استيلاء ابن هود على غرناطة .
قام الأمير محمد بن يوسف بن هود بالاستيلاء على غرناطة وانتزعها من دولة الموحدين بعد أن استولى على مرسية وما جاورها من بلاد الشَّرقِ.
رحلة عبر الزمن في تاريخنا الإسلامي العريق
قام الأمير محمد بن يوسف بن هود بالاستيلاء على غرناطة وانتزعها من دولة الموحدين بعد أن استولى على مرسية وما جاورها من بلاد الشَّرقِ.
بعد دخول التتر أذربيجان وغيرها من المدن، وتفَرُّق عساكر جلال الدين خوارزم شاه واختفائه، ولم يعرف له سبيل؛ كان ذلك نهاية للدولة الخوارزميَّة.
وصل طائفةٌ من التتر من أذربيجان إلى أعمال إربل، فقتلوا من على طريقِهم من التركمان الإيوانية والأكراد الجوزقان وغيرهم إلى أن دخلوا بلدَ إربل، فنهبوا القرى، وقتَلوا من ظَفِروا به من أهلِ تلك الأعمال، وعَمِلوا الأعمالَ الشنيعة التي لم يُسمَع بمثلِها من غيرهم، وبرز مظفر الدين، صاحب إربل، في عسكره، واستمدَّ عساكِرَ الموصل فساروا إليه، فلمَّا بلَغَه عودَ التتر إلى أذربيجان أقام في بلاده ولم يتبعْهم، فوصلوا إلى بلد الكرخيني، وبلد دقوقا، وغير ذلك، وعادوا سالمينَ لم يذعرْهم أحدٌ، ولا وقف في وجوههم فارسٌ.
في أواخر هذه السنة أطاع أهل بلاد أذربيجان جميعها للتتر، وحملوا إليهم الأموالَ والثياب الخطائي، والخوبي، والعتابي، وغير ذلك، وسبب طاعتِهم أن جلال الدين لَمَّا انهزم على آمد من التتر، وتفَرَّقت عساكره، وتمزَّقوا كلَّ مُمزَّق، وتخطَّفَهم الناس، وفعل التترُ بديار بكر والجزيرة وإربل وخلاط ما فعلوا، ولم يمنَعْهم أحد، ولا وقف في وجوههم واقف، وملوكُ الإسلام منجحرون في الأثقاب، وانضاف إلى هذا انقطاعُ أخبار جلال الدين، فإنَّه لم يظهر له خبر، ولا علموا له حالة، سُقِطَ في أيديهم، وأذعنوا للتتر بالطاعة، وحملوا إليهم ما طلبوا منهم من الأموالِ والثياب، وكذلك مدينة تبريز التي هي أصل بلاد أذربيجان، ومرجع الجميعِ إليها وإلى من بها، فإنَّ ملك التتر نزل في عساكره بالقرب منها، وأرسل إلى أهلِها يدعوهم إلى طاعته، ويتهدَّدُهم إن امتنعوا عليه، فأرسلوا إليه المال الكثير، والتُّحَف من أنواع الثياب الإبريسم وغيرها، وكلُّ شيء حتى الخمر، وبذلوا له الطاعة، فأعاد الجوابَ يشكُرُهم، ويطلب منهم أن يحضُرَ مُقَدَّموهم عنده، فقصده قاضي البلد ورئيسُه، وجماعة من أعيان أهله، وتخلَّفَ عنهم شمس الدين الطغرائي، وهو الذي يرجع الجميعُ إليه، إلَّا أنه لا يظهر شيئًا من ذلك، فلمَّا حضروا عنده سألهم عن امتناع الطغرائي من الحضور فقالوا: إنه رجل منقطع، ما له بالملوك تعلُّق، ونحن الأصل، فسكت ثم طلب أن يحضروا عنده من صناع الثيابِ الخطائي وغيرها، ليستعمل لمَلِكهم الأعظم، فأحضروا الصُّنَّاع، فاستعملهم في الذي أرادوا، ووزن أهل تبريز الثمَن، وطلب منهم خركاة لملكه أيضًا، فعملوا له خركاة- بيت من الخشب- لم يُعمَل مِثلُها، وعملوا غشاءَها من الأطلس الجيد المزركش، وعملوا من داخلها السمور والقندر، فجاءت عليهم بجملة كثيرة، وقرر عليهم شيئًا من المال كلَّ سنة، وترددت رسلهم إلى ديوان الخلافة وإلى جماعة من الملوك يطلُبون منهم أنهم لا ينصرون خوارزم شاه. قال ابن خلكان: "ولقد وقفتُ على كتاب وصل من تاجرٍ مِن أهل الري في العام الماضي، قبل خروج التتر، فلما وصل التتر إلى الري وأطاعهم أهلها، وساروا إلى أذربيجان، سار هو معهم إلى تبريز، فكتب إلى أصحابه بالموصل يقول: إن الكافِرَ- لعنه الله- ما نَقدِرُ نَصِفُه، ولا نذكر جموعه حتى لا تنقطع قلوبُ المسلمين، فإن الأمر عظيم، ولا تظنوا أن هذه الطائفةَ التي وصلت إلى نصيبين والخابور، والطائفة الأخرى التي وصلت إلى إربل ودقوقا، كان قصدُهم النهب، إنما أرادوا أن يعلموا هل في البلاد من يردُّهم أم لا، فلما عادوا أخبروا ملكهم بخلو البلادِ مِن مانع ومدافع، وأنَّ البلاد خالية من ملك وعساكر، فقوي طمعُهم، وهم في الربيع يقصدونَك، وما يبقى عندكم مقامٌ إلَّا إن كان في بلد الغرب، فإنَّ عَزمَهم على قصدِ البلاد جميعها، فانظروا لأنفُسِكم، هذا مضمون الكتاب، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
تكامَلَ استيلاءُ التتر على إقليم أرمينية وخلاط وسائر ما كان بيد الخوارزمي، فوصلوا إلى شهزور فاهتَمَّ الخليفة المستنصر بالله غايةَ الاهتمام، وسيَّرَ عِدَّة رسل يستنجد الأشرفَ مِن مصر، ويستنجد العربان وغيرهم، وأخرج الخليفةُ الأموال، فوقع الاستخدام في جميع البلاد لحركة التتر، فندب الخليفةُ صاحب إربل مظفر الدين كوكبري بن زين الدين، وأضاف إليه عساكِرَ مِن عنده، فساروا نحوهم فهربت منهم التتار وأقاموا في مقابلتهم عدةَ شهور، ثم تمَرَّض مظفر الدين وعاد إلى بلده إربل، وتراجَعَت التتار إلى بلادِها.
خرج المَلِكُ الكامِلُ مِن القاهرة في جمادى الآخرة، واستخلفَ على مصر ابنَه المَلِك العادلَ أبا بكر، وقَدِمَ الأشرف والمعظم صاحِب الجزيرة بالعساكر، ومضى الكاملُ جريدة-الجريدة خَيْلٌ لا رَجَّالة فيها- إلى الشوبك والكرك، وسار إلى دمشقَ، ومعه الناصرُ داود بن الملك المعظَّم صاحب الكرك بعساكره، وأقام الكامِلُ بدمشق يسَرِّح العساكِرَ، وجعل في مقدِّمتِها ابنه الملك الصالح أيوب، وورد الخبر بدخول التتر بلاد خلاط، فأسرع الكامِلُ في الحركة، وخرج من دمشق، فنزل سلمية وقد اجتمع فيها بعساكِرَ يضيق بها الفضاءُ وسار منها في آخر رمضان على البرية، وتفرَّقَت العساكر في عدة طرق لكثرتِها، فهلك منها عدةٌ كثيرة من الناس والدواب، لقلَّة الماء، وأتته رسلُ ملوك الأطراف، وهم عز الدين بيقرا، وفخر الدين بن الدامغاني، ورسل الخليفة المستنصر بالله، وألبسوه خِلعة السلطنة، فاستدعى الكامل عند ذلك رسلَ الخوارزمي، ورسول الكرج، ورسل حماة وحمص، ورسول الهند ورسل الفرنج، ورسل أتابك سعد صاحب شيراز، ورسل صاحب الأندلس ولم تجتَمِعْ هذه الرسلُ عند ملك في يومٍ واحدٍ قَطُّ غيره، وقَدِمَ عليه بهاء الدين اليزدي - شيخ رباط الخلاطية - من بغداد وجماعة من النخاس، يحثُّونه على الغزاة، فرحل التتر عن خلاط، بعد منازلتها عدَّةَ أيام، وجاء الخبَرُ برحيلهم والكامل بحرَّان، فجهَّز عماد الدين بن شيخ الشيوخ رسولًا إلى الخليفة، وسار إلى الرَّها، وقَدَّم الكامِلُ العساكِرَ إلى آمد، وسار بعدهم، فنزل على آمد، ونصبَ عليها عِدَّة مجانيق، فبعث إليه صاحِبُها يستعطِفُه، ويبذل له مائة ألف، وللأشرفِ عشرين ألف دينار، فلم يقبَلْ، وما زال عليها حتى أخذها، في سادس عشر ذي الحجة، وحضر صاحبُها إليه بأمان، فوكل به حتى سلم جميعَ حصونها، فأعطى السلطانُ حصن كيفا لابنه الملكِ الصالح نجم الدين أيوب.
أقام محمد بن يوسف بن نصر جد بني الأحمر دولةَ بني الأحمر في غرناطة بعد أن تغلَّبَ على محمد بن يوسف بن هود.
بعث الملكُ المنصور عمر بن علي بن رسول، صاحبُ اليمن، عسكرًا إلى مكة، وفيها الشَّريفُ راجح بن قتادة، فمَلَكَها من الأمير شجاع الدين طغتكين، نائب الملك الكامل، وفرَّ شجاع الدين إلى نخلة ثم إلى ينبع، وكتب يُعلِمُ الملك الكامل بذلك، فبعث إليه الكامِلُ عسكرًا سار بهم إلى مكَّة، فقدموها في شهر رمضان، ومَلَكوها بعدما قتلوا جماعة، وكان مُقَدَّم العسكر الأمير فخر الدين يوسف بن الشيخ.
بعد أن تخلى الموحِّدون عن الأندلس بدأت تتساقَطُ المدن الإسلامية فيها واحدة تلوَ الأخرى في أيدي القوى الصَّليبية غيرَ أنَّ مقاطعة غرناطة استطاع أن يسيطرَ عليها محمد الغالب بن يوسف بن أحمد بن نصر بن الأحمر الذي اعتصم بها، وأقام قلعةً عُرِفَت باسم قلعة الحمراء أو قصر الحمراء وجعلها مركزًا له ولأسرته من بعده، وملجأً لجموع المسلمين الهاربين من أنحاءِ الأندلس، ثمَّ أعلن نفسَه أميرًا على الأندلس بعد أن استولى على جيان ووادي آش وبسطة، وتمت له غرناطة تمامًا والتي أصبحت عاصمتَه، واستطاع أن يضمَّ لها عددًا من الدويلات الأخرى, وظلَّت دولةُ الإسلام في الأندلُسِ بغرناطة إلى سقوطها بيد الفرنج سنة 897 (1492م).
قام أبو زكريا الأول الحفصي أمير تونس مؤسس الدولة الحفصية بتوسيعِ رقعة دولته باستيلائِه على بجاية وقسنطينة.
قام الملك الكامِلُ الأيوبي صاحِبُ مصر بفتح آمد، وأخرجَ منها صاحبها الملك المسعود بن مودود بعد حصار طويل، وتسلم منه جميعَ القلاع التي كانت بيده، وبَقِيَ حِصنُ كيفا عاصيًا، فبعث الكامل أخاه الأشرف وأخاه شهاب الدين غازي، ومعهما صاحب آمد تحت الحوطة، فسألهم صاحِبُ آمد في تسليمِ الحصن فلم يسَلِّموا البلد، فعذَّبَه الأشرفُ عذابًا عظيمًا، وكان يُبغِضُه، ولا زال الأشرف يحاصر حصن كيفا حتى تسَلَّمَها، ووجد عند مسعود المذكور خمسمائة بنت من بنات الناس للفِراش، وكان الملك المسعود هو آخِرُ ملوك بني الأرتق، ثمَّ قام الملك الكامل بتوليةِ ابنه نجم الدين أيوب آمد وحصن كيفا، وأبقى الملك المسعود عنده في مصر، حبسه مدةً ثم أفرج عنه وأقطعه إمرةً في مصر.
هو الشيخ الإمام العلامة المحدِّث، الأديبُ النَّسَّابة: عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري الموصلي المعروف بابن الأثير، مصنف كتاب (أُسْد الغابة في أسماء الصحابة)، وكتاب (الكامل في التاريخ)، وهو من أحسنها سردًا للحوادث ابتدأه من المبتدأ إلى سنة ثمان وعشرين وستمائة، ولد بجزيرة ابن عمر، في سنة 550، ونشأ بها، وأخواه العلامة مجد الدين والوزير ضياء الدين، ثم تحوَّلَ بهم أبوهم إلى الموصل، فسَمِعوا بها، واشتغلوا وبرعوا وسادوا. كان ابن الأثير إمامًا علامة، أخباريًّا أديبًا، متفنِّنًا رئيسًا محتشمًا، عالِمًا بالأنساب والتواريخ وأيام العرب، وله كتاب خاص بتاريخ الأتابكة الذين عاش في ظلهم، وكان منزله مأوى طلبة العلم، ولقد أقبل في آخر عمره على الحديث إقبالًا تامًّا، وسمع العاليَ والنازل, ووزر لبعض أتابكة الموصل وأقام بها في آخر عمره موقرًا مُعظَّمًا إلى أن توفي بها، وكان يتردد إلى بغداد. قدم ابن الأثير الشام رسولًا، فحدَّث بدمشق وحلب. قال ابن خلكان: " لَمَّا وصلت إلى حلب في أواخر سنة 626 كان عز الدين ابن الأثير مقيمًا عند الطواشي شهاب الدين طغريل الخادم أتابك الملك العزيز بن الملك الظاهر صاحب حلب، وكان الطواشي كثير الإقبال عليه حَسَنَ الاعتقاد فيه مُكْرِمًا له، فاجتمعت به فوجدته رجلًا مكملًا في الفضائل وكرم الأخلاق وكثرة التواضع، فلازمت التردادَ إليه" وأمَّا ابن الأثير الجزري الآخر فهو أخوه أبو السعادات المبارك مصنف كتاب جامع الأصول، وأخوهما الوزير ضياء الدين أبو الفتح نصر الله كان وزيرًا للملك الأفضل علي بن صلاح الدين، توفي ابن الأثير عن خمس وسبعين سنة- رحمه الله- في الموصل، ودُفِنَ بها.