العام الهجري :500الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :1106
وفاة يوسف بن تاشفين مؤسس دولة المرابطين .
هو سلطان المغرب أبو يعقوب يوسف بن تاشفين بن إبراهيم بن ترقنت الصنهاجي اللمتوني المغربي البربري، الملقَّب بأمير المسلمين، وبأمير المرابطين، وبأمير الملثمين. ولد سنة 430. كان أحدَ من ملك البلاد ودانت بطاعته العباد، واتسعت ممالكه، وطال عمره. وقلَّ أن عُمِّرَ أحد من ملوك الإسلام ما عمر. تولى إمارة البربر واستولى على المغرب ثم الأندلس والسودان، وكان يخطب لبني العباس، وهو أول من تسمى بأمير المسلمين من المرابطين، ولم يزل على حاله وعِزِّه وسلطانه إلى أن توفي سنة 500. قال ابن خلدون: "تسمَّى يوسف بن تاشفين بأمير المسلمين، وخاطَبَ الخليفة لعهده ببغداد، وهو أبو العباس أحمد المستظهر بالله العباسي، وبعث إليه عبد الله بن محمد بن العربي المعافري الإشبيلي وولده القاضي أبا بكر بن العربي الإمام المشهور، فتلطفا في القول وأحسنا في الإبلاغ وطلبا من الخليفة أن يعقد لأمير المسلمين بالمغرب والأندلس؛ فعَقَدَ له وتضمن ذلك مكتوبًا من الخليفة منقولًا في أيدي الناس، وانقلبا إليه بتقليد الخليفة وعهده على ما إلى نظره من الأقطار والأقاليم، وخاطبه الإمام الغزالي والقاضي أبو بكر الطرطوشي يحضانه على العدل والتمسك بالخير". وإنما احتاج أمير المسلمين إلى التقليد من الخليفة المستظهر بالله مع أنه كان بعيدًا عنه وأقوى شوكةً منه؛ لتكون ولايته مستندة إلى الشرع، وهذا من ورعه، وإنما تسمى بأمير المسلمين دون أمير المؤمنين أدبًا مع الخليفة حتى لا يشارِكَه في لقبه؛ لأن لقب أمير المؤمنين خاص بالخليفة, وكان أمير المسلمين حين ورد عليه التقليد من الخليفة ضرب السكةَّ باسمه ونقش على الدينار لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتحت ذلك أمير المسلمين يوسف بن تاشفين, وكتب على الصفحة الأخرى عبد الله أحمد أمير المؤمنين العباسي, وكان ملكه قد انتهى إلى مدينة أفراغة من قاصية شرق الأندلس، وإلى مدينة أشبونة على البحر المحيط من بحر الأندلس، وذلك مسيرة ثلاثة وثلاثين يومًا طولًا، وفي العرض ما يقرب من ذلك، وملك بعدوة المغرب من جزائر بني مذغنة إلى طنجة إلى آخر السوس الأقصى إلى جبال الذهب من بلاد السودان, ولم يُرَ في بلد من بلاده ولا عَمَلٍ من أعماله على طول أيامه رسمُ مَكسٍ ولا خَراجٌ، لا في حاضرة ولا في بادية إلا ما أمر الله به، وأوجب حكم الكتاب والسنة من الزكوات والأعشار وجزيات أهل الذمة وأخماس الغنائم, وقد جبى في ذلك من الأموال على وجهها ما لم يَجْبِه أحد قبله. يقال: إنه وُجِد في بيت ماله بعد وفاته ثلاثة عشر ألف ربع من الوَرِق، وخمسة آلاف وأربعون ربعًا من مطبوع الذهب, وكان زاهدًا في زينة الدنيا وزهرتها، وَرِعًا متقشِّفًا، لباسه الصوف لم يَلبَس قطُّ غيره، ومأكله الشعير ولحوم الإبل وألبانها مقتصرًا على ذلك، لم يُنقَل عنه مدة عمره على ما منحه الله من سعة الملك وخوَّله من نعمة الدنيا، وقد رد أحكام البلاد إلى القضاة وأسقط ما دون الأحكام الشرعية، وكان يسير في أعماله بنفسه فيتفقد أحوال الرعية في كل سنة، وكان محبًّا للفقهاء وأهل العلم والفضل مكرمًا لهم صادرًا عن رأيهم، يُجري عليهم أرزاقهم من بيت المال، وكان مع ذلك حسن الأخلاق متواضعًا كثير الحياء جامعًا لخصال الخير. هو الذي بنى مدينة مراكش في سنة خمس وستين وأربعمائة، اشتراها يوسف بماله الذي خرج به من الصحراء. وكان في موضعها غابة من الشجر وقرية فيها جماعة من البربر، فاختطها وبنى بها القصور والمساكن الأنيقة, وهو الذي أخذ الأندلس من ملوك الطوائف وأسر المعتمد بن عباد في أغمات.. توفي في قصره بمراكش يوم الاثنين لثلاث خلون من المحرم, وعاش سبعين سنة مَلَكَ منها مدة خمسين سنة, وكان قد عهد بالإمرة من بعده لولده علي الذي بويع له ولُقِب بأمير المسلمين كذلك.
#1790
العام الهجري :500الشهر القمري : صفرالعام الميلادي :1106
استحواذ سيف الدولة صدقة بن منصور على مدينة تكريت .
تسلَّم الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور بن مزيد قلعةَ تكريت، وكانت لبني مقن العقيليين، ولما استقر السلطان محمد بعد موت أخيه بركيارق أقطعها للأمير أتسز البرسقي، فسار إليها وحصرها مدة تزيد على سبعة أشهر حتى تسلمها.
#1791
العام الهجري :500الشهر القمري : شعبانالعام الميلادي :1107
مقتل ابن عطاش الباطني .
هو الرئيس أحمد بن عبد الملك بن عطاش العجمي طاغية الإسماعيلية. كان أبوه من كبار دعاة الباطنية ومن أذكياء الأدباء، له بلاغة وسرعة جواب، استغوى جماعة ثم هلك، وخلفه في الرياسة ابنه أحمد، فكان جاهلًا شجاعًا مطاعًا، تجمع له أتباع وتحيلوا حتى ملكوا قلعة شاه دز بأصبهان، وكان الباطنية بأصبهان قد ألبسوا ابن عطاش تاجًا وجمعوا له أموالًا، وصار له عدد كثير وبأس شديد، واستفحل أمره بالقلعة، فكان يرسل أصحابَه لقطع الطريق، وأخْذ الأموال، وقَتْل من قدروا على قتله، فلما صَفَت السلطنة لمحمد بن ملكشاه ولم يبق له منازعٌ، لم يكن عنده أمر أهمُّ مِن قَصْدِ الباطنية وحَربِهم، والانتصافِ للمسلمين من جَورهم وعَسفِهم، فرأى البداية بقلعة شاه دز بأصبهان التي بأيديهم؛ لأن الأذى بها أكثر، وهي متسلطة على سرير ملكه، فخرج بنفسه فحاصرهم في سادس شعبان. وأطال عليها الحصار، ونزل بعض الباطنية بالأمان وساروا إلى باقي قلاعهم، وبقي ابن عطاش مع جماعة يسيرة، فزحف السلطان عليه وقتله وقتَلَ جماعة كثيرة من الباطنية، ثم أمر السلطان محمد بسلخ ابن عطاش وحَشْيِ جلده تبنًا وقَطْع رأسِه، وطيفَ به في الأقاليم.
#1792
العام الهجري :501العام الميلادي :1107
الصليبيون يحاصرون مدن الساحل صور وصيدا .
جمع بغدوين ملك الفرنج عسكرَه وقصد مدينةَ صور وحصرها، وأمر ببناء حصن عندها على تل المعشوقة، وأقام شهرًا محاصرًا لها فصانعه واليها على سبعة آلاف دينار، فأخذها ورحل عن المدينة، وقصد مدينة صيدا، فحصرها برًّا وبحرًا ونصب عليها البرُجَ الخشب، فوصل الأسطول من مصر للدفع عنها، والحماية لمن فيها، وقاتلوا الفرنج، فظهر المسلمون عليهم، فبلغهم أن عسكر دمشق خارج في نجدة صيدا، فرحل الأسطول عائدًا إلى مصر بغير فائدة.
#1793
العام الهجري :501العام الميلادي :1107
قيام دولة الموحدين في المغرب على يد ابن تومرت .
كان محمد بن عبد الله بن تومرت البربري المصمودي الهرغي، الخارج بالمغرب، المدَّعي أنَّه عَلَوي حَسَني، وأنه الإمام المعصوم- من أهل جبل السوس من بلاد المغرب. رحل ابن تومرت إلى بلاد المشرق في طلب العلم، وأتقن علم الأصولين والعربية، والفقه والحديث، واجتمع بالغزالي والكيا الهراسي في العراق، واجتمع بأبي بكر الطرطوشي بالإسكندرية، وقيل إنه لم يجتمع بالغزالي. ثم حج ابن تومرت وعاد إلى المغرب، وكان شجاعًا فصيحًا في لسان العربي والمغربي، شديد الإنكار على الناس فيما يخالف الشرع، لا يقنع في أمر الله بغير إظهاره. وكان مطبوعًا على الالتذاذ بذلك متحلِّلًا للأذى من الناس بسببه، وناله بمكة شيء من المكروه من أجل ذلك، فخرج منها إلى مصر وبالغ في الإنكار، فزادوا في أذاه وطردته الدولة، وكان إذا خاف من بطش وإيقاع الفعل به خلط في كلامه فيُنتَسَب إلى الجنون، فخرج من مصر إلى الإسكندرية، وركب البحر متوجهًا إلى بلاده. ولما وصل إلى قرية اسمها ملالة بالقرب من بجاية اتصل به عبد المؤمن بن علي الكومي، وتفرس ابن تومرت النجابةَ في عبد المؤمن وسار معه، وتلقب ابن تومرت بالمهدي. واستمرَّ المهدي على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووصل إلى مراكش وشدَّد في النهي عن المنكرات، وكَثُرت أتباعه وحَسُنت ظنون الناس به، ولما اشتهر أمره استحضره أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين بحضرة الفقهاء فناظرهم وقطعهم، وأشار بعض وزراء علي بن يوسف بن تاشفين عليه بقتل ابن تومرت المهدي أو حبسه، وقال: والله ما غرضُه النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، بل غرضه التغلب على البلاد، فلم يقبَلْ عليٌّ ذلك. ذكر ابن خَلِّكان شأن ابن تومرت فقال: "خرج محمد بن تومرت من مصر في زيِّ الفقهاء بعد الطلب بها وبغيرها, ولما وصل إلى المهدية نزل في مسجد معلَّق، وهو على الطريق، وجلس في طاق شارع إلى المحجة ينظر إلى المارة، فلا يرى منكرًا من آلة الملاهي أو أواني الخمر إلا نزل إليها وكسَرَها، فتسامع به الناسُ في البلد، فجاؤوا إليه، وقرؤوا عليه كتبًا من أصول الدين، وبلغ خبره الأمير يحيى، فاستدعاه مع جماعة من الفقهاء، فلما رأى سَمْتَه وسَمِعَ كلامه أكرمه وأجلَّه وسأله الدعاء، فقال له: أصلح الله لرعيتك، ولم يقُمْ بعد ذلك بالمهدية إلا أيامًا يسيرة، ثم انتقل إلى بجاية، وأقام بها مدة وهو على حاله في الإنكار" فسار المهدي إلى أغمات ولحق بالجبل واجتمع عليه الناس وعَرَّفهم أنه هو المهدي الذي وعد النبيُّ صلى الله عليه وسلم بخروجه، فكثُرَت أتباعه واشتَدَّت شوكته، وقام إليه عبد المؤمن بن علي في عشرة أنفس، وقالوا له: أنت المهدي، وبايعوه على ذلك وتبعهم غيرهم، فأرسل أمير المسلمين علي إليه جيشًا فهزمه المهدي وقَوِيَت نفوس أصحابه، وأقبلت إليه القبائلُ يبايعونه، وعَظُم أمره، وتوجَّه إلى جبل عند تينمليل واستوطنه، ثم إن المهدي رأى من بعض جموعه قومًا خافهم. قال الذهبي: "قال ابن تومرت لأصحابه: إن الله أعطاني نورًا أعرِفُ به أهل الجنة من أهل النار، وجمع الناسَ إلى رأس جبل، وجعل يقول عن كُلِّ من يخافُه: هذا من أهل النار، فيُلقى من رأس الشاهق ميتًا، وكل من لا يخافه: هذا من أهل الجنة ويجعَلُه عن يمينه، حتى قتل خلقًا كثيرًا واستقام أمره وأمِنَ على نفسه. وقيل: إن عدة الذين قتلهم سبعون ألفًا" وسَمَّى عامة أصحابه الداخلين في طاعته الموحِّدين، ولم يزل أمر ابن تومرت المهدي يعلو إلى أن توفي سنة 524.
#1794
العام الهجري :501الشهر القمري : رجبالعام الميلادي :1108
وفاة تميم بن المعز صاحب إفريقية .
هو السلطان أبو يحيى تميم بن المعز بن باديس بن المنصور بن بلكين بن زيري بن مناد الحميري الصنهاجي، ملَكَ إفريقيةَ بعد أبيه. كان ملكًا جليلًا شهمًا، شجاعًا ذكيًّا، مَهيبًا فاضلًا، شاعرًا جوادًا فصيحًا, حليمًا كثير العفو عن الجرائم العظيمة، وله معرفة حسنة، وله شِعر حسن, كان حسَنَ السيرة، محبًّا للعلماء، قصده الشعراء من النواحي. ولد سنة 422، ولم يزل بالمهدية منذ ولاه أبوه إياها من صفر سنة خمس وأربعين إلى أن توفِّي أبوه, وكان له في البلاد أصحاب أخبار يجري عليهم أرزاقًا سَنية ليطالعوه بأحوال أصحابه؛ لئلا يظلموا الناس. ولما توفي كان عمره تسعًا وسبعين سنة، وكانت ولايته ستًا وأربعين سنة وعشرة أشهر وعشرين يومًا، وخلف من الذكور ما يزيد على مائة، ومن البنات ستين بنتًا، ولما توفي ملك بعده ابنُه يحيى بن تميم.
#1795
العام الهجري :501الشهر القمري : رجبالعام الميلادي :1108
السلاجقة يقتلون سيف الدولة صدقة بن منصور وإنهاء فتنته .
هو الأمير سيف الدولة صدقة بن بهاء الدولة منصور بن ملك العرب دبيس بن علي بن مزيد الأسدي، الناشري العراقي صاحب الحلة السيفية. كان يتشيع هو وأهل بيته، ويقال له ملك العرب. وكان ذا بأس وسطوة، كريمًا ذا ذمام، عفيفًا من الزنا والفواحش، كأن عليه رقيبًا من الصيانة، ولم يتزوج على زوجته قطُّ ولا تسرَّى، وقيل: إنه لم يشرب مُسكِرًا ولا سَمِعَ غناءً ولا قصد التسوُّقَ في طعام، ولا صادر أحدًا من أصحابه، وكان تاريخ العرب الأماجد كرمًا ووفاءً، وكانت داره ببغداد حرمَ الخائفين. اختطَّ مدينة الحلة في سنة خمس وتسعين وأربع مائة، وسكنها الشيعة، وكان قد عَظُم شأن صدقة، وعلا قدره، واتسع جاهه، واستجار به صغار الناس وكبارهم، فأجابهم، وكان كثير العناية بأمور السلطان محمد، والتقوية ليده، والشدِّ منه على أخيه بركيارق، حتى إنه جاهر بركيارق بالعداوة، ولم يبرحْ على مصافاة السلطان محمد، وزاده محمد إقطاعًا، من جملته مدينة واسط، وأذن له في أخذ البصرة. ثم أفسد ما بينهما العميدُ أبو جعفر محمد بن الحسين البلخي، ثم إنه تعدى ذلك حتى طعن في اعتقاده، ونسبه وأهل بلده إلى مذهب الباطنية، وقيل: إنما كان مذهبه التشيع لا غير، ووافق أرغون السعدي أبا جعفر العميد، وأما سبب قتله فإن السلطان محمدًا قد سخط على أبي دلف سرخاب بن كيخسرو، صاحب ساوة وآبة، فهرب منه وقصد صدقة فاستجار به فأجاره، فأرسل السلطان يطلب من صدقة أن يسلِّمَه إلى نوابه، فلم يفعل، وظهر منه أمورٌ أنكرها السلطان, فأنفذ الخليفةُ المستظهر بالله إلى صدقة ينهاه عن الخروج على السلطان، وتردَّدت الرسل بين الخليفة وصدقة, فما سمع صدقة، واجتمع له عشرون ألف فارس، وثلاثون ألف راجل، فتوجَّه السلطان إلى العراق ليتلافى هذا الأمر، فالتقى الجمعان عند النعمانية، فرشقتهم عساكر السلطان بالسهام، فجرحت خيولهم، ثم ولَّوا، وبقي صدقة يجول بنفسه، فجُرِح فرسه المهلوب، وكان عديمَ المثَل، وهرب وزيره على فرس له، فناداه، فما ألوى عليه، ثم جاءته ضربةُ سيف في وجهه، وقُتِلَ صدقة، وحُمل رأسه إلى بغداد. وقتل من أصحابه ما يزيد على ثلاثة آلاف فارس، فيهم جماعة من أهل بيته، وأُسِرَ ابنه دبيس ووزيره وعِدَّةٌ من أهله، وكان عمره تسعًا وخمسين سنة، وكانت إمارته إحدى وعشرين سنة، وحُمِل فدفن في مشهد الحسين عليه السلام, ثم عاد السلطان إلى بغداد، ولم يَصِل إلى الحلة، وأرسل إلى البطيحة أمانًا لزوجة صدقة، وأمرها بالظهور فأصعدت إلى بغداد، فأطلق السلطان ابنها دبيسًا، وأنفذ معه جماعة من الأمراء إلى لقائها.
#1796
العام الهجري :502العام الميلادي :1108
احتلال الفرنج حصن عرقة بطرابلس .
كان حِصنُ عرقة، وهو من أعمال طرابلس، بيد غلام للقاضي فخر الملك أبي علي بن علي بن عمار، صاحب طرابلس، وهو من الحصون المنيعة، فعجز غلام ابن عمار عن حمايته، فضاق به القوت وانقطعت عنه الميرة؛ لِطولِ مُكث الفرنج في نواحيه، فأرسل إلى أتابك طغتكين، صاحب دمشق، وقال له: أرسل من يتسلمُ هذا الحصن مني؛ قد عجزت عن حفظه، ولأن يأخذَه المسلمون خيرٌ لي دنيا وآخرة من أن يأخُذَه الفرنج. فبعث إليه طغتكين صاحبًا له اسمه إسرائيل في ثلاثمائة رجل، فتسلم الحصن، فلما نزل غلام ابن عمار منه رماه إسرائيل في الأخلاط بسهمٍ فقَتَله، وكان قصده بذلك ألَّا يَطَّلِعَ أتابك طغتكين على ما خلفه بالقلعة من المال، وأراد طغتكين قَصْدَ الحِصنِ للاطلاع عليه، وتقويته بالعساكر والأقوات وآلات الحرب، فنزل الغيث والثلج مدة شهرين ليلًا ونهارًا فمنعه، فلما زال ذلك سار في أربعة آلاف فارس ففتح حصونًا للفرنج، منها حصن الأكمة. فلما سمع السرداني الفرنجي ابن أخت صنجيل بمجيء طغتكين، وهو على حصار طرابلس، توجَّه في ثلاثمائة فارس، فلما أشرف أوائل أصحابه على عسكر طغتكين انهزموا، وخلوا ثقلهم ورحلهم ودوابَّهم للفرنج، فغنموا وقَوُوا به، وزاد في تجمُّلِهم، ووصل المسلمون إلى حمص على أقبح حال من التقطُّع، ولم يُقتَل منهم أحد لأنه لم تجرِ حربٌ، وقصد السرداني إلى عرقة، فلما نازلها طلب من كان بها الأمان، فأمنهم على نفوسهم، وتسلم الحصن، فلما خرج من فيه قبض على إسرائيل، وقال: لا أطلقه إلا بإطلاق فلان، وهو أسير كان بدمشق من الفرنج منذ سبع سنين، ففودي به وأُطلقا معًا، ولما وصل طغتكين إلى دمشق بعد الهزيمة أرسل إليه ملك القدس يقول له: لا تظن أنني أنقض الهدنة لِلَّذي تمَّ عليك من الهزيمة، فالملوك ينالهم أكثرُ مما نالك، ثم تعود أمورُهم إلى الانتظام والاستقامة، وكان طغتكين خائفًا أن يقصِدَه بعد هذه الكسرة فينالَ من بلده كلَّ ما أراد.
#1797
العام الهجري :502العام الميلادي :1108
الحرب بين طغتكين أتابك دمشق والفرنج .
حدثت حربٌ شديدة بين طغتكين أتابك دمشق -أتابك يعني الأمير الوالد- والفرنج، وسببها أن طغتكين سار إلى طبرية، وقد وصل إليها ابن أخت بغدوين الفرنجي، ملك القدس، فتحاربا واقتتلا، وكان طغتكين في ألفي فارس وكثيرٍ من الرجَّالة، وكان ابن أخت ملك الفرنج في أربعمائة فارس وألفي راجل، فلما اشتد القتال انهزم المسلمون، فترجل طغتكين ونادى بالمسلمين وشجَّعهم، فعاودوا الحرب وكسروا الفرنج، وأسروا ابنَ أخت الملك، وحُمِل إلى طغتكين، فعرض طغتكين عليه الإسلامَ فامتنع منه، وبذلَ في فداء نفسه ثلاثين ألف دينار، وإطلاق خمسمائة أسير، فلم يقنع طغتكين منه بغير الإسلام، فلما لم يُجِبْ قَتَله بيده، وأرسل إلى الخليفة والسلطان الأسرى، ثم اصطلح طغتكين وبغدوين ملك الفرنج على وضع الحرب أربع سنين.
#1798
العام الهجري :502العام الميلادي :1108
المرابطون يهزمون الأسبان في موقعة أقليش .
تطلَّع علي بن يوسف بن تاشفين إلى القضاء على مقاومة النصارى وخاصة ألفونسو السادس صاحب طليطلة الذي أصبح يُغيرُ على أطراف بلاد المسلمين في الأندلس بعد وفاة يوسف بن تاشفين، فولى أخاه تميمًا على غرناطة وجعله قائد جيش المرابطين في الأندلس، ثم قام تميم بمحاربة ألفونسو في معركة أقليش التي تعتبر من أكبر المعارك بعد الزلاقة، واستطاع تميم أن ينتصر على ألفونسو الذي قُتِل ابنه في هذه المعركة، كما قُتِل قائدُ جيشه ومُعظَمُ من كان معه من الأمراء ونحوُ عشرة آلاف من الجنود، وهذا الانتصار قوَّى من عزيمة علي للمسير إلى الأندلس للقضاء على شأفة النصارى فيها، حتى سار في السنة التالية وافتتح ثمانية وعشرين حصنًا.
#1799
العام الهجري :502العام الميلادي :1108
الصليبيون يؤسسون مدن صليبية بدعم من نصارى الشام والعبيديين .
كان الصليبيون هاجموا دمشق من جهة الشمال عام 497 ولكنهم هُزموا، وأُسِر أمير الرها الصليبي، غير أنهم استطاعوا في العام نفسه أن يدخلوا حصن أفاميا. بدعم من العُبيديين في أول الأمر لَمَّا وجدوا في الصليبيين حلفاء طبيعيين ضد السلاجقة خصومِهم، واتفقوا معهم على أن يحكموا شماليَّ بلاد الشام ويتركوا لهم حكم جنوبها، ولما دخل الصليبيون بيت المقدس أحسوا بشيء من النصر فتابعوا تقدُّمَهم واصطدموا بالعُبيديين، وبدأت الخلافات بينهما؛ فالعُبيديون قاتلوا الصليبيين دفاعًا عن مناطقهم في جنوب الشام وخوفًا على أنفسهم، ولم يقاتلوهم دفاعًا عن الإسلام وحمايةً لأبنائه، ولو استمر الصليبيون في اتفاقهم مع العُبيديين لكان من الممكن أن يتقاسموا وإياهم ديار الإسلام. لقد استقبل سكان البلاد من النصارى والأرمن الصليبيين استقبالًا حارًّا ورحبوا بهم ترحيبًا كبيرًا، وقد ظهر هذا في أثناء دخولهم أنطاكية وبيت المقدس،كما قد دعموهم في أثناء وجودهم في البلاد وقدموا لهم كل المساعدات، وقاتلوا المسلمين، وكانوا عيونًا عليهم للصليبيين, وتشكلت إمارات صليبية في بلاد الشام، وهي: إمارة في الرها، إمارة بيت المقدس، إمارة أنطاكية، ولم يجد الصليبيون الأمن والاستقرار في بلاد الشام في المناطق التي سيطروا عليها وشكلوا فيها إمارات رغم انتصارهم؛ إذ كان السكان المسلمون ينالون منهم كلما سنحت لهم الفرصة، كما يُغير عليهم الحكام المسلمون في سبيل إخراجهم من البلاد، ودفاعًا عن عقائدهم ومقدساتهم التي كان الصليبيون ينتهكونها.
#1800
العام الهجري :502الشهر القمري : صفرالعام الميلادي :1108
استيلاء مودود بن طغتكين على الموصل .
لما استولى جاولي سقاوو على الموصل وعلى الأموال الكثيرة منها، لم يحمل إلى السلطان منها شيئًا، فلما وصل السلطان إلى بغداد لقصد بلاد سيف الدولة صدقة، أرسل إلى جاولي يستدعيه إليه بالعساكر، وكرر الرسُلَ إليه، فلم يَحضُر، وغالط في الانحدار إليه، وأظهر أنه يخاف أن يجتمِعَ به، ولم يقنع بذلك حتى كاتب صدقة، وأظهر له أنه معه، فلما فرغ السلطان من أمر صدقة وقتله، أرسل مجموعة من أمرائه الكبار على رأسهم مودود بن طغتكين إلى الموصل، وبلاد جاولي، وأخذها منه، فتوجهوا نحو الموصل فوجدوا جاولي عاصيًا قد استعدَّ للحصار وحبَسَ الأعيان وخرج عن البلد ونهب السواد. فطال الحصار على أهلها من خارج، والظلم من داخل إلى آخِرِ المحرَّم، والجند بها يمنعون القربَ من السور. فلما طال الأمر على الناس خرج بعض الحامية من فرجة من السور وأدخلوا منها مودودًا وعساكره، فملكوا البلد, فلما دخله الأمير مودود نودي بالسكون والأمن، وأن يعود الناس إلى دورهم وأملاكهم، ووَلِيَ مودود الموصل وما ينضاف إليها.