العام الهجري :838الشهر القمري : رجبالعام الميلادي :1435
فتح عدة مدن من بلاد الحطي ملك الحبشة .
بعث الملك شهاب الدين أحمد بدلاي بن سعد الدين سلطان المسلمين بالحبشة أَخاه خير الدين لقتال أهل أمحرة الكَفَرة بالحبشة، ففتح عدة بلاد من بلاد الحطي ملك الحبشة، وقتل أميرين من أمرائه، وغنم مالًا عظيمًا، وأكثر من القتل في أمحرة النصارى، وأخرب لهم ستَّ كنائس، وكان الوباء العظيم قد شنع بعامَّة بلاد الحبشة، ومات فيه من المسلمين والكفّار عالم لا يُحصى حتى كادت أن تخلو البلاد، بل خلا الكثير منها. وكان هلك في هذا الوباء ملك الحبشة الكافر صاحب أمحرة الذي يقال له الحطي، ووقع الخلاف بعده، ثم اتفقوا على إقامة صغير، فاغتنم فخر الدين الفرصة وغزى هذه الغزوة وعاد مؤيَّدًا منصورًا ومعه من الأموال والسبايا ما لا يُحصى، ثم عاد غازيًا في شوال أيضًا.
#3374
العام الهجري :839الشهر القمري : صفرالعام الميلادي :1435
خروج عثمان قرا يلك على السلطان بمصر .
ورد الخبر باتصال جانبك الصوفي بابن قرا يلك، وأنه بمدينة كماخ، وأنَّ قرا يلك سُرَّ به وجهَّز إليه بالخيل والمال، وأمدَّه بأشياء كثيرة، فزاد انزعاج السلطان وأهل الدولة بهذا الخبر, فأرسل السلطان إسكندر بن قرا يوسف لقتال عثمان قرا يلك, فجمع عثمان عسكره ولقي إسكندر فاقتتلا، فخرج كمين لإسكندر على عثمان، فانهزم وقصد أرزن الروم والخيل في طلبه. فلما خاف عثمان أن يُؤخَذ باليد رمى نفسه في خندق المدينة فغرق، ثم أخرجه أولاده ودُفِن في مسجد هناك، وكان شاه رخ بن تيمورلنك قد بعث بولده أحمد جوكي والأمير بابا حاجي على عسكر في إثر إسكندر نجدةً لقرا يلك، فقدما بعد هزيمة عثمان وغَرَقِه, فلقي إسكندر مُقدَّمة هذا العسكر على ميافارقين، وقاتلهم وقتل منهم، ثم انهزم جوكي إلى جهة بلاد الروم, ثم قدم إسكندر يسأل عن عثمان قرا يلك فدَلَّه بعضهم على قبره، فأخرجه بعد ثلاثة أيام من دفنه وقطع رأسه وحمله إلى السلطان الأشرف برسباي بمصر، ومعه خمسة رؤوس منها رؤوس بعض أولاده!!
#3375
العام الهجري :839الشهر القمري : صفرالعام الميلادي :1435
وفاة السلطان المنتصر محمد ملك الحفصيين وقيام أخيه عثمان .
هو السلطانُ المنتصر أبو عبد الله محمد بن أبي عبد الله محمد بن أبي فارس ملك تونس وبلاد إفريقية من الغرب، تولى الملكَ بعد وفاة جَدِّه أبي فارس عبد العزيز بن أحمد سنة 837, وقام بمملكة تونس من بعده أخوه أبو عمرو عثمان، فقَتَل عدة من أقاربه وغيرهم، وكان من خبر المنتصر مع أخيه أبي عمر: أنه لما ثقل في مرضه حتى أقعد، وصار إذا سار يركب في عمَّاريَّة نوع من المحامل تُحمَل على بغل- وتردد كثيرًا إلى قصر بخارج تونس للتنزه به، إلى أن خرج يومًا ومعه أخوه أبو عمرو عثمان صاحب قسنطينة، وقد قدم عليه وولَّاه الحكم بين الناس، ومعه أيضًا القائد محمد الهلالي، وقد رفع منه حتى صار هو وأبو عمرو عثمان مرجِعَ أمور الدولة إليهما، وحَجَباه عن كل أحد، فلما صارا معه إلى القصر المذكور تركاه به، وقد أغلقا عليه، يوهمان أنه نائم، ودخلا المدينة، وعبرا إلى القصبة، واستولى أبو عمرو على تخت الملك، ودعا الناس إلى بيعته، والهلالي قائم بين يديه، فلما ثبتت دولته قبض على الهلالي وسجَنَه، وغيَّبَه عن كل أحد، ثم التفت إلى أقاربه، فقَتَل عمَّ أبيه الأمير الفقيه الحسين بن السلطان أبي العباس، وقتل معه ابنيه وقد فرَّ بهما إلى العرب، فنزل عندهم، فاشتراه منهم بمالٍ جَمٍّ، وقتل ابني عم أبيه الأمير زكريا بن العناب ابن أبي العباس، وقتل ابني الأمير أبي العباس أحمد صاحب بجاية، فنفرت عنه قلوب الناس، وخرج عليه الأمير أبو الحسن بن السلطان بن أبي فارس عبد العزيز، متولي بجاية، وحاربه، ووقع له معه أمور كثيرة، إلى أن مات أبو عمرو، وأما المنتصر فإنه قُتِلَ بعد خلعه بمدة، وقيل: مات من شدة القهر يوم الخميس الحادي والعشرين صفر بتونس، ولم يتهنَّ في ملكه؛ لطول مرضه وكثرة الفتن.
#3376
العام الهجري :839الشهر القمري : رمضانالعام الميلادي :1436
العسكر المصري يقاتل دلغار نائب أبلستين الخارج عن الطاعة .
توجَّه العسكر المجرَّد من مصر إلى حلب، وسار منها نائبها تغري برمش البهسني بعساكر حلب، وصحبته الأمير قاني باي الحمزاوي نائب حماة بعساكر حماة، ونزل على عينتاب؛ لقتال دلغادر نائب أبلستين, وقد نزل جانبك الصوفي مرغش، فتوجهوا إليه من الدربند, ونزلوا على بزرجق يعني سويقة باللغة العربية- ثم عدَّوا الجسر، وقصدوا ناصر الدين بك دلغادر نائب أبلستين من طريق دربند كينوك، فلم يقدروا على سلوكه؛ لكثرة الثلوج، فمضوا إلى دربند آخر من عمل بهسنا، وساروا منه بعد مشقة يريدون أبلستين وساروا حتى طرقها تغري برمش بمن معه في يوم الثلاثاء تاسع شهر رمضان، فلم يدرك ناصر الدين بن دلغادر بها، فأمر تغري برمش بنهب أبلستين وإحراقها، فنُهِبَت وأُحرقت بأجمعها، وأخذوا منها شيئًا كثيرًا، ثم عاد تغري برمش نائب حلب بمن معه والأغنام تساق بين يديه بعد أن امتلأت أيدي العساكر من النهب، وترك أبلستين خرابًا قاعًا صفصفًا، وعاد إلى حلب بعد غيبته عنها خمسين يومًا، كل ذلك وأمراء مصر بحلب.
#3377
العام الهجري :839الشهر القمري : ذي الحجةالعام الميلادي :1436
العسكر المصري يقاتل أولاد دلغار نائب أبلستين الخارج عن الطاعة .
بلغ تغري برمش البهسني نائب حلب بعد قدومه من أبلستين إلى حلب أن ناصر الدين بن دلغادر نزل بالقرب من كينوك، فجهَّز إليه أخاه حسنًا حاجب حجَّاب حلب، وحسن هو الأسنُّ، ومعه مائة وخمسون فارسًا إلى عينتاب؛ تقويةً للأمير خجا سودون، وقد نزل بها بعد أن انفرد عن العسكر المصري من يوم خرج من الديار المصرية، فتوجَّه حسن بمن معه إلى خجا سودون وأقام عنده، فلما كان يوم الرابع والعشرين ذي الحجة من سنة تسع وثلاثين وصل إليهم الأمير جانبك الصوفي، ومعه الأمير قرمش الأعور، والأمير كمشبغا المعروف بأمير عشرة أحد أمراء حلب، وكان توجَّه من حلب وانضمَّ على جانبك الصوفي قبل تاريخه بمدة طويلة، ومعه أيضًا أولاد ناصر الدين بك ابن دلغادر جميعهم ما عدا سليمان، فنزلوا على مرج دلوك، ثم ركبوا وساروا منه إلى قتال خجا سودون بعينتاب، فركب خجا سودون أيضًا بمماليكه وبمن معه من التركمان والعربان، وقاتلهم آخر النهار، وباتوا ليلتهم، وأصبحوا يوم الثلاثاء خامس عشرين ذي الحجة تقدَّم حسن حاجب الحُجَّاب بمن معه من التركمان والعربان أمام خجا سودون، فتقدم إليهم جانبك الصوفي بمن معه، وهم نحو الألفي فارس، فقاتلته العساكر المذكورة المصرية، وقد تفرقوا فرقتين: فرقة عليها خجا سودون وحسن حاجب الحجاب، وفرقة عليها الأمير تمرباي اليوسفي المؤيدي دوادار السلطان بحلب، وتركمان الطاعة في كل فرقة منهما، وتصادم الفريقان فكانت بينهم وقعة هائلة انكسر فيها جانبك الصوفي، وأمسك الأمير قرمش الأعور، والأمير كمشبغا أمير عشرة، وهما كانا جناحي مملكته، وثمانية عشر فارسًا من أصحاب جانبك الصوفي، وانهزم جانبك في أناس وتبعهم العساكر فلم يقدروا عليهم فعادوا، فأخذ خجا سودون قرمش وكمشبغا بمن معهما، وقيَّد الجميع وسيَّرهم إلى حلب، وكتب بذلك إلى السلطان، فقدم الخبر على السلطان في صفر من سنة 840، ومع المخبر رأس الأمير قرمش الأعور، ورأس الأمير كمشبغا أمير عشرة، وأنه قُتِل من قُبِض معهما بحلب، فشُهِر الرأسان بالقاهرة، ثم ألقيا في سرداب الأقذار بأمر السلطان ولم يُدفَنا.
#3378
العام الهجري :840الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :1436
الفرنج يحاولون سرقة مراكب المسلمين في الإسكندرية .
في الحادى والعشرين محرم طرق ميناءَ بوقير خارجَ مدينة الإسكندرية ثلاثةُ أغربة -نوع من المراكب- من الفرنج الكيتلان، وأخذوا مركبين للمسلمين، فخرج إليهم أقباي اليشبكي الدوادار نائب الثغر، ورماهم حتى أخذ منهم أحد المركبين، وأحرق الفرنج المركبَ الآخر وساروا، وفي الثاني والعشرين منه بعد هذه الوقعة طرق ميناءَ الإسكندرية مركبٌ آخر للكيتلان، وكان بها مركب للجنوية، فتَحاربا، وأعان المسلمون الجنوية حتى انهزم الكيتلان.
#3379
العام الهجري :840الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :1436
أبو الحسن عم ملك الحفصيين يحاصر قسنطينة ويحاربه الملك عثمان .
في محرم خرج من مدينة بجاية بإفريقية أبو الحسن علي ابن السلطان أبى فارس عبد العزيز ملك الحفصيين، حتى نزل على قسنطينة، وحصرها، ثم في شهر صفر سار أبو عمرو عثمان بن أبي عبد الله محمد ابن السلطان أبى فارس عبد العزيز من مدينة تونس يريد قسنطينة؛ لقتال عمه أبي الحسن علي.
#3380
العام الهجري :840الشهر القمري : صفرالعام الميلادي :1436
وفاة إمام الزيدية المنصور نجاح الدين علي صاحب صنعاء .
هو الإمامُ المنصور نجاح الدين أبو الحسن علي بن صلاح بن علي بن محمد بن علي بن أحمد بن منصور بن حجَّاج بن يوسف الحسني، الرسي المدعو بأمير المؤمنين، إمامُ الزيدية ورأسُهم. صاحبُ صنعاء باليمن، أقام في الإمامة بعد أبيه ستًّا وأربعين سنة وثلاثة أشهر، وأضاف إلى صنعاء وصعدة عدة من حصون الإسماعيلية، أخذها منهم بعد حروب وحصار. مات في سابع صفر، فقام بعده ابنه الإمام الناصر صلاح الدين محمد بعهده إليه وبيعة الجماعة له، فمات بعد ثمانية وعشرين يومًا في الخامس والعشرين شهر ربيع الأول، فأجمع الزيدية بعده على رجل منهم يقال له صلاح بن علي بن محمد بن أبي القاسم وبايعوه، ولقَّبوه بالمهدي، وهو من بني عم الإمام المنصور، وقام بأمره قاسم ابن سنقر على أن يكون الحُكمُ له، فعارضه الإمام وصار يحكُمُ بما يؤدي إليه اجتهاده، ولا يلتفت إلى ابن سنقر، فثار عليه بعد ستة أشهر رجل يقال له محمد بن إبراهيم الساودي، وأعانه ابن سنقر، وقبضا عليه وسجناه في قصر صنعاء، ووكل به محمد بن أسد الأسدي، وقام قاسم بالأمر، فدبرت زوجةُ الإمام المهدي في خلاصِه، ودفعت إلى الأسدي الموكل به ثلاثة آلاف أوقية، فأفرج عنه، وخرج به من القصر، وسار إلى معقل يسمى ظفار، وفيه زوجة المهدي، ومضى الأسدي إلى معقل يسمى دمر، وهو من أعظم معاقل الإسماعيلية التي انتزعها الإمام المنصور علي بن صلاح، وأقام المهدي مع زوجته بظفار، ثم جمع الناس وسار إلى صنعاء، فوقع بينه وبين ابن سنقر وقعة، انكسر فيها الإمامُ وتحصَّن بقلعة يقال لها تلى، فلما بلغ ذلك زوجته ملكت صعدة، وأطاعها من بها من الناس، فاضطرب أمر ابن سنقر، وكان الناس مخالفين عليه، فأقام ولدًا صغيرًا وهو ابن بنت الإمام المنصور علي وأبوه من الأشراف الرسية، فازداد الناس نفورًا عنه وإنكارًا عليه، واستدعَوا الإمام المهدي إلى صعدة، فقدمها وبايعه الأشراف بيعة ثانية، حتى تم أمره، وبعث إلى أهل الحصون يدعوهم إلى طاعته، فأجابوه، وانفرد ابن سنقر بصنعاء وحدها على كرهٍ من أهلها، وبُغضٍ له.
#3381
العام الهجري :841الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :1437
طاعون حاد في الشام .
كثُرَ الوباء بالطاعون بحلب وأعمالها، حتى تجاوزت عدة الأموات بمدينة حلب في اليوم مائة، وفي شهر ربيع الآخر شنع الوباء بحماة، حتى تجاوزت عدة الأموات عندهم في كل يوم ثلاثمائة إنسان، ولم يعهدوا مثل ذلك في هذه الأزمنة، وفي شهر جمادى الأولى فشا الموت في الناس بمدينة حماة وأعمالها، حتى تجاوز عدة من يموت في كل يوم مائة وخمسين إنسانًا، وفي شهر جمادى الآخرة وقع الوباء بدمشق، وفشا الموت بالطاعون الوحى، ثم كثر بدمشق، وشنع بحلب وأعمالها، فأظهر أهلها التوبة، وأغلقوا حانات الخمارين، ومنعوا البغايا الواقفات للبغاء، والشباب المُرصدين لعمل الفاحشة، بضرائِبَ تُحمَل لنائب حلب وغيره من أرباب الدولة، فتناقص الموت وخفَّ الوباء، حتى كاد يرتفع، ففرح أهل حلب بذلك، وجعلوا شكرَ هذه النعمة أن فتحوا الخمَّارات، وأوقفوا البغايا والأحداث للفساد بالضرائب المقرَّرة عليهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله!! فأصبحوا وقد مات من الناس ثمانمائة إنسان، واستمر الوباء الشنيع، والموت الذريع فيهم، رجب، وشعبان، وما بعده! ثم شنع الوباء بدمشق في شعبان، ومات من الغرباء -الذين قَدِموا من بغداد وتبريز والحلة والمشهد وتلك الديار فرارًا من الجور والظلم الذى هنالك وسكنوا حلب وحماة ودمشق- عالمٌ عظيم لا يحصُرُهم العادُّ؛ لكثرتِهم!
#3382
العام الهجري :841الشهر القمري : ربيع الأولالعام الميلادي :1437
وقعة بين النصارى البرتغال وبين المسلمين في مدينة سبتة .
قدم الخبرُ بأن ملك البرتغال صاحب مدينة شلب من الأندلس سار يريد مدينة طنجة، فنزل على سبتة في المحرم، ومضى منها وهى بيده في البر والبحر، ومعه فيما يقال ثمانية عشر ألف رامٍ، وستة آلاف فارس، حتى نزل على طنجة فحصرها مدة شهر إلى أن أتته جموع المسلمين من فاس ومكناسة وأصيلا في شهر ربيع الآخر، فكانت بينهم وبين البرتغال من النصارى حروب عظيمة، نصر الله فيها المسلمين، وقُتِل نحو الثلثين من النصارى، والتجأ باقيهم إلى محلتهم، فضايقهم المسلمون حتى طلبوا الأمان على أن يسلِّموا للمسلمين مدينة سبتة، ويُفرجوا عن سبعمائة أسير من المسلمين، ويدفعوا ما بأيديهم من آلات الحرب للمسلمين، فأمَّنوهم، وبعثوا برهائنهم على ذلك، فصار المسلمون يأخذون النصارى ويوصلونهم إلى أسطولهم بالبحر، فحسد أحمد اللحيانى القائم بتدبير مكناسة الأزرق، وهو أبو زكريا حي بن زيان بن عمر الوطاسي القائم بتدبير مدينة فاس، وقَتَل عدة من النصارى، ورحل، فحنق النصارى من ذلك، وحطموا على المسلمين حطمةً قُتِلَ فيها جماعة، وخلصوا إلى أسطولهم، وبقي ابن ملكهم في يد المسلمين، فلما وصلوا إلى بلادهم، لم يرضَ أكابرهم بتسليم سبتة للمسلمين، وبعثوا في فداء ابن الملك بمال، فلم يقع بينهم وبين الرسول اتفاق، وسجنوه مع ابن الملك المرتهن عند صالح بن صالح بن حمو، بطنجة، فيقول المكثر: إن الذى قُتِلَ من النصارى في هذه الواقعة خمسة وعشرون ألفًا، وغَنِمَ المسلمون منهم أموالًا كثيرة.
#3383
العام الهجري :841الشهر القمري : رجبالعام الميلادي :1438
فتنة بين العبيد وبين مماليك السلطان في مصر .
جرت في ليلة الاثنين ويوم الاثنين خامس رجب شنائع؛ وذلك أن مماليك السلطان سكان الطباق بالقلعة نشؤوا على مقت السلطان لرعيَّته، مع ما عندهم من بغض الناس، فنزل كثير منهم في أول الليل، وأخذوا في نهب الناس، وخَطْف النساء والصبيان للفساد، واجتمع عدد كثير من العبيد السود، وقاتلوا المماليك، فقُتِلَ من العبيد خمسة نفر، وجُرِح عدة من المماليك، وخُطِف من العمائم وأخذ من الأمتعة شيء كثير، فكان ذلك من أقبح ما سُمِع به، ثم أخذ المماليك في تتبع العبيد، فقتلوا منهم جماعة، ففر كثيرٌ منهم من القاهرة، واختفى كثيرٌ منهم، فلما نودي بذلك سكن ذلك الشر، وأمِنَ الناس على عبيدهم بعد خوف شديد، ثم نودي بألا يحمِلَ أحد من العبيد السلاح، ولا سيفًا ولا عَصًا، ولا يمشي بعد المغرب، وأن المماليك لا تتعرض لأحد من العبيد، ثم رُسِمَ بمنع المماليك من النزول من طباقهم بالقلعة إلى القاهرة، وذلك أنهم صاروا ينزلون طوائف طوائف إلى المواضع التي يجتمع بها العامة للنزهة، ويتفنَّنوا في العبث والفساد، من أخذ عمائم الرجال واغتصاب النساء والصبيان، وتناوُل معايش الباعة، وغير ذلك، فلم يتم منعُهم، ونزلوا على عادتهم السيئة!!
#3384
العام الهجري :841الشهر القمري : رجبالعام الميلادي :1438
طاعون حاد في مصر .
في هذا الشهر وقع الوباء بالطاعون ببلاد الصعيد من أرض مصر، وفي شهر رمضان كانت عدة الأموات التي رُفِعت بها أوراق مُباشِري ديوان المواريث بالقاهرة ثمانية عشر إنسانًا، وتزايدت عدتُهم في كل يوم حتى فشا في الناس الموتُ بالطاعون في القاهرة ومصر، لا سيما في الأطفال والإماء والعبيد؛ فإنهم أكثر من يموت موتًا سريعًا، ثم شنعت الأخبار بكثرة من يموت، وسرعة موتهم، وشناعة الموتان أيضًا ببلاد الواحات من أرض مصر، ووقوعه قليلًا بصعيد مصر، وقد شنع الموت بالدُّور السلطانية في أولاد السلطان الذكور والإناث، وفي حظاياه وجواريه، وجواري نسائه، وفي الخدَّام الطواشية، وشنع الموت في مماليك السلطان سكان الطباق، حتى لقد مات منهم في هذا الوباء نحو آلاف، ومات من الخُدَّام الخصيان مائة وستون طواشي، ومات من الجواري بدار السلطان زيادة على مائة وستين جارية، سوى سبع عشرة حظية وسبعة عشر ولدًا، ذكورا وإناثًا، وشنع الموت أيضًا في الناس بالقاهرة ومصر وما بينهما، وفي سكان قلعة الجبل، وفي بلاد الواحات والفيوم، وبعض بلاد الصعيد، وبعض الحوف بالشرقية، ووقع الطاعون في الغنم والدواب، ووُجِد في النيل سمك كثير طافٍ قد مات من الطاعون، وأما الطاعون فإنه ابتدأ بالقاهرة من أول شهر رمضان، وكثر في شوال حتى تجاوز عدة من يُصلَّى عليه في مصلى باب النصر كل يوم أربعمائة ميت، سوى بقية المصلَّيات وعدتها بضع عشرة مُصلًّى، ومع ذلك فلم تبلغ عدة من يُرفَع في أوراق ديوان المواريث قط أربعمائة، وسببه أن الناس أعدوا توابيتَ للسبيل، ومعظم من يموت إنما هم الأطفال والإماء والعبيد، فلا يحتاج أهلُهم إلى إطلاقهم من الديوان، وفي شهر ذي الحجة والذى قبله فشا الموت بالطاعون في الإسكندرية، ودمياط، وفوه، ودمنهور، وما حول تلك الأعمال؛ فمات بها عالم كبير، وتجاوزت عدة من يموت بالإسكندرية في كل يوم مائة إنسان.