نَبع

الأحداث التاريخية

رحلة عبر الزمن في تاريخنا الإسلامي العريق

#1249
العام الهجري :364العام الميلادي :974

أفتكين التركي ينتزع دمشق من يد العبيديين (الفاطميين) .

نزَلَ أفتكين التركي غلامُ مُعِزِّ الدولة- الذي كان قد خرج عن طاعتِه بسبَبِ الفِتنةِ التي جَرَت بين التُّرك والديلم وما بعدها، والتَفَّ عليه عساكِرُ وجُيوشٌ من الديلم والتركِ والأعرابِ- نزل في هذه السَّنةِ على دِمشقَ، وكان عليها مِن جِهةِ الفاطميِّينَ الطواشيُّ ريان الخادِمُ مِن جِهةِ المُعِزِّ الفاطميِّ، فلما نزل بظاهِرِها خرج إليه كُبَراءُ أهلِها وشيوخُها، فذكروا له ما هم فيه من الظُّلمِ والغشم ومخالفةِ الاعتقاد بسبَبِ الفاطميِّين، وسألوه أن يأخُذَها ليستنقِذَها منهم، فعند ذلك صَمَّم على أخذِها ولم يزَلْ حتى أخذها وأخرج منها ريانَ الخادِمَ، وكسَرَ أهلَ الشَّرِّ بها، ورفع أهلَ الخيرِ، ووضع في أهلِها العدلَ وقمَعَ أهلَ اللَّعِب واللَّهوِ، وكفَّ أيديَ الأعرابِ الذين كانوا قد عاثوا في الأرضِ فسادًا، وأخذوا عامَّةَ المَرجِ والغُوطة، ونهبوا أهلَها، ولَمَّا استقامت الأمورُ على يديه وصَلَحَ أمرُ أهل الشام، كتب إليه المعِزُّ الفاطميُّ يَشكُرُ سَعيَه ويَطلُبُه إليه ليخلَعَ عليه ويجعَلَه نائبًا من جِهتِه، فلم يُجِبْه إلى ذلك، بل قطع خُطبتَه من الشَّامِ، وخطَبَ للطائعِ العبَّاسي، ثم قصد صِيدا وبها خَلقٌ من المغاربةِ عليهم ابنُ الشيخ، وفيهم ظالِمُ بنُ موهب العقيلي الذي كان نائبًا على دمشق للمعزِّ الفاطميِّ، فأساء بهم السِّيرةَ، فحاصرهم ولم يَزَلْ حتى أخذ البلدَ منهم، ثم قصد طبريَّةَ ففعل بأهلِها مثلَ ذلك.

#1250
العام الهجري :364العام الميلادي :974

بناء مدينة أشير عاصمة للدولة الزيرية بالمغرب الأوسط .

اجتمعت صَنهاجةُ ومَن والاها بالمغربِ على طاعةِ يوسُفَ بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي الحِمْيَري قبل أن يُقَدِّمَه المنصور، وكان أبوه مناد الصِّنهاجيُّ كبيرًا في قومِه، كثيرَ المالِ والولَدِ، حسَنَ الضِّيافةِ لِمَن يمُرُّ به، وتقدَّمَ ابنُه زيري في أيَّامِه، وقاد كثيرًا من صنهاجةَ، وأغار بهم وسبى، فحَسَدته زناتة وجَمَعَت له لتسيرَ إليه وتحارِبَه. فسار إليهم مجِدًّا فكَبَسَهم ليلًا- وهم غارُّون - بأرضٍ مُغِيلةٍ، فقتل منهم كثيرًا، وغَنِمَ ما معهم فكَثُرَ أتباعه، فضاقت بهم أرضُهم، فقالوا له: لو اتَّخَذتَ لنا بلدًا غير هذا. فسار بهم إلى موضعِ مدينة أشير، فرأى ما فيه من العُيونِ، فاستحسنه وبنى فيه مدينةَ أشير وسكَنَها هو وأصحابُه. وكانت زناتة تُفسِدُ في البلادِ، فإذا طُلِبوا احتَمَوا بالجبال والبراري. فلمَّا بُنِيَت أشير صارت صنهاجة بين البلادِ وبين زناتة والبربر، فسُرَّ بذلك القائِمُ.

#1251
العام الهجري :364العام الميلادي :974

ظهور رجل يُعرَفُ بالعبَّاس يدعي النبوة بأفريقيا .

خرج في جبل غمارة بإفريقيَّة رجلٌ يُعرَفُ بالعبَّاس ادَّعى النبوَّةَ واتَّبَعَ نعيقَه الأرذَلونَ مِن سفهاءِ تلك القبائلِ وأعمارِهم، وزحف إلى بادس من أمصارِهم ودخَلَها عَنوةً, فلمَّا سمع يوسُفُ بلكين بن زيري الصنهاجي به وباتِّباعِ أهل غمارة له، سار إليهم وغزاهم وظَفِرَ بهم، وأخَذَ العبَّاسَ- الذي كان يدَّعي النبُوَّةَ- أسيرًا، وأحضَرَ الفُقَهاءَ فقَتَله لأربعينَ يومًا من ظهورِ دَعوتِه.

#1252
العام الهجري :364الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :974

وفاة الخليفة العباسي المطيع لله .

أبو القاسمِ الفَضلُ ابنُ المُقتَدر جعفر بن المعتضد أحمد بن الموفق الخليفة العباسي. ولدَ سنة 301 وبويع بالخلافةِ بعد خَلعِ المُستكفي نفسَه سنة 334، وأمُّه اسمُها مشغلة أمُّ ولد. كان مقهورًا مع نائب العراقِ ابنِ بُوَيه مُعِزِّ الدولة الذي قرَّرَ له في اليومِ مائة دينار فقط. ولَمَّا اشتَدَّ الغَلاءُ المُفرطُ ببغداد، اشتري المطيعُ لله لمعِزِّ الدولةِ كر دقيقٍ بعشرين ألف درهم, وفي سنة 360 فُلِجَ المُطيعُ، وبطَلَ نِصفُه، وتمَلَّكَ في أيَّامِه بنو عُبَيدٍ مِصرَ والشَّام، وأذَّنُوا بدمشق " بحيَّ على خير العمل "، وغلت البلادُ بالرَّفضِ شرقًا وغربًا، وخَفِيَت السنَّةُ قَليلًا، واستباحت الرومُ نصيبين وغيرَها، فلا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله، ولَمَّا تحكَّم الفالِجُ في المطيعِ دعاه سبكتكين الحاجِبُ التركيُّ إلى عزلِ نَفسِه، وتسليمِ الخلافةِ إلى ابنِه الطائِعِ لله، ففعل ذلك في ثالثَ عشر من ذي القعدة سنة 363, ولَمَّا استفحل بلاءُ اللُّصوصِ ببغداد، ورَكِبوا الخيل، وأخذوا الخفارةَ، وتلقَّبوا بالقُوَّاد. خرج المطيعُ وولده الخليفةُ الطائِعُ لله إلى واسط فمات المطيعُ هناك في المحرم سنة 364 بعد ثلاثة أشهر من عزلِه. وعمره 63 سنة، فكانت خلافته ثلاثين سنة سوى أشهر. وفي أيَّامه سنة 316 تلقَّب عبد الرحمن الناصر صاحبُ الأندلس بأمير المؤمنين. وقال: أنا أحقُّ بهذا اللقبِ مِن خليفةٍ تحت يدِ بني بُوَيه. قال الذهبي: " وصدق النَّاصِرُ؛ فإنَّه كان بطلًا شُجاعًا سائسًا مَهيبًا، له غَزَواتٌ مَشهودةٌ، وكان خليقًا للخلافةِ"

#1253
العام الهجري :365العام الميلادي :975

استرداد الفاطميين دمشق من أفتكين التركي .

لَمَّا استقَرَّ الأمرُ لأفتكين التركي في الشام ولم يستجِبْ لطَلَبِ المعِزِّ الفاطميِّ ليكونَ نائبًا له فيها. عزم المعِزُّ على المسير إليه ليأخُذَها منه، فبينما كانت العساكرُ تُجمَعُ للمُعِزِّ إذ توفِّيَ، وقام بعدَه ولدُه العزيز، فاطمأنَّ عند ذلك أفتكين بالشام، واستفحل أمرُه وقَوِيَت شوكتُه، ثمَّ اتَّفقَ أمرُ المِصريِّينَ على أن يبعثوا جوهرًا الصقليَّ لقتالِه وأخْذِ الشَّامِ مِن يده، فعند ذلك حلَفَ أهلُ الشام أنَّهم معه على الفاطميِّينَ، وأنهم ناصِحونَ له غيرُ تاركيه، ثُمَّ حصَلَت حروبٌ بينهم كان حاصِلُها استنجادَ أفتكين بالقرامطةِ، ولكِنْ كانت النهايةُ هي هزيمَتَهم أمامَ الفاطميِّينَ، وأُسِرَ أفتكين، وسُيِّرَ إلى مصرَ فأُكرِمَ فيها.

#1254
العام الهجري :365العام الميلادي :975

وفاة الشاشي القفال الكبير الشافعي .

هو الإمامُ العلَّامةُ الفقيهُ الأصوليُّ اللُّغويُّ, عالمُ خُراسان, أبو بكر مُحمَّدُ بنُ عليِّ بنِ إسماعيل الشافعيُّ، صاحِبُ التصانيفِ، المعروفُ بالقَفَّال الكبيرِ، الشَّاشيُّ نِسبةً إلى مدينة شاشَ وراءَ النَّهرِ، ولد بها سنة 271, وكان من أكابر عُلَماءِ عَصرِه بالفِقهِ والحديث واللغة، رحل إلى العراقِ والشام وخراسان، قال الحاكم عنه: "عالمُ أهلِ ما وراءَ النَّهرِ في الأصولِ ". وعنه انتشر المذهبُ الشَّافعيُّ هناك، له مصنَّفاتٌ؛ منها: أصول الفقه، ومحاسن الشريعة، وشرح رسالة الشافعي، وغيرها، كانت وفاتُه بشاش عن 74 عامًا.

#1255
العام الهجري :365الشهر القمري : ربيع الآخرالعام الميلادي :976

وفاة المعز لدين الله (الفاطمي) وتولي ابنه العزيز بالله من بعده .

هو المُعِزُّ لدين الله أبو تميمٍ مُعدُّ بن المنصور بالله إسماعيل بن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن المهدي أبي محمد عبيد الله، العُبَيديُّ المهدويُّ صاحِبُ المغرب. بُنِيَت له القاهرة, وكان وليَّ عَهدِ أبيه. ولي سنة 341، وسار في نواحي إفريقيَّةَ يمَهِّدُ مُلكَه، فذَلَّل الخارجين عليه، واستعمل مماليكَه على المدُنِ، واستخدم الجُندَ، وأنفق الأموالَ، وجهَّز مملوكَه جوهرًا القائِدَ في الجيوشِ. فسار فافتتح سجلماسة، وسار إلى أن وصل البحرَ الأعظمَ، فلمَّا مات كافور بَعَث المعِزُّ جَيشَه لِمِصر بقيادةِ جَوهر, فأخذها له ثمَّ انتقل لها المعِزُّ ودخلها سنة 362. قال الذهبي: " كان المعِزُّ عاقِلًا لبيبًا حازمًا، ذا أدبٍ وعِلمٍ ومعرفةٍ وجَلالةٍ وكَرَمٍ، يرجِعُ في الجملةِ إلى عَدلٍ وإنصافٍ، ولولا بِدعتُه ورَفضُه، لكان من خيارِ المُلوكِ ". كان موتُه سابع عشر من شهر ربيع الآخر، وكان سبب موته الحُمَّى؛ لشدَّة ما وجد من كلامٍ على مُلكِه ومملكتِه، واتَّصَل مرضُه حتى مات، وكانت ولايتُه ثلاثًا وعشرين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام، منها مُقامُه بمصر سنتان وتسعة أشهر، والباقي بإفريقيَّة، وهو أوَّلُ حُكَّام العُبَيديِّين مَلَك مصر، وخرج إليها، وكان مُغرمًا بالنجوم، ويعمل بأقوالِ المنجِّمينَ، قال له منجِّمُه: إنَّ عليه قطعًا في وقتِ كذا، وأشار عليه بعمَلِ سردابٍ يختفي فيه إلى أن يجوزَ ذلك الوقت، ففعل ما أمَرَه وأحضر قوَّادَه، فقال لهم: إنَّ بيني وبين الله عهدًا أنا ماضٍ إليه، وقد استخلفتُ عليكم ابني نزارًا، يعني العزيز، فاسَمَعوا له وأطيعوا، ونزَل السردابَ، فغاب سنةً ثم ظهر، وبقِيَ مدَّةً، ومرِضَ وتوفِّيَ، فستَرَ ابنُه العزيز موتَه إلى عيد النَّحرِ مِن السنة، فصلى بالنَّاسِ وخَطَبَهم، ودعا لنفسِه، وعزَّى بأبيه، ولَمَّا استقَرَّ العزيزُ في الملك أطاعه العسكرُ، فاجتمعوا عليه، وكان هو يدبِّرُ الأمورَ منذ مات أبوه إلى أن أظهَرَه، ثم سيَّرَ إلى الغرب دنانيرَ عليها اسمُه، فُرِّقَت في النَّاسِ.

#1256
العام الهجري :365الشهر القمري : رمضانالعام الميلادي :976

المسلمون يحاصرون كسنتة .

سار أبو القاسمِ بنُ الحسَنِ بنِ علي بن أبي الحسين أميرُ صقليَّةَ، في عساكرِ المسلمينَ، ومعه جماعةٌ مِن الصَّالحين والعلماء، فنازل مدينةَ مسيني في رمضانَ، فهرب العدوُّ عنها، وعدا المُسلمونَ إلى كسنتة فحصروها أيَّامًا، فسأل أهلُها الأمانَ، فأجابهم إليه، وأخذ منهم مالًا، ورحل عنها إلى قلعةِ جلوا، ففعل كذلك بها وبِغَيرِها، وأمَرَ أخاه القاسِمَ أن يُذهِبَ الأسطولَ إلى ناحية بربولة ويَبُثَّ السَّرايا في جميعِ قلورية، ففعل ذلك فغَنِمَ غنائِمَ كثيرةً، وقتل وسبى، وعاد هو وأخوه إلى المدينةِ.

#1257
العام الهجري :365الشهر القمري : ذي القعدةالعام الميلادي :976

وفاة أبي الحسن ثابت بن سنان بن قرة الفيلسوف الطبيب .

هو ثابتُ بنُ سِنانِ بنِ ثابتِ بن قُرَّة بن مروان، أبو الحسن الحرَّانيُّ الأصلِ الصَّابئُ، ثم البغدادي الطبيبُ المؤرِّخُ. كان يلحَقُ بأبيه في صناعةِ الطِّبِّ، وجَدُّه هو ثابت بن قرة الصابئ فيلسوفُ عَصرِه, وكان صيرفيًّا، يتوقَّدُ ذَكاءً، فبرع في علمِ الأوائل وصار منجِّمَ المعتَضِد, وكان أخوه إبراهيمُ بنُ سنان من الأذكياءِ البارعين في صناعة الطب. صنف أبو الحسَنِ ثابت بن سنان تاريخًا كبيرًا على الحوادث والوقائع التي تَمَّت في زمانه من سنة 295 بداية عهد المُقتَدِر إلى حين وفاتِه، وقد أحسن فيه، وخدَمَ بالطِّبِّ الراضيَ بالله وجماعةً مِن الخلفاء قبله, وكان أبو الحسن ببغداد في أيَّامِ مُعِزِّ الدولة بنِ بُوَيه طبيبًا عالِمًا نبيلًا، يُقرأُ عليه كُتُب بقراط وجالينوس، وقد سلك مسلَك جَدِّه ثابت بن قرة في نَظَرِه في الطبِّ والفلسفةِ والهندسة وجميع الصناعات الرياضيَّة للقدماء. قال عن نفسه: "أنه كان وولدُه في خدمة الراضي بالله، وأنَّه خدم بصناعةِ الطِّبِّ المتَّقيَ بنَ المقتدر بالله، وخدم أيضًا المستكفيَ بالله والمطيعَ لله, وفي سنة 313 قلَّدَني الوزيرُ الخاقاني البيمارستانَ الذي اتخَذَه ابنُ الفُرات بدرب المفضل "  وكان ثابت بن سنان خالَ هلالِ بنِ المحسن بن إبراهيم الصابئ الكاتِبِ البليغِ, قال الذهبي: "إن ثابت بن قُرَّة إليه المُنتَهى في علوم الأوائل، حَقِّها وباطِلِها. صنَّفَ تصانيفَ كثيرةً, وكان بارعًا في فن الهيئة والهندسة. وله عَقِبٌ ببغداد على دينِ الصابئة. فكان ابنُه إبراهيم بن ثابت رأسًا في الطب، وأمَّا حفيده صاحب التاريخ المشهور ثابت بن سنان فكان أيضًا علَّامة في الطبِّ تَركَنُ النفسُ إلى ما يؤرِّخُه. مات على كُفرِه".

#1258
العام الهجري :366العام الميلادي :976

وفاة المستنصر بالله حاكم الأندلس وتولي ابنه هشام المؤيد بالله بعده .

هو أميرُ المؤمنينَ، أبو العاصِ الحَكَمُ بنُ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن المستنصر بالله الأموي، صاحبُ الأندلس، وُلِدَ سنة 302, وبويع بعد أبيه، في رمضان، سنة 350. وكان حسَنَ السيرة، جامعًا للعلم، مُكرِمًا للأفاضل، كبيرَ القَدرِ، ذا نَهمةٍ مُفرِطةٍ في العلم والفضائل، عاكفًا على المطالعة. جمع من الكتُبِ ما لم يجمَعْه أحدٌ من الملوك، لا قَبله ولا بعدَه، وتطَلَّبَها وبذَلَ في أثمانِها الأموالَ، واشُتِرَيت له من البلاد البعيدةِ بأغلى الأثمان، مع صفاءِ السَّريرةِ، والعقلِ والكرم، وتقريبِ العُلَماء. ضاقت خزائنُه بالكتب إلى أن صارت إليه، وآثَرَها على لذَّاتِ الملوك، فغَزُرَ عِلمُه، ودَقَّ نَظَرُه، وكان له يدٌ بيضاء في معرفة الرجال والأنساب والأخبار، وقلما تجدُ له كتابًا إلَّا وله فيه قراءةٌ أو نظَرٌ، من أيِّ فَنٍ كان، ويكتُبُ فيه نسبَ المؤلِّف، ومولِدَه ووفاته، ويأتي من ذلك بغرائِبَ لا تكاد تُوجدُ. ومن محاسنه أنَّه شَدَّدَ في مملكته في إبطالِ الخُمورِ تشديدًا عظيمًا. قال اليسع بن حزم: "كان الحَكَمُ عالِمًا، راويةً للحديثِ، فَطِنَا وَرِعًا ". وكان أخوه الأمير عبد الله المعروف بالولد، على أنموذَجِه في محبَّة العلم، فقُتِلَ في أيام أبيه. همَّت الروم بأخذ مواضِعَ مِن الثغور، فقَوَّاها الحكمُ بالمال والجيوش، وغزا بنَفسِه، وزاد في القطيعةِ على الرومِ وأذَلَّهم. وكان موتُه بالفالج، كانت إمارتُه خمس عشرة سنة وخمسة أشهر، ولَمَّا توفِّيَ ولِيَ بعدَه ابنُه هشامٍ بعهد أبيه، وله عشرُ سنين، ولقِّبَ بالمؤيَّد بالله. فأقيم في الخلافةِ بتدبير الوزيرِ ابنِ أبي عامر القحطانيِّ.

#1259
العام الهجري :366العام الميلادي :976

ابتداء ملك آل سبكتكين في مدينة غزنة .

مَلَكَ سبكتكين مدينةَ غزنة وأعمالَها، وكان ابتداءُ أمرِه أنَّه كان مِن غِلمانِ أبي إسحاقَ بنِ البتكين، صاحِبِ جيش غزنة للسامانية، وكان مقَدَّمًا عنده، وعليه مدارُ أمرِه، وقدِمَ إلى بُخارى، أيَّامَ الأمير منصور بن نوح، مع أبي إسحاق، فعَرَفَه أربابُ تلك الدولة بالعقلِ والعفَّة، وجودةِ الرأي والصَّرامة، وعاد معه إلى غزنة، فلم يلبثْ أبو إسحاق أن توفِّيَ، ولم يخَلِّفْ من أهلِه وأقاربه من يصلُحُ للتقَدُّم، فاجتمع عسكَرُه ونظروا فيمن يلي أمْرَهم، ويجمَعُ كَلِمتَهم، فاختلفوا ثمَّ اتَّفَقوا على سبكتكين؛ لِما عَرَفوه من عقلِه ودينِه ومروءتِه، وكمالِ خِلالِ الخير فيه، فقَدَّموه عليهم، ووَلَّوه أمرَهم، وأطاعوه فوَلِيَهم، وأحسَنَ السِّيرةَ فيهم، وساس أمورَهم سياسةً حَسَنةً، وجعل نفسَه كأحدِهم في الحالِ والمال، وكان يدَّخِرُ من إقطاعِه ما يعمَلُ منه طعامًا لهم في كلِّ أُسبوعٍ مَرَّتين.

#1260
العام الهجري :366العام الميلادي :976

ابن أبي عامر يحجب المؤيد بالله ويتولى تدبير البلاد في الأندلس .

لَمَّا توفِّيَ الحَكَمُ بنُ عبد الرحمن بويعَ بخلافةِ الأندلُسِ ابنُه هشامٌ المؤيَّدُ بالله، وله يومئذٍ عشرُ سنينَ أو نحوها، بإشارة الوزراء والقُوَّاد, واختلفت البلادُ في أيامه، فأخذه حاجِبُه ابنُ أبي عامرٍ وحَبَسه، وحَجَبه عن النَّاسِ، فلم يكن أحدٌ يراه ولا يصل إليه، وقام المنصورُ أبو عامر بأمر الدولة القيامَ المَرضِيَّ، وعدل في الرعيَّة، وأقبلت الدُّنيا إليه، واشتغل بالغَزوِ، وفتحَ مِن بلاد الأعداءِ كثيرًا، وامتلأت بلادُ الأندلس بالغنائم والرقيق، وأدام اللهُ له الحالَ ستًّا وعشرين سنة، غزا فيها اثنتينِ وخمسينَ غَزاةً ما بين صائفةٍ وشاتيةٍ.

103 104 105 106 107
#

نَبْع

أصل صافٍ للمعرفة الشرعية

للمزيد قم بزيارة موقعنا

nabe.vercel.app