دبيس بالهلاك، ففعل زنكي معه خلافَ ما ظن، وأحسن إليه، وحمل له الأقواتَ والسلاح والدواب وسائر أمتعة الخزائن، وقدَّمه حتى على نفسه، وفعل معه ما يفعل أكابر الملوك، ولما سمع المسترشد بالله بقبضه بدمشق أرسل سديد الدولة بن الأنباري، وأبا بكر بن بشر الجزري، من جزيرة ابن عمر، إلى تاج الملوك يطلب منه أن يسلم دبيسًا إليه؛ لِما كان متحققًا به من عداوة الخليفة، فسمع سديد الدولة ابن الأنباري بتسليمه إلى عماد الدين، وهو في الطريق، فسار إلى دمشق ولم يرجِع، وذم أتابك زنكي بدمشق، واستخَفَّ به، وبلغ الخبر عماد الدين، فأرسل إلى طريقه من يأخذه إذا عاد، فلما رجع من دمشق قبضوا عليه، وعلى ابن بشر، وحملوهما إليه، فأما ابن بشر فأهانه وجرى في حقه مكروه، وأما ابن الأنباري فسجنه، ثم إن المسترشد بالله شفع فيه فأُطلق، ولم يزل دبيس مع زنكي حتى انحدر معه إلى العراق.

157 158 159 160 161
#

نَبْع

أصل صافٍ للمعرفة الشرعية

للمزيد قم بزيارة موقعنا

nabe.vercel.app