نَبع

الأحداث التاريخية

رحلة عبر الزمن في تاريخنا الإسلامي العريق

#1705
العام الهجري :482الشهر القمري : جمادى الأولىالعام الميلادي :1089

الفِتنَةُ الثانيةُ بين السُّنَّةِ والشِّيعَةِ ببغداد .

كَثُرَت الفِتَنُ ببغداد بين الشِّيعةِ من أَهلِ الكَرخِ وغَيرِها من المَحالِّ مِن أَهلِ السُّنَّةِ، وقُتِلَ بينهم عَددٌ كَثيرٌ، واستَولَى أَهلُ المَحالِّ على قِطعَةٍ كَبيرةٍ من نَهرِ الدَّجاجِ، فنَهَبوها، وأَحرَقوها، فنَزل شِحْنَةُ بغداد -المسؤول عن ضبط بغداد- وهو خمارتكين النائبُ عن كوهرائين، على دِجلَة في خَيْلِه ورَجِلِه، لِيَكُفَّ الناسَ عن الفِتنةِ، فلم يَنتَهوا، وكان أهلُ الكَرخِ يَجرُون عليه وعلى أَصحابِه الجِراياتِ والإقاماتِ، وفي بعضِ الأيامِ وَصَلَ أَهلُ بابِ البَصرَةِ إلى سُويقَةِ غالبٍ، فخَرجَ مِن أَهلِ الكَرخِ مَن لم تَجرِ عادَتُه بالقِتالِ، فقاتَلوهُم حتى كَشَفوهُ،. فرَكِبَ خَدَمُ الخَليفةِ، والحُجَّابُ، والنُّقَباءُ، وغَيرُهم من أَعيانِ الحَنابِلَةِ، إلى خمارتكين، وساروا معه إلى أَهلِ الكَرخِ، فقَرأَ عليهم كِتابًا من الخَليفةِ يَأمُرهم بالكَفِّ، ومُعاوَدَةِ السُّكونِ، وحُضورِ الجَماعةِ والجُمعةِ، والتَّدَيُّنِ بمَذهبِ أَهلِ السُّنَّةِ، فأجابوا إلى الطاعةِ، فبينما هم كذلك أَتاهُم الصَّارِخُ من نَهرِ الدَّجاجِ بأن السُّنَّةَ قد قَصَدوهُم، والقِتالُ عندهم، فمَضوا مع خمارتكين، ومُنِعوا من الفِتنَةِ، وسَكَنَ الناسُ، وكَتَبَ سُنَّةٌ مِن أَهلِ الكَرخِ على أَبوابِ مَساجِدِهم: "خَيرُ الناسِ بعدَ رَسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أبو بكرٍ ثم عُمَرُ ثم عُثمانُ ثم عَلِيٌّ، ومِن عند هذا اليومِ ثارَ شِيعَةٌ من أَهلِ الكَرخِ، وقَصَدوا شارعَ ابنِ أبي عَوفٍ ونَهَبوهُ، ورَفعَ العامَّةُ الصُلبانَ وهَجَموا على الوَزيرِ في حُجرَتِه، وأَكثَروا من الكَلامِ الشَّنيعِ، وقُتِلَ ذلك اليومَ رَجلٌ هاشِميٌّ مِن أَهلِ بابِ الأزج بسَهمٍ أَصابَهُ، فثارَ العامَّةُ هناك بعَلَوِيٍّ كان مُقِيمًا بينهم، فقَتَلوهُ وحَرَقوهُ، وجَرَى مِن النَّهْبِ، والقَتْلِ، والفَسادِ أُمورٌ عَظيمةٌ، فأَرسلَ الخَليفةُ إلى سَيفِ الدَّولةِ صَدَقةَ بنِ مزيد، فأَرسلَ عَسكرًا إلى بغداد، فطَلَبوا المُفسِدين والعَيَّارِين، فهَرَبوا منهم، فهُدِمَت دُورُهم، وقُتِلَ منهم ونُفِيَ وسَكنَت الفِتنةُ، وأَمِنَ الناسُ.

#1706
العام الهجري :483العام الميلادي :1090

عَودَةُ يُوسفَ بنِ تاشفين للأندَلُسِ ونِهايَةُ مُلوكِ الطَّوائِف .

جازَ يوسفُ بن تاشفين ثانِيةً وتَثاقَلَ أُمراءُ الطَّوائفِ عن لِقائِه لِمَا أَحَسُّوا مِن نَكيرِه عليهم أَخذَهُم المُكوسَ، فوَجَدَ عليهم، وعَهِدَ بِرَفعِ المُكوسِ وتَحرِّى العَدل، فلمَّا أَجازَ انقَبَضوا عنه إلا ابنَ عبَّادٍ فإنه بادَرَ إلى لِقائِه, وتَوافَقَ مُلوكُ الطَّوائفِ على قَطْعِ المَدَدِ عن عَساكرِه ومحلاتِه فساءَ نَظرُه، قال ابنُ خَلدون: "وأَفتاهُ الفُقهاءُ وأَهلُ الشُّورَى من المَغرِب والأَندَلُس بخَلعِهم وانتِزاعِ الأَمرِ من أَيدِيهم، وصارَت إليه بذلك فَتاوَى أَهلِ الشرقِ الأَعلامِ مثل: الغَزَالي والطَّرطوشي"، فاتَّجَهَ إلى غرناطة واستَنزَل صاحِبَها عُبيدَ الله بن بلكّين بن باديس وَأخاهُ تَميمًا من مالقة بعدَ أن كان منهما مُداخلةُ الطَّاغِيَة ألفونسو في عَداوَةِ يوسف بن تاشفين، وبَعَثَ بهما إلى المَغرِب فخافَ ابنُ عبَّادٍ عند ذلك منه وانقَبَضَ عن لِقائِه وفَشَت السِّعاياتُ بينهما. ونَهَضَ يُوسفُ بن تاشفين إلى سَبتَة فاستَقرَّ بها، وعَقَدَ للأَميرِ سير بن أبي بكر بن محمد وركوت على الأَندلسِ وأَجازَهُ فقَدِمَ عليها، وقَعَدَ ابنُ عبَّادٍ عن تَلَقِّيهِ ومَبَرَّتِه فأَحفَظَهُ ذلك، وطالَبَهُ بالطَّاعَةِ للأَميرِ يوسف والنُّزولِ عن الأَمرِ، ففَسَدَ ذاتُ بينِهما، وغَلَبَهُ على جَميعِ عَمَلِه. واستَنزَلَ أَولادَ المأَمونِ من قُرطبة، ويَزيدَ الرائضَ من رندة وقرمونة، واستَولَى على جَميعِها وقَتَلَهم. وصَمَدَ إلى إشبيليّة فحاصَرَ المُعتَمِد بها وضَيَّقَ عليه، واستَنجَدَ الطاغِيَة فعَمَدَ الى استِنقاذِه من هذا الحِصارِ، فلم يُغنِ عنه شَيئًا، وكان دِفاعُ لمَتونَة ممَّا فَتَّ في عَضُدِه، ودَخلَ المُرابِطون قُرطبة سَنةَ 484هـ, واقتَحمَ والمُرابِطون إشبيليّة عليه عُنوةً سَنةَ 484هـ وتقبّض وقَبَضَ على المُعتَمِد وقادَهُ أَسيرًا إلى مَراكش، فلم يَزَل في اعتِقالِ يوسف بن تاشفين إلى أن هَلَكَ في مَحبَسِه بأغمات سَنةَ 490هـ، ثم عَمَدَ إلى بطليوس وتقبّض وقَبَضَ على صاحبها عُمرَ بنَ الأَفطَس فقَتَلَه وابنَيْهِ يومَ الأضحى سَنةَ 489هـ بما صَحَّ عنده مِن مُداخَلَتِهم الطاغية، وأن يُمَلِّكوهُ مَدينةَ بطليوس، ثم أجازَ يوسفُ بن تاشفين الجوازَ الثالثَ سَنةَ 490هـ وزَحَفَ إليه الطاغية فبَعثَ عَساكرَ المُرابِطين لنظر محمد بن الحاج فانهَزمَ النَّصارَى أَمامَه، وكان الظهورُ للمُسلِمين. ثم أَجازَ الأَميرُ يحيى بن أبي بكر بن يوسف بن تاشفين سَنةَ 493هـ، وانضَمَّ إليه محمدُ بن الحاج، وسيرُ بنُ أبي بكر، واقتَحَموا عامَّةَ الأندلسِ من أَيدِي مُلوكِ الطَّوائفِ، ولم يَبقَ منها إلا سرقسطة في يَدِ المُستَعينِ بن هود الذى كان قد أَبلَى بَلاءً حَسَنًا في جِهادِ النَّصارَى جَعلَت ابنُ تاشفين يُبقِيه في مُلكِه، وصار سَدًّا مَنيعًا في حِمايَةِ الثُّغورِ الشماليَّةِ من هَجَماتِ النَّصارَى, قال الذهبيُّ: "سالَمَ المُستَعِينُ بالله ابنُ هود صاحِبُ شَرقِ الأندلسِ ابنَ تاشفين، وكان يَبعَثُ إليه بالتُّحَفِ. وكان هو وأَجنادُه ممَّن يُضرَب بهم المَثَلُ في الشَّجاعَةِ، فلمَّا احتَضَر يوسفُ بن تاشفين أَوْصَى وَلَدَهُ عَلِيًّا بِبَنِي هود، وقال: اترُكهُم بينَك وبين العَدُوِّ، فإنَّهم شُجعانٌ" وغَزَا الأَميرُ مزدلي صاحِبُ بلنسية إلى بَلدِ برشلونة فأَثخَنَ بها وبَلَغَ إلى حيث لم يَبلُغ أَحدٌ قَبلَهُ، ورَجَعَ.

#1707
العام الهجري :483الشهر القمري : صفرالعام الميلادي :1090

الخَليفةُ العبَّاسيُّ المُقتَدِي يُلزِم أَهلَ الذِّمَّةِ بلِباسٍ يُمَيِّزهُم عن المسلمين .

كَتَبَ الوَزيرُ أبو شُجاعٍ محمدُ بن حُسينٍ الروذراوريُّ إلى الخَليفةِ يُعرِّفهُ باستِطالَةِ أَهلِ الذِّمَّةِ على المسلمين، وأن الواجِبَ تَمييزُهم عنهم؛ فأَمرَهُ الخَليفةُ أن يَفعلَ ما يَراهُ. فأَلزَمَهم الوَزيرُ لُبْسَ الغيارِ والزَّنانيرِ وتَعليقَ الدَّراهِم الرصاص في أَعناقِهم، مَكتوبٌ على الدَّراهِم "ذِمِّي" وتُجعَل هذه الدَّراهِم أيضًا في أَعناقِ نِسائِهم في الحَمَّاماتِ ليُعرَفنَ بها، وأن يَلبَسنَ الخِفافَ فَرْدًا أَسوَد وفَرْدًا أَحمَر، وجُلْجُلًا في أَرجُلِهِنَّ. فذُلُّوا وانقَمَعوا بذلك. وأَسلَم حينئذ عَدَدٌ منهم.

#1708
العام الهجري :483الشهر القمري : جمادى الأولىالعام الميلادي :1090

نَهْبُ العَربِ البَصرَةَ .

نَهَبَ العَربُ البَصرةَ نَهْبًا قَبيحًا، وسَببُ ذلك أنَّه وَرَدَ إلى بغداد، في بَعضِ السِّنين، رَجلٌ أَشقرُ مِن سَوادِ النِّيلِ يَدَّعِي الأَدبَ، والنَّظَرَ في النُّجومِ، ويَستَجرِي الناسَ، فلَقَّبَهُ أَهلُ بغداد تليا –أي التابع-، وكان نازلًا في بَعضِ الخاناتِ، فسَرَقَ ثِيابًا من الدِّيباجِ وغَيرِه، وأَخفَاها في خلفا، وسار بهم، فرَآها الذين يَحفَظون الطَّريقَ، فمَنَعوهُ من السَّفَر اتِّهامًا له، وحَمَلوهُ إلى المُقَدَّم عليهم، فأَطلَقَه لِحُرمَةِ العِلْمِ، فسار إلى أَميرٍ من أُمراءِ العَربِ مِن بَنِي عامرٍ، وبِلادُه مُتاخِمَة الأَحساء، وقال له: أنت تَملِك الأرضَ، وقد فَعلَ أَجدادُك بالحاج كذا وكذا، وأَفعالُهم مَشهورَةٌ، مَذكورَةٌ في التَّواريخِ، وحَسَّنَ له نَهْبَ البَصرَةِ وأَخْذَها، فجَمعَ مِن العَربِ ما يَزيدُ على عشرةِ آلافِ مُقاتلٍ، وقَصدَ البَصرَةَ، وبها العَميدُ عصمة، وليس معه من الجُنْدِ إلا اليَسيرُ، لِكَوْنِ الدنيا آمِنَةً مِن ذاعِرٍ، ولأنَّ الناسَ في جِنَّةٍ مِن هَيبَةِ السُّلطانِ، فخَرجَ إليهم في أَصحابِه، وحارَبَهم، ولم يُمَكِّنهُم من دُخولِ البَلدِ، فأَتاهُ مَن أَخبَرهُ أنَّ أَهلَ البَلَدِ يُريدونَ أن يُسلِّموهُ إلى العَرَبِ، فخاف، ففارَقَهم، وقَصدَ الجَزيرةَ التي هي مكانُ القَلعةِ بنَهرِ معقل، فلمَّا عاد أَهلُ البَلدِ بذلك فارَقوا دِيارَهم وانصَرَفوا، ودَخلَ العَربُ حينئذٍ البَصرَةَ، وقد قَوِيَت نُفوسُهم، ونَهَبوا ما فيها نَهْبًا شَنيعًا، فكانوا يَنهَبون نَهارًا، وأَصحابُ العَميدِ عصمة يَنهَبون لَيلًا، وأَحرَقوا مَواضِعَ عِدَّةً، وفي جُملَةِ ما أَحرَقوا دارانِ للكُتُبِ إحداهما وُقِفَت قبلَ أيامِ عَضُدِ الدولةِ بن بويه، وهي أَوَّلُ دارٍ وُقِفَت في الإسلامِ. والأُخرى وَقَفَها الوَزيرُ أبو مَنصورِ بن شاه مردان، وكان بها نَفائِسُ الكُتُبِ وأَعيانُها، وأَحرَقوا أيضًا النَّحَّاسِينَ وغَيرَها من الأماكنِ، وخُرِّبَت وُقوفُ البَصرَةِ التي لم يكُن لها نَظيرٌ، وكان فِعْلُ العَربِ بالبَصرَةِ أَوَّلَ خَرْقٍ جَرَى في أيامِ السُّلطانِ ملكشاه. فلمَّا فَعَلوا ذلك، وبَلغَ الخَبرُ إلى بغداد، انحَدرَ سَعدُ الدولةِ كوهرائين، وسَيفُ الدولةِ صَدقةُ بن مزيد إلى البَصرَةِ لإصلاحِ أُمورِها، فوَجَدوا العَربَ قد فارَقوها، ثم إن تليا أُخِذَ بالبَحرَينِ، وأُرسِلَ إلى السُّلطانِ، فشَهَرَهُ ببغداد سَنةَ أربع وثمانين وأربعمائة على جَمَلٍ، وعلى رَأسِه طرطور، وهو يُصفَع بالدِّرَّةِ، والناسُ يَشتُمونَه، ويَسُبُّهم، ثم أُمِرَ به فصُلِبَ.

#1709
العام الهجري :483الشهر القمري : رجبالعام الميلادي :1090

دُخولُ المُرابِطين مَدينةَ غرناطة .

دَخلَ المُرابِطون بقِيادَةِ القائدِ يوسف بن تاشفين مَدينةَ غرناطة وذلك بعدَ أن عَزَلَ سُلطانَها عبدَالله بن بلقين، وأَصبَحت المَدينةُ تابِعَةً لدَولةِ المُرابِطين التي امتَدَّ نُفوذُها من المَغرِب إلى بلادِ الأندلسِ.

#1710
العام الهجري :483الشهر القمري : شعبانالعام الميلادي :1090

ظُهورُ دَولةِ الحَشَّاشِين الإسماعيلية النزارية .

قدم الحَسنُ بن الصَّبَّاحِ، رَئيسُ الطائفةِ الباطِنيَّةِ من الإسماعيليةِ، إلى مصر في زِيِّ تاجرٍ، واتَّصلَ بالمُستَنصِر واختَصَّ به، والتَزَمَ أن يُقيمَ له الدَّعوةَ في بلادِ خراسان وغيرِها من بلادِ المَشرِق. وكان الحسنُ هذا كاتِبًا للرَّئيسِ عبدِ الرَّزَّاق بن بهرام بالرَّيِّ، فكاتَبَ المُستَنصِر، ثم قَدِمَ عليه، ثم إن المُستَنصِر بَلغَه عنه كلامٌ، فاعتَقَلَه، ثم أَطلَقَه. وسَألهُ ابنُ الصَّبَّاحِ عن عِدَّةِ مَسائلَ مِن مَسائلِ الإسماعِيليَّة فأَجابَ عنها بِخَطِّهِ. ويُقالُ: إنه قال له: يا أَميرَ المؤمنين، مَن الإمامُ مِن بَعدِك؟ فقال له: وَلَدِي نزار. ثم إنه سار من مصر بعدَ ما أَقامَ عند المُستَنصِر مُدَّةً وأَنعمَ عليه بِنِعَمٍ وافِيَةٍ. فلمَّا وَصلَ إلى بِلادِه نَشَرَ بها دَعوةَ المُستَنصِر وبَثَّهَا في تلك الأَقطارِ، وحَدَثَ منه مِن البَلاءِ بالخَلْقِ ما لا يُوصَف، وأَخذَ ابنُ الصَّبَّاح أَصحابَه بجَمْعِ الأَسلِحَةِ ومُواعَدتِهم، حتى اجتَمَعوا له في شعبان سنة 483هـ، ووَثَبَ بهم فأَخذَ قَلعةَ ألموت، وكانت لِمُلوكِ الديلم قبلَ ظُهورِ الإسلام، وهي مِن الحَصانَةِ في غايةٍ، واجتَمعَ الباطِنيَّةُ بأصبهان مع رَئيسِهم وكَبيرِ دُعاتِهم أحمدَ بن عبدِ المَلِكِ بن عطاش، ومَلَكوا قَلعَتَينِ عَظيمَتينِ؛ إحداهما يُقال لها: قَلعةُ الدر. وكانت لأبي القاسم دلف العجلي، وجَدَّدَها وسَمَّاها ساهور؛ والقَلعةُ الأُخرى تُعرَف بقَلعَةِ جان، وهما على جَبلِ أصبهان. وبَثَّ الحَسنُ بنُ الصَّبَّاح دُعاتَه، وأَلقَى عليهم مَسائلَ الباطِنيَّة، فساروا من قَلعةِ ألموت، وأَكثروا من القَتلِ في الناسِ غَيْلَةً، وكان إذ ذاك مَلِكُ العِراقِيِّين السُّلطانَ ملكشاه المُلَقَّبُ جَلالُ الدِّين بن ألب أرسلان، فاستَدعَى الإمامُ أبا يوسف الخازن لِمُناظَرَةِ أَصحابِ ابنِ الصَّبَّاح؛ فناظَرَهم؛ وأَلَّفَ كِتابَه المُسَمَّى بـ((المستظهري))، وأَجابَ عن مَسائِلِهم. واجتَهَدَ ملكشاه في أَخذِ قَلعَتِهم فأَعياهُ المَرضُ وعَجَزَ عن نَيْلِها.

#1711
العام الهجري :484العام الميلادي :1091

الفَقيهُ الشافعيُّ مَسعودُ الخجنديُّ يقضي على دعاة الباطنية .

في أيامِ السُّلطانِ ملكشاه، فإنه اجتَمعَ منهم ثمانية عشر رجلًا، فصَلُّوا صلاةَ العِيدِ في ساوة، ففَطَنَ بهم الشِّحْنَةُ –المسؤول عن ضبط أمن ساوة-، فأَخَذَهم وحَبَسَهم، ثم سُئِلَ فيهم فأَطلَقَهم، فهذا أَوَّلُ اجتِماعٍ كان لهم، ثم إنهم دَعوا مُؤذِّنًا من أَهلِ ساوة كان مُقيمًا بأصبهان، فلم يُجِبهُم إلى دَعوَتِهم، فخافوه أن يَنِمَّ عليهم، فقَتَلوه، فهو أَوَّلُ قَتيلٍ لهم، وأَوَّلُ دَمٍ أَراقوهُ، فبَلغَ خَبرُه إلى نِظامِ المُلْكِ، فأَمَرَ بأَخْذِ مَن يُتَّهَم بِقَتلِه، فوَقعَت التُّهمَةُ على نَجَّارٍ اسمُه طاهِر، فقُتِلَ، ومُثِّلَ به، وجَرُّوا بِرِجْلِه في الأَسواقِ، فهو أَوَّلُ قَتيلٍ منهم، وأَوَّلُ مَوضِعٍ غَلَبوا عليه وتَحصَّنوا به بَلدٌ عند قاين، كان مُتَقَدِّمُه على مَذهَبِهم، فاجتَمَعوا عنده، وُقُووا به، فتَجَرَّدَ للانتِقامِ منهم أبو القاسم مَسعودُ بنُ محمدٍ الخجنديُّ، الفَقيهُ الشافعيُّ، وجَمَعَ الجَمَّ الغَفيرَ بالأَسلِحَةِ، وأَمَرَ بحَفْرِ أخاديد، وأَوْقَدَ فيها النِّيرانَ، وجَعلَ العامَّةَ يَأتون بالباطِنيَّة أَفواجًا ومُنفَرِدين، فيُلقَونَ في النارِ، وجَعَلوا إنسانًا على أخاديد النِّيران وسَمَّوهُ مالِكًا، فقَتَلوا منهم خَلْقًا كَثيرًا.

#1712
العام الهجري :484الشهر القمري : شعبانالعام الميلادي :1091

حُدوثُ زَلازِل كَثيرةٍ بالشامِ وغَيرِها .

وَقعَت بالشامِ وكَثيرٍ من البلادِ زَلازلُ كَثيرةٌ، وكان أَكثرُها بالشامِ، ففارَقَ الناسُ مَساكِنَهم، وانهَدَم بأنطاكية كَثيرٌ من المَساكِن، وهَلَكَ تحتها عالَمٌ كَثيرٌ، وخَرِبَ من سُورِها تسعون بُرْجًا، فأَمَرَ السُّلطانُ ملكشاه بعِمارَتِها.

#1713
العام الهجري :485العام الميلادي :1092

وَقعَةُ جَيَّان بين المُسلِمين والفِرنِج بجَيَّان .

جَمعَ ألفونسو عَساكِرَه، وجُموعَه، وغَزَا بِلادَ جَيَّان من الأندلسِ، فلَقِيَهُ المُرابِطون وقاتَلوهُ، واشتَدَّت الحَربُ، فكانت الهَزيمةُ أوَّلًا على المسلمين، ثم إن الله تعالى رَدَّ لهم الكَرَّةَ على الفِرنجِ، فهَزَموهم، وأَكثَروا القَتْلَ فيهم، ولم يَنجُ إلا ألفونسو في نَفَرٍ يَسيرٍ، وكانت هذه الوَقعةُ من أَشهُر الوَقائعِ، بعدَ الزَّلَّاقَة، وأَكثرُ الشُّعراءِ ذَكرَها في أَشعارِهم.

#1714
العام الهجري :485العام الميلادي :1092

استِيلاءُ تتش على حِمصَ وغَيرِها مِن ساحِلِ الشَّامِ .

لمَّا كان السُّلطانُ ببغداد قَدِمَ إليه أَخوهُ تاجُ الدولةِ تتش من دِمشقَ، وقَسِيمُ الدولةِ أتسز من حَلَب، وبوزان من الرها، فلمَّا أَذِنَ لهم السُّلطانُ في العَوْدِ إلى بِلادِهم أَمَرَ قَسِيمُ الدولةِ وبوزان أن يَسِيرا مع عَساكِرهِما في خِدمَةِ أَخيهِ تاجِ الدولةِ، حتى يَستولِيَ على ما للمُستَنصِر الفاطميِّ حاكمِ مصر بساحِلِ الشامِ، من البلادِ، ويَسيرُ، وهُم معه، إلى مصر لِيَملِكَها، فساروا أجمعون إلى الشامِ، ونَزلَ على حِمصَ، وبها ابنُ ملاعب صاحبُها، وكان الضَّرَرُ به وبأَولادِه عَظيمًا على المسلمين، فحَصَروا البلدَ، وضَيَّقوا على مَن بِه، فمَلَكَهُ تاجُ الدولةِ، وأَخَذَ ابنَ ملاعب ووَلدَيهِ، وسار إلى قَلعةِ عرقة فمَلَكَها عُنوةً، وسار إلى قَلعةِ أفامية فمَلَكَها أيضًا، وكان بها خادِمٌ للمُستَنصِر، فنَزلَ بالأمانِ فأَمَّنَهُ، ثم سار إلى طرابلس فنازَلَها، فرأى صاحبُها جلالُ المُلْكِ ابنُ عمَّارٍ جَيشًا لا يُدفَعُ إلا بِحِيلَةٍ، فأَرسلَ إلى الأُمراءِ الذين مع تاجِ الدَّولةِ، وأَطمَعَهم لِيُصلِحوا حالَه، فلم يَرَ فيهم مَطمَعًا، وكان مع قَسيمِ الدولةِ أتسز وَزيرٌ له اسمُه زرين كمر، فراسَلَهُ ابنُ عمَّارٍ فرأى عنده لِينًا، فأَتحَفَهُ وأَعطاهُ، فسَعَى مع صاحبِه قَسيمِ الدولةِ في إصلاحِ حالِه لِيَدفَعَ عنه، وحَمَلَ له ثلاثين ألف دينارٍ، وتُحَفًا بمِثلِها، وعَرَضَ عليه المَناشِيرَ التي بِيَدِه من السُّلطانِ بالبلدِ، والتَّقَدُّم إلى النُّوَّابِ بتلك البلادِ بمُساعَدتِه، والشَّدَّ بيَدِه، والتَّحذيرَ من مُحارَبَتِه، فقال أتسز لتاجِ الدولةِ تتش: لا أُقاتِلُ مَن هذه المَناشيرُ بِيَدِه. فأَغلَظَ له تاجُ الدولةِ، وقال: هل أنت تابِعٌ لي؟ فقال أتسز أنا أُتابِعُك إلَّا في مَعصِيَةِ السُّلطانِ، ورَحَلَ من الغَدِ عن مَوضِعِه، فاضطرَّ تاجُ الدولةِ إلى الرَّحيلِ، فرَحَلَ غَضبانًا، وعاد بوزان أيضًا إلى بلاده، فانتُقِضَ هذا الأَمرُ.

#1715
العام الهجري :485العام الميلادي :1092

قتال الأَعرابُ لحُجَّاجِ أهل بغداد ونهبهم بالكُوفَةِ .

سار الحُجَّاجُ من بغداد، فقَدِموا الكُوفةَ، ورَحَلوا منها، فخَرَجت عليهم خَفاجَةٌ، وقد طَمِعوا بمَوتِ السُّلطانِ وبُعْدِ العَسكرِ، فأَوقَعوا بهم، وقَتَلوا أَكثرَ الجُندِ الذين معهم، وانهَزمَ باقيهم، ونَهَبوا الحُجَّاجَ، وقَصَدوا الكوفةَ فدَخَلوها، وأغاروا عليها، وقَتَلوا في أَهلِها، فرَماهُم الناسُ بالنُّشَّابِ، فخَرَجوا بعدَ أن نَهَبوا، وأَخَذوا ثِيابَ مَن لَقوهُ من الرِّجالِ والنِّساءِ، وَصَلَ الخَبرُ إلى بغداد، فسُيِّرَت العَساكرُ منها، فلمَّا سَمِعَ بَنُو خَفاجَةَ انهَزَموا، فأَدرَكَهم العَسكرُ، فقُتِلَ منهم خَلْقٌ كَثيرٌ، ونُهِبَت أَموالُهم، وضَعُفَت خَفاجَةُ بعدَ هذه الوَقعَةِ.

#1716
العام الهجري :485الشهر القمري : رمضانالعام الميلادي :1092

اغتِيالُ الوَزيرِ السَّلجوقيِّ نِظامِ المُلْكِ على يد الباطنية .

هو الوَزيرُ الكَبيرُ، نِظامُ المُلْكِ، قِوامُ الدِّينِ، أبو عليٍّ الحَسنُ بن عليِّ بن إسحاقَ الطُّوسيُّ، وَزيرُ السُّلطانِ ملكشاه السلجوقي، عاقِلٌ، سائِسٌ، خَبيرٌ، سَعيدٌ، مُتَدَيِّنٌ، مُحتَشِمٌ، عامِرُ المَجلِس بالقُرَّاءِ والفُقَهاءِ. أَنشأَ المَدرسةَ النِّظامِيَّة الكُبرى ببغداد، ثم أَنشأَ مَدارسَ أُخرى في عَددٍ من البُلدانِ, ورَغَّبَ في العِلمِ، وأَدَرَّ على الطَّلَبَةِ الصِّلاتِ، وأَملَى الحَديثَ، وبَعُدَ صِيتُه. وُلِدَ سَنةَ 408هـ بنوقان، إحدى مَدينَتي طُوس، وكان من أَولادِ الدَّهَّاقِين بناحِيَةِ بيهق، وكان فَقيرًا مَشغولًا بسَماعِ الحَديثِ والفِقْهِ، وقَرأَ النَّحْوَ، خَتَمَ القُرآنَ وله إحدى عشرة سَنَةً، وعَمِلَ بالكِتابَةِ والدِّيوانِ، وخَدَمَ بغزنةَ، ثم بعدَ حينٍ اتَّصَلَ بداود بن ميكائيل السلجوقيِّ فظَهَرَ له منه النُّصْحُ والمَحَبَّةُ،، فأَخذَهُ بِيَدِهِ وسَلَّمَهُ إلى وَلَدِه ألب أرسلان، وقال له: يا محمد، هذا حَسَنٌ الطُّوسيُّ اتَّخِذهُ والِدًا ولا تُخالِفهُ. فلمَّا وَصَلَ المُلْكُ إلى ألب أرسلان استَوزَرَهُ، فدَبَّرَ مُلكَه عشر سنين. ولمَّا ماتَ ألب أرسلان، ازدَحَم أَولادُه على المُلْكِ، فقام بأَمْرِ ملكشاه حتّى تَمَّ أَمرُه ومَلَكَ السَّلطَنَةَ. كان نِظامُ المُلْكِ عاليَ الهِمَّةِ، وافِرَ العَقلِ، عارِفًا بتَدبيرِ الأُمورِ، وخَفَّفَ المَظالِمَ، ورَفَقَ بالرَّعايا، وبَنَى الوُقوفَ، وهاجَرَت الكِبارُ إلى جَنابِه، وازدادَت رِفعَتُه. قال الذهبيُّ: "كان شافِعيًّا أَشعَريًّا. سار إلى غزنة، فصار كاتِبًا نَجيبًا، إليه المُنتَهى في الحِسابِ، وبَرَعَ في الإنشاءِ، وكان ذَكِيًّا، لَبيبًا، يَقِظًا، كامِلَ السُّؤدَدِ. قيل: إنه ما جَلَسَ إلا على وُضوءٍ، وما تَوضَّأ إلا تَنَفَّلَ، ويَصومُ الاثنين والخميس، جَدَّدَ عِمارةَ خوارزم، ومَشهدَ طوس، وعَمِلَ بيمارستانا، وبَنَى مَدارِسَ بمَرو، وهراة، وبلخ، والبَصرَة، وأصبهان، وكان حَلِيمًا رَزينًا جَوادًا، صاحِبَ فُتُوَّةٍ واحتِمالٍ ومَعروفٍ كَثيرٍ إلى الغايَةِ، ويُبالِغ في الخُضوعِ للصَّالِحين". قال ابنُ عَقيلٍ: "بَهَرَ العُقولَ سِيرَةُ النِّظامِ جُودًا وكَرمًا وعَدلًا، وإحياءً لِمَعالِمِ الدِّين، كانت أيامُه دَولةَ أَهلِ العِلمِ، ثم خُتِمَ له بالقَتلِ وهو مارٌّ إلى الحَجِّ، في رمضان، فماتَ مَلِكًا في الدنيا، مَلِكًا في الآخرة" في عاشر رمضان قُتِلَ نِظامُ المُلْكِ أبو عليٍّ الحَسنُ بن عليِّ بن إسحاقَ الوَزيرُ بالقُرْبِ من نهاوند، وكان هو والسُّلطانُ في أصبهان، وقد عاد إلى بغداد، فلمَّا كان بهذا المكان، بعد أن فَرَغَ من إفطارِه، وخَرجَ في مَحِفَّتِه إلى خَيمةِ حَرَمِه، أَتاهُ صَبِيٌّ دَيلميٌّ من الباطِنيَّةِ، في صورة مُستَميحٍ، أو مُستَغيثٍ، فضَرَبَهُ بِسِكِّينٍ كانت معه، فقَضَى عليه وهَرَبَ، فعَثَرَ بطُنُبِ خَيمَةٍ، فأَدرَكوهُ فقَتَلوهُ، فسَكَنَ عَسكرُه وأَصحابُه، وقيل: إن قَتْلَهُ كان بتَدبيرِ السُّلطانِ، فلم يُمهَل بعدَه إلا نحوَ شَهرٍ، وبقي كانت وِزارتُه لبَنِي سلجوق أربعًا وثلاثين سَنةً- وقيل: أربعين سَنةً- تُوفِّي عن سِتٍّ وسبعين سَنةً.

141 142 143 144 145
#

نَبْع

أصل صافٍ للمعرفة الشرعية

للمزيد قم بزيارة موقعنا

nabe.vercel.app