العام الهجري :494الشهر القمري : رمضانالعام الميلادي :1101
محاولة وزير الفاطميين الأفضل بن أمير الجيوش استرداد القدس .
جهَّز الأفضلُ بن أمير الجيوش عسكرًا كثيفًا لغزو الفرنج، فساروا إلى عسقلان ووصلوا إليها في أول رمضان، فأقاموا بها إلى ذي الحِجَّة؛ فنهض إليهم من الفرنج ألفُ فارس وعشرة آلاف راجل، فخرج إليهم المسلمون وحاربوهم. فكانت بين الفريقين عدةُ وقائع آلت إلى كسر الميمنة والميسرة وثبات سعد الدولة الطواشي -مقدَّم العسكر- في القلب، وقاتل قتالًا شديدًا، فتراجع المسلمون عند ثبات المذكور وقاتلوا الفرنج حتى هزموهم إلى يافا، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا وأسروا الكثير. وقُتِل كندفري ملك الفرنج بالقدس، فجاء أخوه بغدوين من القدس وملك بعده، وسار بالفرنج إلى أرسوف.
#1766
العام الهجري :495العام الميلادي :1101
الصليبيون يحاصرون طرابلس .
كان صنجيل الفرنجي قد لقي قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش، صاحب قونية، وكان صنجيل في مائة ألف مقاتل، وكان قلج أرسلان في عدد قليل، فاقتتلوا، فانهزم الفرنجُ وقُتِلَ منهم وأُسِرَ الكثير، وعاد قلج أرسلان بالغنائم والظَّفَر الذي لم يحسَبْه. ومضى صنجيل مهزومًا في ثلاثمائة، فوصل إلى الشام، فأرسل فخر الملك بن عمار، صاحب طرابلس، إلى الأمير ياخز، خليفة جناح الدولة على حمص، يقول: من الصواب أن يُعاجل صنجيل إذ هو في هذه العدة القريبة، فخرج الأمير ياخز بنفسه، وسيَّرَ دقاق ألفي مقاتل، وأتتهم الأمداد من طرابلس، فاجتمعوا على باب طرابلس، وصافُّوا صنجيل هناك، فأخرج مائةً من عسكره إلى أهل طرابلس، ومائة إلى عسكر دمشق، وخمسين إلى عسكر حمص، وبقي هو في خمسين. فأما عسكر حمص فإنهم انكسروا عند المشاهدة، وولَّوا منهزمين، وتبعهم عسكر دمشق. وأما أهل طرابلس فإنهم قاتلوا المائة الذين قاتلوهم، فلما شاهد ذلك صنجيل حمل في المائتين الباقيتين، فكسروا أهل طرابلس، وقتلوا منهم الكثير، ونازل صنجيل طرابلس وحصرها. وأتاه أهلُ الجبل فأعانوه على حصارها، وكذلك أهل السواد، وأكثرهم نصارى، فقاتل مَن بها أشدَّ قتال، فقتل من الفرنج ثلاثمائة، ثم إنَّه هادنهم على مال وخيل، فرحل عنهم إلى مدينة أنطرسوس، وهي من أعمال طرابلس، فحصرها وفتحها وقتل مَن بها من المسلمين، ورحل إلى حصن الطوبان، وهو يقارب رفنية، ومُقَدَّمُه يقال له ابن العريض، فقاتلهم، فنُصِر عليه أهل الحصن، وأسر ابن العريض منه فارسًا من أكابر فرسانه، فبذل صنجيل في فدائه عشرة آلاف دينار وألف أسير، فلم يجِبْه ابن العريض إلى ذلك.
#1767
العام الهجري :495العام الميلادي :1101
قيام الدولة الأرتقية .
تنتسب هذه الدولة إلى زعيم عشيرة من التركمان يُدعى أرتق بن أكسب جد الملوك الأرتقية.كان أميرًا شُجاعًا مُطاعًا، تغلَّب على حلوان والجبل، وكثُرَ أتباعه، فسار إلى الشام. وملك ولدُه سقمان بيتَ المقدس. وذريتُه هم ملوك ماردين من مائتي سنة, وكان أرتق قد التحق عام 449 بخدمة السلطان السلجوقي تتش بن ألب أرسلان صاحب بلاد الشام فأقطعه القدسَ وما حولها. ولما توفِّيَ أرتق سنة 484خلفه ولداه معين الدين سقمان, ونجم الدين إيلغازي. وفي سنة 491 احتلَّ الفاطميون القدس فأخرجوهما منها, فتوجَّها بقومهما من التركمان إلى الجزيرة الفراتية فتملَّك معين الدين سقمان ديار بكر (آمد) وتملَّك نجم الدين إيلغازي (ماردين) وأقام كلٌّ منهما فيما تملَّك سنة 495 دولة أرتقية. وفي سنة 511 حاصر الصليبيون مدينة حلب فاستنجد أهلُها بنجم الدين إيلغازي فأنجدهم وقاتل الصليبيين في معركة جرت في (سهل بلاط) سنة 513، وأسر زعيمهم روجيه ده سالرنو أمير أنطاكية، وتملك نجم الدين إيلغازي حلب, وتعاقب أبناؤه عليها إلى أن استولى عليها عماد الدين زنكي سنة 521 وأقام فيها دولة أتابكية.
#1768
العام الهجري :495الشهر القمري : صفرالعام الميلادي :1101
وفاة حاكم مصر العبيدي المستعلي بالله وولاية ابنه المنصور .
هو المستعلي بالله أبو القاسم أحمد بن معد المستنصر بالله الفاطمي العبيدي، حاكم مصر، حكمها مدة سبع سنين وقريبًا من الشهرين، وكان المدبِّر لدولته أمير الجيوش الأفضل بن بدر الجمالي، ولما توفِّيَ وَلِيَ بعده ابنُه أبو علي المنصور، وبويع له في اليوم الذي مات فيه أبوه، وله خمس سنين وشهر وأربعة أيام، ولُقِّب الآمر بأحكام الله، ولم يقدر يركبُ وحده على الفرس لصِغَرِ سنه، وقام بتدبير دولته الأفضل أحسن قيام، ولم يزل كذلك يدبِّرُ الأمرَ إلى أن قُتِلَ الآمر سنة خمس عشرة وخمسمائة.
#1769
العام الهجري :495الشهر القمري : شعبانالعام الميلادي :1102
فتنة بين شحنة بغداد إيلغازي والعامة .
كانت فتنةٌ كبيرة بين شحنة بغداد -شحنة: أي القَيِّم لضبط البلد- إيلغازي بن أرتق، وبين العامة. أتى جنديٌّ من أصحابه ملاحًا ليعبر به وبجماعة، فتأخَّر فرماه بنشَّابه فقتله، فأخذت العامة القاتِلَ، فجَرُّوه إلى باب النوبي، فلقيهم ابن إيلغازي فخلَّصه، فرجمتهم العامةُ. فتألم إيلغازي وعبر بأصحابه إلى محلة الملاحين فنهبوها، وانتشرت الشطَّار، فعاثوا هناك وبدعوا، وغرق جماعة، وقُتِل آخرون. وجمع إيلغازي التركمان، وأراد نهبَ الجانب الغربي من بغداد، ثم لطف اللهُ تعالى.
#1770
العام الهجري :496العام الميلادي :1102
المصريون بقيادة شرف المعالي يهزمون الصليبيين قرب الرملة .
كان الأفضلُ أمير الجيوش بمصر قد أنفذ مملوكًا لأبيه -لَقَبه سعد الدولة، ويعرف بالطواشي- إلى الشام لحرب الفرنج، فلقِيَهم بين الرملة ويافا، ومقَدَّم الفرنج يعرف ببغدوين، تصافوا واقتتلوا، فحملت الفرنج حملةً صادقة، فانهزم المسلمون، فلما كانت هذه الوقعة انهزم سعد الدولة، فتردى به فرسه فسقط ميتًا، وملك الفرنجُ خيمتَه وجميعَ ما للمسلمين. فأرسل الأفضلُ بعده ابنَه شرف المعالي في جمعٍ كثير، فالتقوا هم والفرنج بالقرب من الرملة، فانهزم الفرنج، وقُتِل منهم مقتلةٌ عظيمة، وعاد من سلم منهم مغلولين، فلما رأى بغدوين شدة الأمر، وخاف القتل والأسر؛ ألقى نفسه في الحشيش واختفى فيه، فلما أبعد المسلمون خرج منه إلى الرملة. وسار شرف المعالي بن الأفضل من المعركة، ونزل على قصر بالرملة، وبه سبعمائة من أعيان الفرنج، وفيهم بغدوين، فخرج متخفيًا إلى يافا، وقاتل ابن الأفضل من بقي من الفرنج خمسة عشر يومًا، ثم أخذهم، فقتل منهم أربعمائة صبرًا، وأسر ثلاثمائة إلى مصر. ثم اختلف أصحابُه في مقصدهم، فقال قوم: نقصِدُ بيت المقدس ونتملَّكُه، وقال قوم: نقصد يافا ونملكها، فبينما هم في هذا الاختلاف إذ وصل إلى الفرنج خلق كثير في البحر قاصدين زيارة البيت المقدس، فندبهم بغدوين للغزوِ معه، فساروا إلى عسقلان، وبها شرف المعالي فلم يكن يقوى بحربهم، فلطف الله بالمسلمين، فرأى الفرنجُ البحرية حصانة عسقلان، وخافوا البيات، فرحلوا إلى يافا، وعاد ولد الأفضل إلى أبيه، فسيَّرَ رجلًا يقال له تاج العجم في البر، وهو من أكبر مماليك أبيه، وجهز معه أربعة آلاف فارس، وسيَّر في البحر رجلًا يقال له القاضي ابن قادوس، في الأسطول على يافا، ونزل تاج العجم على عسقلان، فاستدعاه ابن قادوس إليه ليتفقا على حرب الفرنج، فقال تاج العجم: ما يمكنني أن أنزل إليك إلا بأمر الأفضل، ولم يحضر عنده ولا أعانه، فأرسل ابن قادوس إلى قاضي عسقلان وشهودها وأعيانها، وأخذ خطوطهم بأنه أقام على يافا عشرين يومًا، واستدعى تاج العجم فلم يأتِه ولا أرسل رجلًا، فلما وقف الأفضل على الحال أرسل من قبض على تاج العجم وأرسل رجلًا لقبه جمال الملك، فأسكنه عسقلان، وجعله متقَدِّم العساكِرِ الشامية.
#1771
العام الهجري :496العام الميلادي :1102
يوسف بن تاشفين يعود إلى قرطبة للمرة الرابعة .
عاد يوسف بن تاشفين إلى قرطبة للمرة الرابعة، وقاتل ألفونسو وانتهت المعركة بانهزام ألفونسو، ثم قام يوسف بن تاشفين بأخذ البيعة لابنه علي فجعله ملِكًا على قرطبة، وعاد هو إلى مراكش.
#1772
العام الهجري :496الشهر القمري : جمادى الآخرةالعام الميلادي :1103
عودة الاقتتال بين الأخوين السلطان محمد بن ملكشاه وبركيارق .
كان الخليفة العباسي قد ولَّى السلطان محمدًا المُلكَ، واستنابه في جميع ما يتعلَّقُ بأمر الخلافة دون ما أغلق عليه الخليفةُ بابَه، ثم خرج السلطانُ محمد ومعه أخوه سنجر قاصدًا قتال أخيه بركيارق، وفي هذه السنة ثامن جمادى الآخرة كان المصاف الخامس بين السلطان بركيارق والسلطان محمد, فأقبل بركيارق في خمسة عشر ألفًا فحاصره في أصبهان وعددُ أصحاب محمد قليل، فضاقت الميرةُ على محمد، فقسط على أهل البلد على وجه القرض فأخذ مالًا عظيمًا، ثم عاود عسكره الشغب، فأعاد التقسيطَ بالظلم والعذاب، وبلغ الخبز عشرةَ أَمْناء بدينار، ورطل لحم بربع دينار، ومائة منًا تبنًا بأربعة دنانير، وقُلِعت أخشاب المساجد وأبواب الدكاكين، هذا والقتالُ على أبواب البلد، وينال صاحِبُ محمد يحرق الناسَ بالمصادرة، وعسكر بركيارق في رُخصٍ كثير، فاجتمع على أهل أصبهان الخوف والجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، ثم خرج السلطان محمد من أصبهان هاربًا فأرسل أخوه في أثره مملوكَه إياز، فلم يتمكَّن من القبض عليه، ونجا بنفسه سالمًا، وعاد إياز فأخبر بركيارق فلم يَسُرَّه سلامة أخيه, وفي يوم الاثنين ثالث عشرين ربيع الأول أعيدت الخطبة لبركيارق فخطب في الديوان، ثم تقدم إلى الخطباء في السابع والعشرين من هذا الشهر بأن يقتصروا على ذِكرِ الخليفة، ولا يذكروا أحدًا من السلاطين المختلفين, ثم التقى السلطان محمد وبركيارق في يوم الأربعاء في جمادي الآخرة، فوقعت الحربُ بينهما فانهزم محمد إلى بعض بلاد أرمينية على أربعين فرسخًا من الوقعة، ثم سار منها إلى خلاط ثم عاد إلى تبريز، ومضى بركيارق إلى زنجان، ثم في العام التالي صار الصلحُ بينهما بعدما تحوَّل الأمن إلى خوفٍ، وبدا السلبُ والنهب والقتلُ والضعفُ.
#1773
العام الهجري :497العام الميلادي :1103
احتلال الفرنج جبيل وعكا من الشام .
وصلت مراكب من بلاد الفرنج إلى مدينة اللاذقية فيها التجار والأجناد والحُجَّاج، وغير ذلك، واستعان بهم صنجيل الفرنجي على حصار طرابلس، فحصروها معه برًّا وبحرًا، وضايقوها وقاتلوها أيامًا، فلم يروا فيها مطمعًا، فرحلوا عنها إلى مدينة جبيل، فحصروها، وقاتلوا عليها قتالًا شديدًا. فلما رأى أهلُها عجزهم عن الفرنج أخذوا أمانًا وسلموا البلد إليهم، فلم يفِ الفرنج لهم بالأمان، وأخذوا أموالهم، واستنقذوها بالعقوباتِ وأنواع العذاب، فلما فرغوا من جبيل وساروا إلى مدينة عكا استنجدهم الملك بغدوين، ملك الفرنج، صاحب بيت المقدس على حصارها، فنازلوها وحصروها في البر والبحر، وكان الوالي بها اسمه بنا -ويعرف بزهر الدولة الجيوشي- نسبة إلى ملك الجيوش الأفضل، فقاتلهم أشد قتال، فزحفوا إليه غير مرة، فعجز عن حفظ البلد، فخرج منه وملك الفرنجُ البلد بالسيف قهرًا، وفعلوا بأهلِه الأفعال الشنيعة، وسار الوالي بها إلى دمشق، فأقام بها، ثم عاد إلى مصر واعتذر إلى الأفضل فقَبِلَ عُذرَه.
#1774
العام الهجري :497العام الميلادي :1103
وفاة أبي سعد العلاء بن الموصلايا .
هو أمين الدولة أبو سعد العلاء بن حسن بن وهب الموصلايا البغدادي، الكاتب المنشئ بدار الخلافة. ذو الترسُّل الفائق، المنشئ، البليغ. كان نصرانيًّا وأسلم على يد الخليفة المقتدي بأمر الله، وحَسُن إسلامه، أسلم عندما خرج توقيعُ الخليفة سنة 484 بإلزامِ الذَّمَّةِ بلُبسِ الغيار -لبس خاص كوضع الزُّنَّار، وغيره - فأسلم بعضُهم وهرب طائفة. وفي ثاني يوم أسلم الرئيسان أبو سعد بن الموصلايا صاحب ديوان الإنشاء، وابن أخته أبو نصر هبة الله بن الحسن، على يد الخليفة، بحيث يريانه ويسمعانِ كلامَه. كان أبو سعد له باعٌ مديد في النظم والنثر، عُمِّر دهرًا، وكُفَّ بصَرُه، بعد أن كتب الإنشاء نيفًا وستين سنة، ولما أسلم كان قد شاخ، وقد ناب في الوزارة غيرَ مرة، وكان أفصح أهل زمانه، وفيه مكارم وآداب وعقل, وكان كثير الصدقات، وأوقف أملاكه، وله الرسائل المشهورة الرائقة، والأشعار الفائقة. كان يملي على ابن أخته العلامة أبي نصر الإنشاءَ إلى أن مات فجأة. وكان الوزير عميد الدولة بن جهير: "يثني عليه وعلى تفهُّمِه، ويقول: هو يمين الدولة وأميناها". ناب أبو سعد في الوزارة عدة نُوَب, قال ابن الأثير: "كان بليغًا فصيحًا، وكان ابتداء خدمته للقائم بأمر الله سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، خدم الخلفاء خمسًا وستين سنة، كل يوم تزداد منزلته، وكان نصرانيًّا فأسلم، وكان كثير الصدقة، جميل المحضر، صالح النية. أوقف أملاكَه على أبواب البر، ومكاتباته مشهورة حسنة" مات فجأة، فخلفه على ديوان الإنشاء ابن أخته أبو نصر، ولُقِّب نظام الحضرتين.
#1775
العام الهجري :497العام الميلادي :1103
انتصار المسلمين على الصليبيين في معركة حران .
كانت حران لمملوك من مماليك ملكشاه اسمه قراجه، فاستخلف عليها إنسانًا يقال له محمد الأصبهاني، وخرج في العام الماضي، فعصى الأصبهاني على قراجه، ثم قُتل محمد الأصبهاني، قتَلَه غلامٌ لقراجه، فعند ذلك سار الفرنج إلى حران وحصروها، فلما سمع مُعين الدولة سقمان وشمس الدولة جكرمش ذلك، وكان بينهما حرب، أرسل كلٌّ منهما إلى صاحبه يدعوه إلى الاجتماع معه لتلافي أمر حران، ويُعلِمه أنه قد بذل نفسه لله تعالى وثوابه، فكل واحد منهما أجاب صاحبه إلى ما طلب منه، وسارا فاجتمعا على الخابور وتحالفا، وسارا إلى لقاء الفرنج، فالتقوا على نهر البليخ، وكان المصاف بينهم هناك فاقتتلوا، فأظهر المسلمون الانهزام، فتبعهم الفرنج نحو فرسخين، فعاد عليهم المسلمون فقتلوهم كيف شاؤوا، وامتلأت أيدي التركمان من الغنائم، ووصلوا إلى الأموال العظيمة؛ لأن سواد الفرنج كان قريبًا، وكان بيمند صاحبُ أنطاكية، وطنكري صاحِبُ الساحل، قد انفردا وراء جبل ليأتيا المسلمين من وراء ظهورهم إذا اشتدت الحرب، فلما خرجا رأيا الفرنج منهزمين، وسوادهم منهوبًا، فأقاما إلى الليل وهربا، فتبعهما المسلمون، وقتلوا من أصحابهما كثيرًا، وأسَروا كذلك، وأفلتا في ستة فرسان، وكان القمص كبير القساوسة- بردويل، صاحب الرها، قد انهزم مع جماعةٍ من قمامصتهم، وخاضوا نهر البليخ، فوَجِلت خيولهم، فجاء تركماني من أصحاب سقمان فأخذهم، وحمل بردويل إلى خيم صاحبه، وقد سار فيمن معه لاتباع بيمند، فرأى أصحاب جكرمش أن أصحاب سقمان قد استولوا على مال الفرنج، ويرجعون هم من الغنيمة بغير طائل، فقالوا لجكرمش: أي منزلة تكون لنا عند الناس، وعند التركمان إذا انصرفوا بالغنائم دوننا؟ وحَسَّنوا له أخذَ القُمص، فأنفذ فأخذ القمص من خيم سقمان، فلما عاد سقمان شقَّ عليه الأمر، وركب أصحابُه للقتال، فردَّهم، وقال لهم: لا يقوم فرح المسلمين في هذه الغزاة بغَمِّهم باختلافنا، ولا أؤثر شفاء غيظي بشماتة الأعداء بالمسلمين. ورحل لوقته، وأخذ سلاح الفرنج، وراياتهم، وألبس أصحابَه لُبسَهم، وأركبهم خيلَهم، وجعل يأتي حصون شيحان، وبها الفرنج، فيَخرُجون ظنًّا منهم أن أصحابهم نُصِروا، فيقتُلهم ويأخذ الحصن منهم، فعل ذلك بعدة حصون. وأما جكرمش فإنه سار إلى حران فتسلمها، واستخلف بها صاحبه. وسار إلى الرها، فحصرها خمسة عشر يومًا، وعاد إلى الموصل ومعه القمص الذي أخذه من خيام سقمان، ففاداه بخمسة وثلاثين دينارًا، ومائة وستين أسيرًا من المسلمين، وكان عدة القتلى من الفرنج يقارب اثني عشر ألف قتيل!
#1776
العام الهجري :497الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :1103
انتزاع بلك بن بهرام مدينة عانة من بني يعيش .
استولى بلك بن بهرام بن أرتق على مدينة عانة، والحديثة، وكانت له مدينة سروج، فأخذها الفرنجُ منه، فسار عنها إلى عانة وأخذها من بني يعيش بن عيسى بن خلاط، فقصد بنو يعيش سيف الدولة صدقة بن مزيد، ومعهم مشايخهم، فسألوه الإصعادَ إليها، وأن يتسلَّمَها منهم، ففعل وأصعد معهم, فرحل التركمان وبهرام عنها، وأخذ صدقة رهائنَهم، وعاد إلى حلته، فرجع بلك إليها ومعه ألفا رجل من التركمان، فمانعه أصحابه قليلًا، واستدلَّ على المخاضة إليها، فخاضها وعبر، وملكهم ونهبهم، وسبى جميع حرمهم وانحدر طالبًا هيت من الجانب الشامي، فبلغ إلى قريب منها، ثم رجع من يومه.