جاز سُليمان بن عبد الرحمن بن معاوية إلى بلاد الأندلُسِ من الشرق، وتعَرَّض لحرب ابنِ أخيه الحَكَمِ بن هشام بن عبد الرحمن، صاحِبِ الأندلُس، فسار إليه الحكَمُ في جيوشٍ كثيرة، وقد اجتمع إلى سليمانَ كثيرٌ من أهل الشِّقاقِ ومن يريد الفتنةَ، فالتقيا واقتَتلا واشتدَّت الحربُ، فانهزم سليمانُ واتبَعَه عسكَرُ الحَكَم، وعادت الحربُ بينهما ثانيةً في ذي الحجة، فانهزم فيها سُلَيمان، واعتصَمَ بالوَعْرِ والجبال، فعاد الحَكَمُ. ثم عاد سليمانُ فجمع برابِرَ، وأقبل إلى جانبِ إستجة، فسار إليهم الحَكَمُ، فالتَقَوا واقتتلوا سنة ثلاث وثمانين ومائة، واشتَدَّ القتال، فانهزم سليمانُ، واحتمى بقريةٍ، فحَصَره الحَكَمُ، وعاد سُلَيمانُ مُنهَزِمًا إلى ناحية فريش.
#602
العام الهجري :182الشهر القمري : ربيع الأولالعام الميلادي :798
وفاة القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة .
هو أبو يوسُفَ يعقوبُ بن إبراهيم بن حبيب بن حبيش بن سعد بن بجير بن معاوية الأنصاري، الكوفيُّ، وُلِدَ سنة ثلاث عشرة ومائة، لَزِمَ أبا حنيفةَ سبع عشرة سنةً وتتلمَذَ عليه، وكان يعَدُّ من أنبَلِ تلامذتِه وأنجَبِهم، وكان أبو حنيفةَ يتعاهَدُه ويُنفِقُ عليه، كان أميَلَ للمُحَدِّثينَ مِن أبي حنيفة ومِن مُحمَّد بن الحسَن، كان قاضيَ الآفاقِ، ووزيرَ الرَّشيدِ، وزميلَه في حَجِّه، وكان الرشيدُ يُجِلُّه كثيرًا، وقيل: إنَّه كان يحفَظُ التفسيرَ، ويحفَظُ المغازيَ، وأيَّامَ العربِ، واشتهر بالفِقهِ.
#603
العام الهجري :183العام الميلادي :799
الخوارج في بلاد الخزر وقتالهم المسلمين .
خرج الخزر بسبب ابنة خاقان من بابِ الأبواب، وقيل: إنَّ سببَ خُروجِهم أنَّ سعيد بن سلم قتَلَ المنجم السلميَّ فدخل ابنُه بلاد الخزر، واستجاشهم على سعيد، فخرجوا ودخَلوا أرمينيَّة من الثُّلمة، فانهزم سعيدٌ، وأقاموا نحو سبعينَ يومًا، وسَبَوا أكثَرَ من مائة ألف رأس، وأوقعوا بالمسلمينَ وأهل الذمَّة أمرًا عظيمًا لم يُسمَعْ بمِثلِه في الأرضِ، فولَّى الرشيدُ أرمينيَّةَ يزيدَ بن مزيد مضافًا إلى أذربيجان، ووجَّهَه إليهم، وأنزل خزيمةَ بن خازم نصيبين ردءًا لأهل أرمينيَّة، فأصلحا ما أفسد سعيدٌ، وأخرجا الخزر وسَدَّا الثُّلْمة.
#604
العام الهجري :183الشهر القمري : رجبالعام الميلادي :799
وفاة موسى الكاظم بن جعفر الصادق .
هو السَّيِّدُ أبو الحسن العلوي موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والِدُ الإمام علي بن موسى الرضا, المدنِيُّ، ولد سنة ثمان وعشرين ومائة بالمدينةِ ثم نزلَ بغداد,َ لقب بالكاظِمِ لكَظمِه عمَّن أساء إليه، كان مجتهدًا في العبادةِ كريمًا، قيل: إنَّ سبَبَ سَخَطِ الرشيدِ عليه هو أنَّ الرشيدَ لَمَّا زار قبرَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: السَّلامُ عليك يا عمَّاه يفتَخِرُ بذلك، فقال موسى: السَّلامُ عليك يا أبتِ. فقال الرشيدُ: هذا هو الفَخرُ يا أبا الحسَنِ, ثم لم يزَلْ ذلك في نفسِه، فحَنقَ عليه حتى استدعاه في سنة تسعٍ وسبعين وسجَنَه فأطال سَجنَه، وقيل: بل لأنَّه سَمِعَ أنَّ النَّاسَ يبايعونَ له فحَمَله معه إلى البصرةِ وحَبَسَه عند واليها عيسى بن جعفرٍ، ثمَّ نقَلَه إلى الفضلِ البرمكي، ثمَّ حَوَّله إلى السندي بن شاهك، إلى أن مات عنده ودُفِنَ في بغداد.
#605
العام الهجري :183الشهر القمري : ذي الحجةالعام الميلادي :800
هارون الرشيد يعقد لابنه القاسم بولاية العهد بعد أخيه المأمون .
حجَّ الرَّشيدُ ومعه ابناه: الأمينُ محمَّد، والمأمونُ عبد الله، وفَرَّقَ بالحرمينِ الأموالَ، وفيها بايعَ الرَّشيدُ بولايةِ العَهدِ لولده قاسِمٍ بعد الأخوينِ: الأمين والمأمون، ولقَّبَه المُؤتَمَن، وولَّاه الجزيرةَ والثُّغورَ، وهو صبيٌّ.
#606
العام الهجري :184العام الميلادي :800
هارون الرشيد يولي إبراهيم بن الأغلب على أفريقية .
تمرَّدَ متولي المغربِ محمَّد بن مقاتل العكي، وظلَم وعسَفَ واقتطَعَ مِن أرزاق الأجنادِ وآذى العامَّةَ، فخرج عليه تمامُ بنُ تميم التميمي نائبُه على تونس، فزحَفَ إليه فبَرَز لملاقاته العكي، فهَزَمه ابنُ تميمٌ، فتحَصَّنَ العكيُّ بالقيروان في القصرِ، وغلَبَ تمَّام على البلد، ثم نزل العكيُّ بأمانٍ وانسحب إلى طرابلس، فنهض لنُصرتِه إبراهيمُ بنُ الأغلب، فتقهقر تمَّام إلى تونُسَ ودخل ابنُ الأغلب القيروانَ، فصلى بالنَّاسِ وخطب وحَضَّ على الطاعةِ، ثم التقى ابنُ الأغلب وتمَّام فانهزم تمَّام، واشتَدَّ بغضُ الناسِ للعكيِّ، وكاتبوا الرشيدَ فيه، فعَزَله وأقَرَّ عليهم إبراهيمَ بن الأغلبِ.
#607
العام الهجري :184الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :800
مؤسس دولة الأغالبة في أفريقيا يبني مدينة ويسميها (العباسية) .
بعد أن قام إبراهيمُ بنُ الأغلب بقَمعِ تمَرُّدِ تمَّام بن تميم في أفريقيا، ولَّاه الرشيد، فانقمع الشَّرُّ، وضُبطَ الأمر، وسَيَّرَ تمامًا وكُلَّ مَن يتوثَّبُ الوُلاة إلى الرَّشيد، فسَكَنت البلاد، وابتنى مدينةً سمَّاها العباسيَّة بقُرب القيروان، وانتقَلَ إليها بأهلِه وعَبيدِه.
#608
العام الهجري :185العام الميلادي :801
سقوط مدينة برشلونة الإسلامية في يد الأسبان .
سقَطَت مدينةُ برشلونة بالأندلُسِ بِيَدِ ملك الفرنج بقيادةِ أذفونش بعد تحالُفِه مع البشكنس- لعَنَهم الله- وأخَذُوها من المسلمينَ، ونقلوا حُماةَ ثغورِهم إليها، وتأخَّرَ المسلمونَ إلى ورائهم. وكان سبَبُ مُلكِهم إيَّاها اشتغال الحَكَم بن هِشامٍ صاحِبِ الأندلس بمحاربةِ عَمَّيه عبد الله وسُليمان.
#609
العام الهجري :186العام الميلادي :802
هارون الرشيد يجدد وثيقة ولاية العهد لأولاده في جوف الكعبة .
لَمَّا وصل الرشيدُ إلى مكَّة، ومعه أولادُه والفُقَهاء والقُضاة والقُوَّاد، فكتب كتابًا أشهَدَ فيه على محمَّد الأمين، وأشهدَ فيه من حضرَ بالوفاء للمأمونِ، وكتَبَ كتابًا للمأمونِ أشهَدَهم عليه فيه بالوفاءِ للأمين، وعلَّقَ الكتابينِ في الكعبةِ، وجَدَّد العهودَ عليهما في الكعبة. ولَمَّا فعل الرشيد ذلك قال الناس: قد ألقى بينهم شَرًّا وحَربًا. وخافوا عاقبةَ ذلك، فكان ما خافوه.
#610
العام الهجري :186العام الميلادي :802
هارون الرشيد يجبر إمبراطور البيزنطيين على دفع الجزية .
اضطُرَّت دولةُ الرُّومِ أمام ضَرَباتِ الرشيدِ المتلاحقةِ إلى طلبِ الهُدنة والمصالحة، فعقدت "إيريني" مَلِكةُ الرُّومِ صلحًا مع الرشيد، مقابِلَ دفعِ الجزية السَّنوية له في سنة 181هـ، وظلَّت المعاهدة ساريةً حتى نقَضَها إمبراطورُ الروم، الذي خلَفَ إيريني، وكتب إلى هارون: "مِن نقفور ملكِ الرُّومِ إلى ملِك العَرَب، أمَّا بعدُ؛ فإنَّ المَلِكة إيريني التي كانت قبلي أقامَتْك مقامَ الرُّخِّ، فحَمَلَت إليك مِن أموالها، لكِنَّ ذاك ضَعفُ النِّساءِ وحُمقُهنَّ، فإذا قرأتَ كتابي فاردُدْ ما حصَلَ قِبَلَك من أموالِها، وافتَدِ نَفسَك، وإلَّا فالحربُ بيننا وبينك". فلمَّا قرأ الرشيدُ الرسالةَ ثارت ثائِرتُه، وغضِبَ غضَبًا شديدًا، وكتبَ على ظهرِ رسالة الامبراطور: "مِن هارونَ أميرِ المؤمنينَ إلى نقفور كَلبِ الرُّومِ، قد قرأتُ كتابَك يا ابنَ الكافرةِ، والجوابُ ما تراه دونَ أن تسمَعَه، والسَّلامُ". فشَخَص مِن يَومِه، وسار حتى أناخ ببابِ هرقلة، ففتح وغَنِمَ، واصطفى وأفاد، وخَرَّب وحَرَّق واصطَلَم، فطلبَ نقفورُ الموادعةَ على خراجٍ يؤدِّيه في كلِّ سَنةٍ، فأجابه إلى ذلك.
#611
العام الهجري :187العام الميلادي :802
استيلاء الفرنجة على تطيلة في الأندلس واسترجاع المسلمين لها .
استولى الفِرنجُ على مدينة تطيلة بالأندلس، وسبب ذلك أنَّ الحَكَمَ بن هِشامٍ صاحِبَ الأندلُسِ استعمَلَ على ثغورِ الأندلُسِ قائدًا كبيرًا من أجنادِه، اسمُه عمروس بن يوسف، فاستعمل ابنَه يوسُفَ على تطيلة. وكان قد انقلب على الحَكَم بنِ هشام بيتٌ من بيوت الأندلُسِ أولُو قوَّةٍ وبأس؛ لأنَّهم خرجوا عن طاعته، فالتحَقوا بالمُشرِكين، فقَوِيَ أمرُهم، واشتَدَّت شوكتُهم، وتقَدَّموا إلى مدينة تطيلة فحَصَروها ومَلَكوها من المسلمين، فأسَروا أميرَها يوسُفَ بن عمروس، وسجَنوه بصخرة قيس. واستقَرَّ عمروس بن يوسف بمدينةِ سرقسطة ليحفَظَها من الكُفَّار، وجمَعَ العساكِرَ، وسيَّرَها مع ابنِ عَمٍّ له، فلَقِيَ المشركين، وقاتَلَهم، ففَضَّ جَمعَهم، وهزَمَهم، وقتل أكثَرَهم، ونجا الباقون منكوبين، وسار الجيشُ إلى صخرة قيس، فحصروها وافتتحوها ولم يقدِر المشركون على مَنعِها منهم؛ لِما نالهم من الوَهَنِ بالهزيمة، ولَمَّا فَتَحَها المسلمون خلَّصوا يوسُفَ بن عمروس أميرَ الثغر، وسيَّروه إلى أبيه، وعظم أمر عمروس عند المشركين، وبَعُد صوتُه فيهم.
#612
العام الهجري :187الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :803
وفاة الفضيل بن عياض .
هو الفُضيلُ بنُ عِياضِ بن مسعود بن بشر التميمي اليربوعي الخراساني، المجاوِرُ بحرم الله، وُلِدَ بسمرقند، ونشأ بأبيورد، وارتحلَ في طلَبِ العلم؛ قال الفضل بن موسى: كان الفضيلُ بنُ عياض شاطِرًا يقطَعُ الطَّريقَ بين أبيورد وسرخس، وكان سبَبُ توبته أنَّه عَشِقَ جارية، فبينا هو يرتقي الجُدران إليها، إذ سَمِعَ تاليًا يتلو {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ...} [الحديد: 16] فلمَّا سَمِعَها، قال: بلى يا رَبِّ، قد آن، فرجع، فآواه الليلُ إلى خربةٍ، فإذا فيها سابلةٌ، فقال بعضُهم: نرحَلُ، وقال بعضهم: حتى نُصبحَ؛ فإنَّ فُضَيلًا على الطريق يقطَعُ علينا، قال: ففَكَّرتُ، وقلتُ: أنا أسعى باللَّيلِ في المعاصي، وقومٌ مِن المسلمينَ هاهنا، يخافونني، وما أرى اللهُ ساقني إليهم إلَّا لأرتَدِعَ، اللهمَّ إني قد تبتُ إليك، وجعلتُ توبتي مجاورةَ البيتِ الحرامِ. وقال ابن المبارك: ما بقِيَ على ظهرِ الأرضِ عندي أفضَلُ من الفُضَيل بن عِياضٍ، وقيل: مات- رحمه الله- في ست وثمانين ومئة. قال الذهبيُّ: وله نيِّفٌ وثمانون سنة، وهو حُجَّةٌ كبيرُ القَدرِ.