لمَّا مَلَكَ بركيارق بعدَ أَبيهِ وكان ما كان مِن قِتالِه مع عَمِّهِ تتش، ومُحاولَةِ بَعضِ العَسكرِ بالتَّحريضِ أن يَكحَلوهُ ويَسمُلوا عَينَيهِ فنَجَّاهُ الله من ذلك، ثم إنه مَرَضَ بالجُدَرِي وعاد عَمُّهُ لقِتالِه ثم شُفِيَ وقَتَلَ عَمَّهُ فأَصبحَ يَعلُو كَعبُه ويَقوَى شَأنُه ويَستَفحِل أَمرُه.
#1730
العام الهجري :488العام الميلادي :1095
وَفاةُ المُحَدِّثِ الحُمَيدِيِّ .
الإمامُ، القُدوَةُ، الأَثَرِيُّ المُتقِنُ، الحافِظُ، شَيخُ المُحَدِّثينَ، أبو عبدِ الله محمدُ بنُ أبي نَصرٍ فتوح بن عبدِ الله بن فتوحِ بن حُميدِ بن يصل الأزديُّ، الحُمَيدِيُّ، الأندلسيُّ؛ الميورقيُّ، الفَقِيهُ، الظاهِريُّ، مُؤَرِّخٌ ومُحَدِّثٌ أَندلسيٌّ من أَهلِ الجَزيرَةِ، صاحِبُ ابنِ حَزمٍ وتِلميذُه. وُلِدَ قبلَ سَنةِ 420هـ، بَدأَ بِطَلَبِ العِلمِ صَغيرًا قال عن نَفسِه: "كُنتُ أُحمَلُ للسَّماعِ على الكَتِفِ، وذلك في سَنةِ 425هـ، فأَوَّلُ ما سَمِعتُ مِن الفَقيهِ أَصبغَ بنِ راشِدٍ، وكُنتُ أَفهمُ ما يُقرأُ عليه، وكان قد تَفَقَّهَ على أبي محمدِ بن أبي زَيدٍ، وأَصلُ أبي من قُرطبة مِن مَحِلَّةٍ تُعرفُ بالرصافة، فتَحوَّل وسَكَنَ جَزيرةَ ميورقة، وميورقة جَزيرةٌ فيها بَلدَةٌ حَصينَةٌ تِجاهَ شَرقِ الأَندلسِ، فوُلِدتُ بها". رَحلَ إلى مكَّةَ ومصر والشامِ والعِراقِ واستَوطَنَ بغداد وفيها تُوفِّي، له تَصانيفٌ أَشهرُها: ((الجَمْعُ بين الصحيحين))، و((تاريخ الأندلس)) المُسَمَّى ((جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس)) و((الذهب المسبوك في وعظ الملوك)) وغَيرُها من المُصنَّفاتِ، قال يحيى بنُ إبراهيمَ السلماسيُّ: قال أبي: "لم تَرَ عَيناي مِثلَ الحُميديِّ في فَضلِه ونُبلِه، وغَزارَةِ عِلمِه، وحِرصِه على نَشرِ العِلمِ، وكان وَرِعًا تَقِيًّا، إمامًا في الحَديثِ وعِلَلِهِ ورُواتِه، مُتَحَقِّقًا بعِلمِ التَّحقيقِ والأُصولِ على مَذهبِ أَصحابِ الحَديثِ بمُوافَقَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فَصيحَ العِبارَةِ، مُتَبَحِّرًا في عِلمِ الأَدبِ والعَربيَّةِ والتَّرَسُّلِ" قال القاضي عِياض: "محمدُ بنُ أبي نَصرٍ الحُمَيدِيُّ الأَزديُّ الأَندلسيُّ، سَمِعَ بميورقة من ابنِ حَزمٍ قَديمًا، وكان يَتَعَصَّب له، ويَميلُ إلى قَولِه، وأَصابَتهُ فِيه فِتنَةٌ، ولمَّا شُدِّدَ على ابنِ حَزمٍ، خَرجَ الحُميدِيُّ إلى المَشرقِ" تُوفِّي الحُميديُّ: في سابع عشر ذي الحجَّةِ، عن 68 عامًا، وصَلَّى عليه أبو بكرٍ الشاشيُّ، ودُفِنَ بمَقبرَةِ بابِ أبرز، ثم إنهم نَقَلوهُ بعدَ سَنتَينِ إلى مَقبرَةِ بابِ حَربٍ، فدُفِنَ عندَ بِشْرٍ الحافي. وقد اختُلِفَ في تاريخِ وَفاتِه؛ فقِيلَ: في هذه السَّنَةِ. وقِيلَ: 491هـ.
#1731
العام الهجري :488العام الميلادي :1095
دُخولُ الأَتراكِ أفريقية عُنوَةً ثم خُروجُهم منها .
غَدَرَ شاهملك التُّركيُّ بِيَحيى بنِ تَميمِ بنِ المُعِزِّ بنِ باديس، وقَبَضَ عليه، وكان شاهملك هذا من أَولادِ بَعضِ الأُمراءِ الأَتراكِ ببلادِ الشَّرقِ، فنالَهُ في بَلدِه أَمْرٌ اقتَضى خُروجَه منه، فسار إلى مصر في مائةِ فارسٍ، فأَكرَمَهُ الأَفضلُ أَميرُ الجُيوشِ، وأَعطاهُ إِقطاعًا ومَالًا، ثم بَلَغَهُ عنه أَسبابٌ أَوجبَت إِخراجَه من مصر، فخَرجَ هو وأَصحابُه هارِبينَ، فاحتالوا حتى أَخَذوا سِلاحًا وخَيْلًا وتَوجَّهوا إلى المغربِ، فوَصَلوا إلى طرابلس الغَربِ، وأَهلُ البَلدِ كارِهونَ لِوالِيها، فأَدخَلوهُم البَلدَ، وأَخرَجوا الوالي، وصار شاهملك أَميرَ البلدِ، فسَمِعَ تَميمٌ الخَبرَ، فأَرسلَ العَساكِرَ إليها، فحَصَروها، وضَيَّقوا على التُّركِ ففَتَحوها، ووَصَلَ شاهملك معهم إلى المَهدِيَّةِ، فسُرَّ بهِ تَميمٌ وبمَن معه، فخَرجَ يحيى بنُ تَميمٍ إلى الصَّيْدِ في جَماعةٍ من أَعيانِ أَصحابِه نحوَ مائةٍ فارسٍ، ومعه شاهملك، فغَدَرَ به شاهملك فقَبَضَ عليه، وسار به وبمَن أُخِذَ معه مِن أَصحابِه إلى مَدينةِ سفاقس، وبَلغَ الخَبرُ تَميمًا، فرَكِبَ، وسَيَّرَ العَساكرَ في إثرِهِم، فلم يُدرِكوهُم، ووَصلَ شاهملك بِيَحيى بنِ تَميمٍ إلى سفاقس، ثم إن صاحِبَ سفاقس خاف يحيى على نَفسِه أن يَثُورَ معه الجُنْدُ وأَهلُ البَلدِ ويُمَلِّكوهُ عليهم، فأَرسلَ إلى تَميمٍ كِتابًا يَسألُه في إِنفاذِ الأَتراكِ وأَولادِهم إليه لِيُرسِلَ ابنَه يحيى، ففَعلَ ذلك بعدَ امتِناعٍ، وقَدِمَ يَحيى، فحَجَبَهُ أَبوهُ عنه مُدَّةً، ثم أَعادَهُ إلى حالِه، ورَضِيَ عنه، ثم جَهَّزَ تَميمٌ عَسكرًا إلى سفاقس، ويحيى معهم، فساروا إليها وحَصَروها بَرًّا وبَحرًا، وضَيَّقوا على الأَتراكِ بها، وأَقاموا عليها شَهرَينِ، واستَولُوا عليها، وفارَقَها الأَتراكُ إلى قابس.
#1732
العام الهجري :488العام الميلادي :1095
البابا (أوربان الثاني) يُعلِن الحَربَ الصَّليبيَّة الأُولى على الأَتراكِ .
تَلَقَّى البابا أوربان الثاني نِداءً من الإمبراطورِ البِيزنطي إلكسيس كومنين يَطلُب منه العَوْنَ ضِدَّ السَّلاجِقَةِ الأَتراكِ، فيَعقِد البابا مَجْمَعًا كَنَسِيًّا في مَدينةِ كليرمون فران في فرنسا ويُعلِن الحَربَ الصَّليبيَّة الأُولى على الأَتراكِ، ويَدعُو إلى وَقْفِ الحَربِ بين المُلوكِ والأُمراءِ المَسيحِيِّينَ في أوربا، وتَوَجُّهِهِم بأَسلِحَتِهم لِحَربِ الكَفَرَةِ على حَدِّ تَعبيرِهِم، ويُعلِن أن كلَّ مَن يَشتَرِك في هذه الحَربِ تُغفَر له ذُنوبُه وتَتَوَلَّى الكَنيسةُ حِمايةَ مَمْلَكَتِه، وكان ريمون الرابع أَميرُ تولوز أَوَّلَ مَن لَبَّى النِّداءَ وتَوَلَّى قِيادةَ الحَملةِ الصَّليبيَّة الأُولى، كما طَلَبَ البابا من أَساقِفَةِ الكَنيسَةِ الكاثوليكيَّة الدَّعوةَ للحَربِ الصَّليبيَّة بين العامَّةِ، وكان أَبرزَ مَن تَوَلَّى الدَّعوةَ الأَسقفُ بُطرس النَّاسِك.
#1733
العام الهجري :488الشهر القمري : صفرالعام الميلادي :1095
وَفاةُ تتش بن ألب أرسلان صاحِبِ دِمشقَ .
هو المَلِكُ أبو سَعيدٍ تاجُ الدَّولةِ تتش بنُ محمد ألب أرسلان بن داود بن ميكال بن سلجوق بن دقاق السلجوقي، وَلَدُ سُلطانٍ وأَخو سُلطانٍ. صاحِبُ البِلادِ الشرقيَّةِ. وُلِدَ في رمضان سَنةَ 458هـ. تُركِيٌّ مُحتَشِمٌ، شُجاعٌ، مَهِيبٌ جَبَّارٌ، ذا سَطْوَةٍ، مِن بَيتِ مُلْكٍ، وله فُتوحاتٌ ومصافاتٌ، وتَمَلَّكَ عِدَّةَ مَدائنَ، وخُطِبَ له ببغداد، وصار مِن كِبارِ مُلوكِ الزَّمانِ وتقدم. مَرَّ كَثيرٌ مِن سِيرَتِه وفُتوحاتِه العَظيمةِ في الحَوادثِ. تَمَلَّكَ بِضعَ عَشرةَ سَنةً. وكان يُغالِي في حُبِّ شَيخِ الإسلامِ أبي الفَرجِ الحَنبليِّ، ويَحضرُ مَجلِسَه، فعَقَدَ له ولِخُصومِه في مَسألَةِ القُرآنِ مَجلِسًا، قَدِمَ لبِلادِ الشامِ لمَّا حاصَرَ أَميرُ الجُيوشِ بَدرٌ الجماليُّ مَدينةَ دِمشقَ مِن جِهَةِ صاحبِ مصر العُبيديِّ, وكان صاحِبُ دِمشقَ يَومئذٍ أتسز بن أوق بن الخوارزميَّ التركيَّ, فاستَنجَدَ بتتش فأَنجَدَه وسار إليه بنَفسِه، فلمَّا وَصلَ إلى دِمشقَ خَرجَ إليه أتسز، فقَبَضَ عليه تتش وقَتلَه واستَولَى على مَملَكَتِه وذلك في سَنةِ 471هـ، ثم مَلَكَ حَلَب بعدَ ذلك في سَنةِ 478هـ، ثم استَولَى على مُعظَمِ البلادِ الشاميَّةِ، وجَرَت له أُمورٌ وحُروبٌ مع المِصريِّينَ، ثم جَرَى بينه وبين ابنِ أَخيهِ بركياروق مُنافراتٌ ومُشاجراتٌ بعدَ وَفاةِ ملكشاه أَدَّت إلى المُحارَبَةِ بينهما، فتَوجَّه إليه تتش وتَصافَّا بالقُربِ من مَدينةِ الرَّيِّ في يَومِ الأَحدِ سابع عشر صَفَر سَنةَ 488هـ، فانكَسرَ تتش، وقُتِلَ في المَعركةِ ذلك النهارَ.
#1734
العام الهجري :488الشهر القمري : جمادى الآخرةالعام الميلادي :1095
وَفاةُ أبي شُجاعٍ الوَزيرِ الروذراوريِّ .
هو أبو شُجاعٍ الوَزيرُ محمدُ بن الوَزيرِ حُسينِ بن عبدِ الله بن إبراهيمَ، الروذراوريُّ، أَهوازيُّ الأَصلِ من همذان. كان أبو شُجاعٍ قد قَرأَ الفِقهَ والعَربيَّةَ، وسَمِعَ الحَديثَ من جَماعةٍ منهم: أبو إسحاقَ الشِّيرازيُّ، وصَنَّفَ كُتُبًا منها كِتابُه الذي ذَيَّلَهُ على ((تجارب الأمم)) ووَزَرَ للمُقتدِي بالله سَليمًا مِن طَمَعٍ، وكان يَملِك حِينئذٍ عَيْنًا ستمائة ألف دِينارٍ، فأَنفَقَها في الخَيراتِ والصَّدقاتِ. قال أبو جَعفرِ بن الخِرقيِّ: "كُنتُ أنا مِن أَحَد عشر يَتَولَّون إِخراجَ صَدَقاتِه، فحَسِبتُ ما خَرَجَ على يَدِي فكان مائة ألف دِينارٍ، ووَقَّفَ الوُقوفَ، وبَنَى المَساجِدَ، وأَكثَرَ الإنعامَ على الأَرامِلِ واليَتامَى، وكان يَبيعُ الخُطوطَ الحَسَنَة، ويَتصدَّق بثَمَنِها ويقول: أَحَبُّ الأَشياءِ إليَّ الدِّينارُ والخَطُّ الحَسَن، فأنا أُخرِجُ للَّه مَحبوبي. ووَقَعَ مَرَضٌ في زَمانِه، فبَعَثَ إلى جَميعِ أَصقاعِ البَلدِ أَنواعَ الأَشرِبَةِ والأَدوِيَةِ، وكان يُخرِج العُشْرَ من جَميعِ أَموالِه النَّباتيَّة على اختِلافِ أَنواعِه. حَكَى حاجِبُه الخاصُّ بهِ قال: استَدعاني لَيلةً، وقال: إنِّي أَمَرتُ بعَمَلِ قَطائفَ، فلمَّا حَضَرَ بين يديَّ ذَكرتُ نُفوسًا تَشتَهيهِ فلا تَقدِرُ عليه، فنَغَّصَ ذلك عليَّ أَكْلَهُ، ولم أَذُق منه شَيئًا، فاحمِل هذه الصُّحونَ إلى أَقوامٍ فُقراءَ. فحَمَلَها الفَرَّاشُونَ معه، وجَعَلَ يَطرُق أَبوابَ المَساجِد ببابِ المَراتِبِ، ويَدفَع ذلك إلى الأَضِرَّاءِ المُجاوِرينَ بها" وكان يُبالِغُ في التَّواضُع، حتى تَرَكَ الاحتِجابَ فيُكَلِّم المَرأَةَ والطِّفلَ، وأَوْطَأَ العَوامَّ والصَّالِحينَ مَجلِسَه، وكان يُحضِر الفُقهاءَ الدِّيوانَ في كلِّ مُشكِلٍ، وكانوا إذا أَفتَوا في حَقِّ شَخصٍ بوُجوبِ حَقِّ القَصاصِ عليه سَأَلَ أَولياءَ الدَّمِ أَخْذَ شَيءٍ من مالِه وأن يَعفُوا، فإن فَعَلوا وإلَّا أَمَرَ بالقَصاصِ، وأَعطَى ذلك المالَ وَرَثَةَ المَقتُولِ الثاني، وفي زَمانِه أُسقِطَت المُكوسُ، وأُلبِسَ أَهلُ الذِّمَّةِ الغِيارَ، وتَقدَّم إلى الخِرَقيِّ المُحتَسِب أن يُؤَدِّبَ كلَّ مَن فَتَحَ دُكَّانَه يَومَ الجُمعةِ ويُغلِقَه يومَ السبتِ مِن البَزَّازينَ وغَيرِهم، وقال: هذه مُشارَكةٌ لليَهودِ في حِفْظِ سَبتِهم. وكان قد سَمِعَ أن النَّفَّاطِينَ والكِلابزيَّة -مَن يَتَولَّى تَربيَةَ الكِلابِ وبَيعَها- يَقِفونَ على دَكاكِين المُتعيِّشين فيَأخُذون منهم كلَّ أُسبوعٍ شَيئًا، فنَفَذَ مَن يَمنعُهم مِن الاجتِيازِ بهم. وحَجَّ في وِزارَتِه سَنةَ ثمانين، فبَذَلَ في طَريقِه الزَّادَ والأَدوِيَةَ، وعَمَّ أَهلَ الحَرمَينِ بصَدَقاتٍ، وساوَى الفُقراءَ في إِقامَةِ المَناسِك والتَّعَبُّد، وكان كَثيرَ البِرِّ للخَلْقِ، كَثيرَ التَّلَطُّفِ بهم، ولمَّا عُزِلَ خَرجَ إلى الجامِعِ يومَ الجُمعةِ فانثالَت عليه العامَّةُ تُصافِحُه وتَدعُو له، فكان ذلك سَبَبًا لالتِزامِه بَيتَه، والإنكارِ على مَن صَحِبَهُ، وبَنَى في دِهليزِ دارِهِ مَسجِدًا وكان يُؤَذِّن ويُصلِّي فيه، ثم وَرَدَت كُتُبُ نِظامِ المُلْكِ بإخراجِه من بغداد، فأُخرِجَ إلى بَلدةٍ، فأَقامَ مُدَّةً، ثم استَأذَنَ في الحَجِّ فأُذِنَ له فخَرجَ, وجاوَرَ بالمَدينَةِ، فلمَّا مَرِضَ مَرْضَ المَوتِ حُمِلَ إلى مَسجدِ رَسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم, وتُوفِّي مِن يَومِه ودُفِنَ بالبَقيعِ بعدَ أن صُلِّيَ عليه بمَسجدِ رَسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، في مُنتَصفِ جُمادَى الآخِرَة من هذه السَّنَةِ وهو ابنُ إحدى وخمسين سَنةً، وكان له شِعْرٌ حَسَنٌ.
#1735
العام الهجري :488الشهر القمري : شوالالعام الميلادي :1095
وَفاةُ المُعتَمِد بنِ عَبَّادٍ مَلِك الأَندلسِ .
هو مَلِكُ الأَندلسِ المُعتَمِدُ على الله أبو القاسمِ محمدُ بنُ المُعتَضِد بالله أبي عَمروٍ عَبَّادِ بنِ الظافرِ المُؤيَّدِ بالله أبي القاسمِ محمدِ قاضي إشبيلية بن أبي الوليدِ إِسماعيلَ بن قُريشِ بن عَبَّاد بنِ عَمرِو بن أَسلمَ بنِ عَمرِو بنِ عَطَّاف بنِ نعيمٍ، اللخميُّ، مِن وَلَدِ النُّعمانِ بن المُنذِر اللخميِّ، آخرِ مُلوكِ الحِيرَةِ؛ كان المُعتَمِدُ صاحِبَ قُرطبةَ وإشبيلية وما والاهُما مِن جَزيرةِ الأندلسِ. كان بِدءُ أَمرِ عائِلَةِ المُعتَمِد في بِلادِ الأندلسِ أن نعيمًا وابنَه عَطَّافًا أَوَّلُ مَن دَخلَ إليها من بِلادِ المَشرقِ، وهُما مِن أَهلِ العريشِ، المَدينَة القَديمَة الفاضِلَة بين الشامِ والدِّيارِ المِصريَّة في أَوَّلِ الرَّملِ من جِهَةِ الشامِ، وأقامَا بها مُستَوطِنين بقَريَةٍ بقُربِ يَومينِ مِن إقليم طشانة من أَرضِ إشبيلية. نَشأَ المُعتَمِدُ بنُ عبَّادٍ في الأَندلسِ كغَيرِه مِن أَبناءِ المُلوكِ على المُيولِ والدِّعَةِ والتَّرَفِ، كان مَوصوفًا بالكَرمِ والأَدَبِ والحِلمِ، حَسَنَ السِّيرَةِ والعِشرَةِ والإحسانِ إلى الرَّعيَّةِ، والرِّفقِ بهم. تُوفِّي والدُه المُعتَضِد سَنةَ 464هـ فخَلَفَهُ في الحُكمِ، فكان فارِسًا شُجاعًا، عالِمًا أَديبًا، ذَكِيًّا شاعِرًا، مُحسِنًا جَوادًا مُمْدَحًا، كَبيرَ الشَّأنِ، خَيرًا مِن أَبيهِ. كان أَندَى المُلوكِ راحَةً، وأَرحَبَهُم ساحَةً، كان بابُه مَحَطَّ الرِّحالِ، وكَعبَةَ الآمالِ, ومَألَفَ الفُضلاءِ، حتى إنه لم يَجتمِع ببابِ أَحدٍ مِن مُلوكِ عَصرِه مِن أَعيانِ الشُّعراءِ وأَفاضِلِ الأُدباءِ ما كان يَجتَمِع ببابِه. قال أبو بكر محمدُ بن اللَّبَّانة الشاعِرُ: "مَلَكَ المُعتَمِدُ مِن مُسَوَّراتِ البِلادِ مائتي مُسَوَّر، ووُلِدَ له مائةٌ وثلاثةٌ وسبعون وَلَدًا، وكان لِمَطبَخِه في اليوم ثَمانيةُ قَناطيرَ لَحمٍ، وكُتَّابُه ثَمانية عشر". ولمَّا قَوِيَ أَمرُ الأذفونش بعدَ أَخذِه طُليطلة، اجتَمعَ العُلماءُ، واتَّفَقوا مع ابنِ عَبَّادٍ على أن يُكاتِبوا الأَميرَ ابنَ تاشفين صاحِبَ مراكش لِيُنجِدَهُم، فقال جَماعةٌ لابنِ عبَّادٍ: نَخافُ عليك من استِمدادِه. فقال: رَعْيُ الجِمالِ خَيرٌ مِن رَعْيِ الخَنازيرِ. فلمَّا عَبَرَ ابنُ تاشفين بجُيوشِه إلى الجَزيرَةِ، اجتَمعَ به المُعتَمِد، وأَقبَلَت المُطَّوِّعَةُ من النَّواحي، وقاتَلَ المُعتَمِدُ بن عبَّادٍ في الزَّلَّاقَةِ وثَبَتَ في ذلك اليوم ثَباتًا عَظيمًا، وأَصابَهُ عِدَّةُ جِراحاتٍ في وَجهِه وبَدَنِه، وشُهِدَ له بالشَّجاعَةِ، وغَنِمَ المسلمون دَوابَّ الفِرنجَةِ وسِلاحَهم، ورَجَعَ ابنُ تاشفين إلى بِلادِه والمُعتَمِد إلى بِلادِه. ثم إن الأَميرَ يوسفَ عادَ إلى الأندلسِ بعدَ أن وَصلَتهُ فَتاوَى العُلماءِ بخَلعِ مُلوكِ الطَّوائفِ قال ابنُ خلدون: "وأَفتاهُ الفُقهاءُ وأَهلُ الشُّورَى من المَغربِ والأَندلسِ بِخَلْعِهِم وانتِزاعِ الأَمرِ مِن أَيدِيهم، وصارَت إليه بذلك فَتاوَى أَهلِ الشَّرقِ الأَعلامِ مثل: الغزاليِّ والطَّرطوشيِّ". فلمَّا أَجازَ ابنُ تاشفين انقَبَضوا عنه إلَّا ابنَ عَبَّادٍ فإنه بادَرَ إلى لِقائِه. استَعانَ بالأذفونش مَلِكُ اشتاله وطَلَبَ منه المَدَدَ، فقَدَّمَ ابنُ تاشفين سيرَ بنَ أبي بكر الأندلسي، فوَصَلَ إلى إشبيلية وبها المُعتَمِدُ فحاصَرَهُ أَشَدَّ مُحاصَرةٍ، وظَهرَ مِن مُصابَرةِ المُعتَمدِ وَشِدَّةِ بَأسِه وتَرامِيه على المَوتِ بنَفسِه ما لم يُسمَع بمِثلِه، والناسُ بالبلدِ قد استَولَى عليهم الفَزَعُ وخامَرَهُم الجَزَعُ, فلمَّا كان يومُ الأَحدِ العشرين من رجب سَنةَ 484هـ هَجَمَ عَسكرُ الأَميرِ ابنِ تاشفين البَلدَ وشَنُّوا فيه بالغاراتِ، وقُبِضَ على المُعتَمِد وأَهلِه، وكان قد قُتِلَ له وَلدانِ قبلَ ذلك، أَحدُهما: المأمون، نائِبُه في قُرطبة والثاني الرَّاضي، كان نائِبًا عن أَبيهِ في رندة، وهي مِن الحُصونِ المَنيعَةِ, ولمَّا أُخِذَ المُعتَمِد قَيَّدوهُ من ساعَتِه، وأُودِعَ سِجْناً في أغمات بالعَدوَةِ وتَشَرَّدَ أَهلُه وافتَقَروا في بلادِ المَغربِ, ودَخَلَ عليه يَومًا بَناتُه السِّجنَ، وكان يَومَ عِيدٍ، وكُنَّ يَغزِلنَ للناسِ بالأُجرَةِ في أغمات، فرآهُنَّ في أَطمارٍ رَثَّةٍ وحالَةٍ سَيِّئَةٍ، فصَدَّعنَ قَلبَه وأَنشدَ:"فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا فساءك العيد في أغمات مأسورنرى بناتك في الأطمار جائعةًيغزلن للناس لا يملكن قطميرابرزن نحوك للتسليم خاشعةًأبصارهن حسيراتٍ مكاسيرايطأن في الطين والأقدام حافيةٌكأنها لم تطأ مسكًا وكافورا"زالت دَولةُ المُعتَمِد بن عبَّادٍ على يَدِ شَريكِه في النَّصرِ بعدَ أن دَخلَ قُرطبة، ومات غَريبًا في مَنفاهُ بـأغمات بالمغربِ, وقد حَزِنَ الناسُ عليه، وقال في مُصابِه الشُّعراءُ فأَكثَروا, ويُعتَبر مِن أَشهرِ مُلوكِ دَولةِ الطَّوائفِ التي قامَت في الأَندلسِ في القَرنِ الخامسِ الهِجريِّ، بعدَ انهِيارِ دَولةِ الخِلافةِ الأُمويَّة.
#1736
العام الهجري :488الشهر القمري : ذي القعدةالعام الميلادي :1095
وَفاةُ أَميرِ الجُيوشِ بَدرِ بنِ عبدِ الله الجمالي .
هو أَميرُ الجُيوشِ، الوَزيرُ الأَرمَنيُّ، بَدرُ بنُ عبدِ الله الجمالي، اشتَراهُ جَمالُ المُلْكِ بنُ عمَّارٍ الطَّرابلسيُّ، ورَبَّاهُ، فتَرَقَّت به الأَحوالُ إلى المُلْكِ. وَلِيَ نِيابَةَ دِمشقَ للمُستَنصِر الفاطميِّ سَنَةَ 455هـ، إلى أن هاجَ أَحداثُ دِمشقَ وشُطَّارُها سَنةَ 460هـ, فتَحَوَّل إلى مصر, وقِيلَ: لمَّا ضَعُفَ حالُ المُستَنصِر في مصر واختَلَّت دَولتُه وُصِفَ له بَدرٌ الجمالي، فاستَدعاهُ فرَكِبَ البَحرَ ووَصلَ القاهِرةَ عَشِيَّةَ يَومِ الأَربعاءِ للَيلَتَينِ بَقِيَتَا من جُمادَى الأُولى، فوَلَّاهُ المُستَنصِر تَدبيرَ أُمورِه، وقامَت بوُصولِه الحُرمَةُ وأَصلَحَ الدَّولةَ؛ وكان وَزيرَ السَّيْفِ والقَلَمِ، وإليه قَضاءُ القُضاةِ والتَّقَدُّمُ على الدُّعاةِ، وساس الأُمورَ أَحسَنَ سِياسَةٍ، ويُقال: إن وُصولَه كان أَوَّلَ سَعادَةِ المُستَنصِر، وكان يُلَقَّب: أَميرَ الجُيوشِ؛ وأَنشأَ بالإسكندريَّةِ جامِعَ العَطَّارِينَ، وكان بَدرٌ الجمالي بَطَلًا شُجاعًا مَهِيبًا، مِن رِجالِ العالَمِ، قَصَدَهُ عَلقمةُ العليميُّ الشاعِرُ، فعَجَزَ عن الدُّخولِ إليه، فوَقَفَ على طَريقِه، وفي رَأسِه رِيشُ نَعامٍ، ثم أَنشَدَهُ أَبياتًا وَقَعَت منه بمَوقِع، ووَقَفَ له، ثم أَمَرَ الحاشِيةَ أن يَخلَعوا عليه، وأَمَرَ له بعَشرةِ آلافٍ، فذَهَبَ بخِلَعٍ كَثيرَةٍ إلى الغايَةِ، وَهَبَ منها لِجَماعَةٍ من الشُّعَراءِ". مات بَدرٌ بمصر سَنةَ 488هـ وخَلَّفَ أَموالًا عَظيمَةً. وقام بَعدَه ابنُه الأَفضلُ المُلَقَّب أيضًا بأَميرِ الجُيوشِ, ولمَّا مَرِضَ واشتَدَّ مَرَضُه في شَهرِ رَبيعٍ الأَوَّل من سَنةِ 487هـ، وَزَرَ وَلدُه الأَفضلُ مَوضِعَه في حَياتِه، وقِيلَ: عاش بَدرٌ نَحوًا من ثمانين سَنَةً.
#1737
العام الهجري :489العام الميلادي :1095
عُدوانُ قبيلة خَفاجَة العربية على سَيفِ الدَّولَةِ بنِ مزيد .
أَغارَت خَفاجَةُ على بَلدِ سَيفِ الدولةِ صَدَقَة بنِ مزيد، فأَرسلَ في إِثْرِهِم عَسكَرًا، مُقَدِّمُه ابنُ عَمِّهِ قُريشُ بن بدران بن دبيس بن مزيد، فأَسَرَتهُ خَفاجةُ، وأَطلَقوهُ، وقَصَدوا مَشهدَ الحُسينِ بنِ عليٍّ، فتَظاهَروا فيه بالفَسادِ والمُنكَرِ، فوَجَّهَ إليهم صَدقةُ جَيشًا، فكَبَسوهُم، وقَتَلوا منهم خَلْقًا كَثيرًا في المَشهدِ، حتى عند الضَّريحِ، وأَلقَى رَجلٌ منهم نَفسَه وهو على فَرَسِه من على السُّورِ، فسَلِمَ هو والفَرَسُ.
دَعا البابا أوربان الثاني إلى حَربٍ صَليبيَّةٍ ضِدَّ المسلمين واستَجابَ أُمراءُ أوربا لهذا النِّداءِ فأَوقَفوا الحُروبَ بينهم وأَعَدُّوا حَملَةً صَليبيَّةً مُنَظَّمَةً اشتَركَ فيها الدوق جودفري بويون أَميرُ مُقاطَعَةِ اللورين السُّفلَى، وأَخوهُ بودوان، وريمون أَميرُ تولوز، وبروفانس وبوهمند النورماندي أَميرُ تارانت، وابنُ أُختِه تانكرد، وروبير أَميرُ نورماندي وهو ابنُ وليم الفاتح، وصِهرُه اتيان أَميرُ مُقاطَعةِ بلوا وشارتر، وبَدَأوا بالمَسيرِ من مَدينةِ كولونيا إلى بِلادِ البَلقان. ونُفوسُهم تَسمُوا للوُصولِ للشامِ ثم بَيتِ المَقدِس مَسجِدِ أَنبِيائِهِم ومَطلَعِ دِينِهم، فتَتابَعوا إليه نِهايةَ القَرنِ الخامس الهِجريِّ، وتَواثَبوا على أَمصارِ الشامِ وحُصونِه وسَواحِلِه. ويُقال: "إنَّ المُستَنصِرَ العُبيديَّ هو الذي دَعاهُم لذلك وحَرَّضَهم عليه لِمَا رَجَى فيه مِن اشتِغالِ مُلوكِ السَّلجوقيَّةِ بأَمرِهِم، وإقامَتِهم سَدًّا بينه وبينهم عندما سَمَوا إلى مُلْكِ الشامِ ومصر" وقد ذَكَرَ السيوطيُّ في تاريخِ الخُلفاءِ: "أن صاحِبَ مصر لمَّا رأى قُوَّةَ السَّلجوقيَّةِ واستِيلائِهِم على الشامِ كاتَبَ الفِرنجَ يَدعوهُم إلى المَجيءِ إلى الشامِ لِيَملكُوها، وكَثُرَ النَّفيرُ على الفِرنجِ مِن كُلِّ جِهَةٍ"
#1739
العام الهجري :489العام الميلادي :1095
مِلْكُ تَميمِ بنِ المُعِزِّ مَدينةَ قابس .
في هذه السَّنَةِ مَلَكَ تَميمُ بنُ المُعِزِّ مَدينةَ قابس، وأَخرَجَ منها أَخاهُ عَمْرًا, وسَببُ ذلك أنه كان بها إنسانٌ يُقال له قاضي بن إبراهيمَ بن بلمونه فماتَ، فوَلَّى أَهلُها عليهم عَمرَو بنَ المُعِزِّ، فأَساءَ السِّيرَةَ، وكان قاضي بن إبراهيمَ عاصِيًا على تَميمٍ، وتَميمٌ يُعرِض عنه، فعَصَى عَمرٌو على أَخيهِ كقاضي بن إبراهيم، فأَخرجَ تَميمٌ العَساكِرَ إلى أَخيهِ عَمرٍو لِيَأخُذَ المَدينةَ منه، فقال بَعضُ أَصحابِه: يا مَولانا لمَّا كان فيها قاضي تَوانَيتَ عنه وتَركتَهُ، فلمَّا وَلِيَها أَخوكَ جَرَرتَ إليه العَساكِرَ! فقال: لمَّا كان فيها غُلامٌ مِن عَبيدِنا كان زَوالُه سَهلًا علينا، وأمَّا اليومَ، وابنُ المُعِزِّ بالمَهدِيَّةِ، وابنُ المُعِزِّ بقابس، فهذا ما لا يُمكِن السُّكوتُ عليه.
#1740
العام الهجري :489الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :1096
هو أبو المُظَفَّرِ مَنصورُ بن نِظامِ الدِّينِ نَصرِ بنِ نَصيرِ الدَّولةِ مَروانَ بنِ دوستك الكُرديُّ، صاحِبُ دِيارِ بَكرٍ، تَوَلَّى الحُكمَ بعدَ وَالدِه نِظامِ الدِّين في ذي الحجَّةِ سَنةَ 472هـ، ودَبَّرَ دَولتَهُ ابنُ الأَنبارِيِّ، ولم يَزَل في مُلكِه إلى أن انقَرَضَ أَمرُ بَنِي مَروانَ على يَدِ فَخرِ الدَّولةِ بنِ جَهيرٍ حين حارَبَهُ، وكان جكرمش قد قَبَضَ عليه بالجَزيرَةِ، وتَرَكَهُ عند رَجلٍ يَهوديٍّ، فمات في دارِه، وحَمَلَتهُ زَوجتُه إلى تُربَةِ آبائِه، فدَفَنَتهُ ثم حَجَّت، وعادَت إلى بَلدِ البَشْنَوِيَّة. قال ابنُ الأَثيرِ: " كان مَنصورٌ شُجاعًا، شَدِيدَ البُخْلِ، له في البُخْلِ حِكاياتٌ عَجيبَة، فتَعْسًا لِطالِبِ الدُّنيا، المُعرِض عن الآخِرَةِ، ألا يَنظُر إلى فِعلِها بأَبنائِها، بينما مَنصورٌ هذا مَلِكٌ مِن بَيتِ مَلِكٍ آلَ أَمرُه إلى أن ماتَ في بَيتِ يَهودِيٍّ، نَسألُ الله تعالى أن يُحسِن أَعمالَنا، ويُصلِح عاقِبَةَ أَمرِنا في الدنيا والآخرة، بمَنِّهِ وكَرَمِه".