نَبع

الأحداث التاريخية

رحلة عبر الزمن في تاريخنا الإسلامي العريق

#2125
العام الهجري :565الشهر القمري : جمادى الآخرةالعام الميلادي :1170

حصار نور الدين محمود لكرك .

أرسل صلاح الدين إلى نور الدين يطلُبُ أن يرسِلَ إليه والِدَه نجم الدين أيوب، فجَهَّزه نور الدين وسَيَّرَه، وسيَّرَ معه عسكرًا، واجتمع معه من التجار خلق كثير، وانضاف إليهم من كان له مع صلاح الدين أُنس وصحبة، فخاف نور الدين عليهم من الفرنجِ، فسار في عساكره إلى الكرك، فحصَرَه وضيَّقَ عليه ونصب عليه المجانيق، فأتاه الخبَرُ أن الفرنج قد جمعوا له، وساروا إليه، وقد جعلوا في مقدمتهم إليه ابن هنفري وقريب بن الرقيق، وهما فارسا الفرنج في وقتهما، فرحل نور الدين نحو هذين المقَدَّمين ليلقاهما ومن معهما قبل أن يلتَحِقَ بهما باقي الفرنج، فلما قاربَهما رجعا واجتمعا بباقي الفرنج, وسلك نور الدين وسطَ بلادهم يسلُبُ ويَحرِق ما على طريقه من القرى إلى أن وصل إلى بلاد الإسلام، فنزل على عشترا، وأقام ينتظِرُ حركة الفرنج ليلقاهم، فلم يَبرَحوا من مكانهم، فأقام هو حتى أتاه خبر الزلزلة الحادثة فرحل, وأما نجمُ الدين أيوب فإنَّه وصل إلى مصر سالِمًا هو ومن معه وخرج العاضِدُ الحاكم الفاطمي فالتقاه؛ إكرامًا له.

#2126
العام الهجري :565الشهر القمري : ذي الحجةالعام الميلادي :1170

وفاة قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي .

هو قطبُ الدين مودود بن زنكي بن آقسنقر، المعروفُ بالأعرج صاحِبُ الموصل، وقد كان من أحسن الملوك سيرةً، وأعفِّهم عن أموال رعيَّته، مُحسِنًا إليهم، كثيرَ الإنعام عليهم، محبوبًا إلى كبيرهم وصغيرهم، عطوفًا على شريفهم ووضيعهم، كريمَ الأخلاق، حسَنَ الصحبة معهم, سريعَ الانفعال للخير، بطيئًا عن الشَّرِّ، جمَّ المناقب، قليلَ المعايب.  تولى قطب الدين السلطنةَ بالموصل بعد موت أخيه سيف الدين غازي بن زنكي, وكان قطبُ الدين حسنَ السيرة، عادلًا في حكمه. وفي دولته عَظُمَ شأن جمال الدين محمد الوزير الأصبهاني المعروف بالجواد، وكان مدبِّرَ دولته, وصاحب رأيه الأمير زين الدين علي كجك، وكان نِعمَ المدبر والمشير لصلاحِه وخيرِه وحُسنِ مقاصده, ولم يزَلْ قطب الدين على سلطنته ونفاذ كلمتِه بالموصل وما حولها إلى أن توفي في شوال، وقيل في الثاني والعشرين من ذي الحجة. كان مرضُه حمى حادة، ولما اشتد مرضه أوصى بالملك بعده لابنه عماد الدين زنكي، ثم عدل عنه إلى ابنه الأكبر سيف الدين غازي, وكان له ثلاثةُ أولاد: سيف الدين غازي الذي تولى السلطنة بعده، وعز الدين مسعود تولى السلطنة بعد أخيه سيف الدين، وعماد الدين زنكي صاحب سنجار.

#2127
العام الهجري :566الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :1170

ملك نور الدين محمود زنكي الرقة ونصيبين والخابور وسنجار .

لَمَّا بلغ نور الدين محمودًا وفاةُ أخيه قطب الدين مودود، صاحِبِ الموصل، ومُلك ولده سيف الدين غازي الموصِلَ والبلاد التي كانت لأبيه، بعد وفاته، وقيام فخر الدين عبد المسيح بالأمرِ معه، وتحكُّمه عليه؛ أنِفَ لذلك وكَبِرَ لديه وعَظُمَ عليه، وكان يُبغِضُ فخر الدين؛ لما يبلغه عنه من خشونةِ سياسته، فقال: أنا أولى بتدبير أولاد أخي ومُلكِهم، وسار عند انقضاء العزاء جريدة في قلة من العسكر، وعبر الفرات، عند قلعة جعبر، مُستهَلَّ المحَرَّم، وقصد الرقةَ فحصَرَها وأخذها، ثم سار إلى الخابور فمَلَكَه جميعه، وملك نصيبين وأقام فيها يجمَعُ العساكر، فأتاه بها نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود، صاحِبُ حصن كيفا، وكثُرَ جمعه، وكان قد ترك أكثر عساكره في الشام لحفظ ثغوره، فلما اجتمعت العساكر سار إلى سنجار فحصرها، ونصب عليها المجانيقَ وملَكَها، وسَلَّمَها إلى عماد الدين ابن أخيه قطب الدين، وكان قد جاءته كتُبُ الأمراء الذين بالموصل سرًّا، يبذلون له الطاعةَ، ويَحُثونه على الوصول إليهم، فسار إلى الموصل، وكان سيفُ الدين غازي وفخر الدين قد سيَّرا عز الدين مسعود بن قطب الدين إلى أتابك شمس الدين إيلدكز، صاحب همذان وبلد الجبل، وأذربيجان، وأصفهان، والري وتلك البلاد، يستنجده على عمه نور الدين محمود، فأرسل إيلدكز رسولًا إلى نور الدين ينهاه عن التعرُّضِ للموصل، ويقول له: إن هذه البلاد للسُّلطان، فلا تقصِدْها، فلم يلتفت إليه، فأقام نور الدين على الموصِل، فعزم مَن بها من الأمراء على مجاهرةِ فخر الدين عبد المسيح بالعِصيان، وتسليم البلد إلى نور الدين، فعلم ذلك، فأرسل فخر الدين إلى نور الدين بتسليمِ البلَدِ إليه على أن يُقِرَّه بيد سيف الدين، ويطلُب لنفسه الأمان ولماله، فأجابه إلى ذلك، وشرطَ أنَّ فخر الدين يأخذُه معه إلى الشام، ويعطيه عنده إقطاعًا يُرضيه، فتسَلَّم البلد ثالث عشر جمادى الأولى، ودخل القلعةَ من باب السر؛ لأنه لما بلغه عصيان عبد المسيح عليه، حلف ألَّا يدخلها إلا من أحصن موضع فيها، ولَمَّا ملكها أطلقَ ما بها من المكوس وغيرها من أبواب المظالمِ، وكذلك فعل بنصيبين وسنجار والخابور، وهكذا كان جميعُ بلاده من الشام ومصر، واستناب في قلعة الموصل خصيًّا له اسمه كمشتكين، ولقَّبَه سعد الدين، وأمر سيف الدين ألَّا ينفرد عنه بقليل من الأمور ولا بكثير، وحَكَّمَه في البلاد وأقطع مدينة سنجار لعماد الدين بن أخيه قطب الدين، وكان مقام نور الدين بالموصل أربعة وعشرين يومًا، واستصحب معه فخر الدين عبد المسيح، وغيَّرَ اسمه فسماه عبد الله، وأقطعه إقطاعًا كبيرًا.

#2128
العام الهجري :566الشهر القمري : ربيع الآخرالعام الميلادي :1171

وفاة الخليفة العباسي المستنجد بالله وخلافة ابنه المستضيء بأمر الله .

هو الخليفةُ، المستنجد بالله، أبو المظفر يوسف بن المقتفي لأمر الله محمد بن المستظهر بن المقتدي العباسي. أمُّه كرجية اسمُها طاووس. عقد له أبوه بولاية العهد في سنة سبع وأربعين، وعمره يومئذ تسع وعشرون سنة. فلما احتُضِر المقتفي، رام طائفة عزل المستنجد، وبعثت حَظِيَّة المقتفي أم علي إلى الأمراء تعدهم وتمنيهم؛ ليبايعوا ابنَها علي بن المقتفي. قالوا: كيف هذا مع وجود ولي العهدِ يوسف؟ فقالت أنا أكفيكموه، فدبرت مؤامرة للتخلص من يوسف الذي اكتشف الأمر فاعتقلها وابنها علي، وثَبَت الأمرُ له، وتلقب بالمستنجد بالله. كان يقولُ الشعر، ونقش على خاتمه: من أحَبَّ نفسه عَمِلَ لها. كانت خلافته إحدى عشرة سنة وشهرًا وستة أيام، وصُلِّي عليه يوم الأحد قبل الظهر، ودُفن بدار الخلافة، ثمَّ نُقِل إلى التربة من الرصافة، وكان سببُ موته أنه مرض واشتد مرضه، وكان قد خافه أستاذ الدار عضد الدين أبو الفرج بن رئيس الرؤساء، وقطب الدين قايماز المقتفوي، وهو حينئذ أكبَرُ أمير ببغداد، فلما اشتد مرض الخليفة اتفقا، ووضعا الطبيبَ على أن يصِفَ له ما يؤذيه، فوصف له دخولَ الحمام، فامتنع لضَعفِه، ثم إنه دخل وأغلق الباب عليه فمات، وقيل إنَّ الخليفة كتب إلى وزيره مع طبيبه ابن صفية يأمُرُه بالقبض على أستاذ الدار وقطب الدين وصَلْبِهما، فاجتمع ابن صفية بأستاذ الدار، وأعطاه خط الخليفة، فقال له: تعود وتقول إنني أوصلت الخطَّ إلى الوزير، ففعل ذلك، وأحضر أستاذ الدار قطب الدين ويزدن وأخاه تنامش، وعرض الخط عليهم، فاتفقوا على قتل الخليفة، فدخل إليه يزدن وقايماز الحميدي، فحملاه إلى الحمام وهو يستغيث وألقياه، وأغلقا الباب عليه وهو يصيح إلى أن مات، ثم بعد وفاة المستنجد، أحضرَ هو وقطب الدين ابنه أبا محمد الحسن، وبايعاه بالخلافة، ولقباه المستضيء بأمر الله، وشرطا عليه شروطًا: أن يكون عضدُ الدين وزيرًا، وابنُه كمال الدين أستاذ الدار، وقطب الدين أمير العسكر، فأجابهم إلى ذلك، ولم يتول الخلافة من اسمُه الحسنُ إلَّا الحسن بن علي بن أبي طالب، والمستضيء بأمر الله، فبايعه أهلُ بيته البيعةَ الخاصة يوم توفي أبوه، وبايعه الناسُ في الغد في التاج بيعةً عامة، ويُذكَرُ أن الخليفة المستنجد بالله كان من أحسن الخلفاء سيرةً مع الرعية، عادلًا فيهم، كثير الرفق بهم، وأطلق كثيرًا من المكوس، ولم يترك بالعراق منها شيئًا، وكان شديدًا على أهل العيثِ والفسادِ والسعاية بالناس.

#2129
العام الهجري :566الشهر القمري : ربيع الآخرالعام الميلادي :1171

غزو صلاح الدين الأيوبي بلاد الفرنج وفتح إيلة .

سار صلاحُ الدين عن مصر إلى بلاد الفرنج، فأغار على أعمال عسقلان والرملة، وهجمَ على ربض غزة فنهَبه، وأتاه ملك الفرنج في قِلَّةٍ مِن العسكر مسرعين لرَدِّه عن البلاد، فقاتلهم وهزمهم، وأفلت ملكُ الفرنج بعد أن أشرف أن يؤخَذَ أسيرًا. عاد صلاحُ الدين إلى مصر، وعَمِلَ مراكب مفصلة، وحملها قطعًا على الجبال في البر، وقصَدَ إيلة، فجمع قطع المراكب وألقاها في البحر، وحصر إيلة برًّا وبحرًا، وفتحها في العشر الأُوَل من ربيع الآخر، واستباح أهلَها وما فيها، وعاد إلى مصر.

#2130
العام الهجري :566الشهر القمري : جمادى الآخرةالعام الميلادي :1171

صلاح الدين الأيوبي يبدأ بإصلاح مصر وإزالة التشيع منها .

كان بمصر دار للشحنة تُسمَّى دار المعونة يُحبَسُ فيها من يريد حبسه، فهدمها صلاح الدين، وبناها مدرسة للشافعية، وأزال ما كان بها من الظُّلم، وبنى دار العدل مدرسة للشافعية أيضًا، وبنى مدرسة أخرى للمالكية، وعزل القضاة المصريين، وكانوا شيعةً، وأقام قاضيًا شافعيًا في مصر، وولَّى قضاء القضاة بها لصدر الدين عبد الملك بن درباس المارداني الشافعي، فاستناب في سائر المعاملات قُضاة شافعية، ومن حينئذ اشتهر مذهبُ الشافعي ومذهب مالك بديار مصر، وتظاهر الناس بهما، واختفى مذهب الشيعة من الإمامية الإسماعيلية. وبطل من حينئذ مجلسُ الدعوة بالجامع الأزهر وغيره، واشترى تقيُّ الدين عمر بن أخي صلاح الدين منازِلَ العز بمصر، وبناها مدرسة للشافعية، كما أبطل صلاحُ الدين الأذان بحيَّ على خير العمل، محمد وعلي خير البشر، فكانت أوَّل وصمة دخلت على الدولة الفاطميَّة، ثم أمر أن يُذكَرَ في الخطبة يوم الجمعة الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان ثم علي، ثم أمر أن يذكر العاضِدُ في الخطبة بكلام يحتمل التلبيسَ على الشيعة، فكان الخطيب يقول: اللهم أصلِحِ العاضد لدينِك، لا غيرُ، ثم أمر صلاح الدين بتغيير شعار الفاطميين، وأبطل ذِكرَ العاضد من الخطبة، وكان الخطيبُ يدعو للإمام أبي محمد، فتخالُه العامة والروافض العاضِدَ، وهو يريد أبا محمد الحسن المستضئ بأمر الله الخليفة العباسي! ثم أعلن بالعزم على إقامة الخطبة العباسيَّة.

#2131
العام الهجري :567العام الميلادي :1171

غضب نور الدين زنكي من صلاح الدين الأيوبي والصلح بينهما .

كان سببُه أن صلاح الدين يوسف بن أيوب سار عن مصر في صفر إلى بلاد الفرنج غازيًا، ونازل حصن الشوبك، وبينه وبين الكرك يوم، وحصره، وضيَّقَ على مَن به من الفرنج، وأدام القتال، وطلبوا الأمانَ واستمهلوه عشرة أيام، فأجابهم إلى ذلك، فلما سمع نور الدين بما فعله صلاح الدين سار عن دمشق قاصدًا بلاد الفرنج؛ ليدخل إليها من جهة أخرى، فقيل لصلاح الدين: إن دخل نور الدين بلاد الفرنج وهم على هذه الحال: أنت من جانب ونور الدين من جانب، مَلَكَها، ومتى زال الفرنجُ عن الطريق وأخذ مُلكَهم لم يبقَ بديار مصر مقامٌ مع نور الدين، وإن جاء نور الدين إليك وأنت هاهنا، فلا بد لك من الاجتماعِ به، وحينئذ يكون هو المتحَكِّم فيك بما شاء، إن شاء تركك وإن شاء عزلك، فقد لا تقدِرُ على الامتناع عليه؛ والمصلحة الرجوع إلى مصر، فرحل عن الشوبك عائدًا إلى مصر، ولم يأخُذْه من الفرنج، وكتب إلى نور الدين يعتذر باختلال الديار المصرية لأمور بلغته عن بعض شيعته العَلَويين، وأنهم عازمون على الوثوبِ بها، وأطال الاعتذار، فلم يقبلها نور الدين منه، وتغيَّرَ عليه وعزم على الدخول إلى مصر وإخراجه عنها، وظهر ذلك فسَمِعَ صلاح الدين الخبر، فجمع أهله، وفيهم أبوه نجم الدين أيوب، وخاله شهاب الدين الحارمي، ومعهم سائر الأمراء، وأعلمهم ما بلغه من عزم نور الدين وحركته إليه، واستشارهم فلم يجِبْه أحد بكلمة واحدة، فقام تقي الدين عمر بن أخي صلاح الدين، فقال: إذا جاءنا قاتلناه، ومنعناه عن البلاد، ووافقه غيره من أهلهم، فشتم نجم الدين أيوب، وأنكر ذلك، واستعظمه، وشتَمَ تقيَّ الدين وأقعده، وقال لصلاح الدين: أنا أبوك، وهذا خالك شهاب الدين، ونحن أكثَرُ محبة لك من جميع ما ترى، وواللهِ لو رأيت أنا وخالك هذا نورَ الدين، لم يمكِنَّا إلا أن نقَبِّلَ الأرض بين يديه، ولو أمَرَنا أن نضرب عنقك بالسيف لفعَلْنا، فإذا كنا نحن هكذا، فما ظنُّك بغيرنا؟ وكل من تراه عندك من الأمراء لو رأوا نور الدين وحْدَه لم يتجاسَروا على الثبات على سروجِهم، وهذه البلاد له، ونحنُ مماليكه ونوَّابُه بها، فإن أراد عزلَك سَمِعْنا وأطعنا؛ والرأيُ أن تكتب كتابًا تقول فيه: بلغني بأنك تريد الحركةَ لأجل البلاد، فأيُّ حاجة إلى هذا؟ يرسل المولى نجابًا يضع في رقبتي مِنديلًا ويأخُذُني إليك، وما هاهنا من يمنَعُ عليك! وأقام الأمراء وغيرهم وتفَرَّقوا على هذا، ففعل صلاح الدين ما أشار به، فترك نور الدين قَصْدَه واشتغل بغيره، فكان الأمرُ كما ظنه أيوب، فتوفِّيَ نور الدين ولم يقصدْه، وملك صلاح الدين البلاد، وكان هذا من أحسَنِ الآراء وأجوَدِها.

#2132
العام الهجري :567العام الميلادي :1171

قطع صلاح الدين الأيوبي الخُطبة للفاطميين والدُّعاء للعباسيين .

قام صلاح الدين الأيوبي بقَطعِ الخُطبة للحاكم الفاطمي بمصر، والدُّعاء للخليفة العباسي "المستضيء" على منابر مصر، معلنًا بذلك نهاية الدولة الفاطمية، ومُعَبِّرًا عن طاعته وولائه للخليفة العباسي.

#2133
العام الهجري :567العام الميلادي :1171

صلاح الدين الأيوبي يؤسس دولة الأيوبيين ويقضي على العبيديين .

لما مات العاضد غَسَّله ابنه داود وصلى عليه، وجلس على الشدَّة، واستدعى صلاح الدين ليبايعَه، فامتنع، وبعث إليه: أنا نائبٌ عن أبيك في الحُكم ولم يوصِ بأنَّك وليُّ عهده، وقبَضَ عليه وعلى بقيَّةِ أولاد العاضد وأقاربه، ونقله هو وجميع أقاربه وأهله إلى دار المظفر من حارة برجوان، ووكل عليهم وعلى جميع ذخائر القصر، وفَرَّق بين الرجال والنساء حتى لا يحصُلَ منهم نسل. وأُغلِقَت القصور وتُمُلِّكَت الأملاك التي كانت لهم، وضُرِبَت الألواح على رِباعِهم، وفُرِّقَت على خواص صلاح الدين كثيرٌ منها وبِيعَ بَعضُها. وأعطى القصر الكبير لأمرائه فسكنوا فيه. وأسكن أباه نجم الدين أيوب في اللؤلؤة على الخليج، وصار كل من استحسن من الغز الأتراك (التركمان)  دارًا أخرج صاحِبَها منها وسكَنَها، ونُقلوا إلى قلعة الجبل، وهم ثلاثة وستون نفرًا، فمات منهم إلى ربيع الأول سنة أربع وعشرين وستمائة ثلاثة وعشرون. وتولى وضع القيود في أرجلهم الأمير فخر الدين الطبنا أبو شعرة بن الدويك والي القاهرة.

#2134
العام الهجري :567الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :1171

وفاة العاضد بالله آخر حكام العبيديين الفاطميين بمصر .

هو صاحِبُ مصرَ العاضد لدين الله خاتم الدولة العُبيدية: أبو محمد عبد الله بن الأمير يوسف بن الحافظ لدين الله عبد المجيد بن محمد بن المستنصر، العبيدي الحاكمي المصري الإسماعيلي المُدَّعي هو وأجدادُه أنهم فاطميون. ولد سنة 546. وليَ الحُكمَ بعد وفاة ابن عمه الفائز، وكان أبوه يوسف أحد الأخوين اللذين قتلهما عباس بعد الظافر، واستقر الأمر للعاضد اسمًا، والصالحُ بن رزيك الرافضي كان المتحكِّمَ في الحكم. كان العاضِدُ مليح النظم، قويَّ الرفض، يناظر على الإمامة والقَدَر, وكان سبَّابًا خبيثًا متخلِّفًا شديدَ التشيُّع، متغاليًا في سبِّ الصحابة- رضوانُ الله عليهم أجمعين- وإذا رأى سنيًّا استحل دمه، وسار وزيره الصالح بن رزيك في أيامه سيرةً مذمومة؛ فإنه احتكر الغَلَّات، فارتفع سعرها، وقتل أمراء الدولة خَشيةً منهم، وأضعف أحوالَ الدولة المصرية، فقتَلَ مُقاتِلَتَها، وأفنى ذوي الآراء والحزم منها، وكان كثيرَ التطلع إلى ما في أيدي الناس من الأموال، وصادرَ أقوامًا ليس بينه وبينهم تعلُّق، وفي أيام العاضد ورد أبو عبد الله الحسين بن نزار بن المستنصر من المغرب ومعه عساكر وحشود، فلما قارب بلاد مصر غدرَ به أصحابه وقبضوه وحملوه إلى العاضِدِ، فقتله صبرًا، ووزَرَ للعاضد بعد رزيك بن الصالح, الملك أبو شجاع شاوِر السعدي وهو سُنِّي، ثم استوزر له أسد الدين شيركوه عم صلاح الدين الأيوبي، فلم تطُل أيامه، ومات بالخانوق بعد شهرين وأيام, وقام بعده صلاح الدين الأيوبي الذي شرعَ يَطلُبُ مِن العاضد أشياءَ مِن الخيل والرَّقيقِ والمال ليزيد بذلك مِن ضَعفِه, ثم قبض عليه صلاحُ الدين فحبَسَه في قصره مُضَيِّقًا عليه، لا يعلم كثيرًا مما يجري في دولته، وكان صلاح الدين قد استفتى الفقهاء في قَتلِ العاضد، فأفتوه بجواز ذلك؛ لِما كان عليه العاضِدُ وأشياعه من انحلال العقيدة وفساد الاعتقاد، وكثرة الوقوع في الصحابة والاستهتار بذلك. فقطعَ الخطبة للعاضد، وخطب للخليفة العباسي المستضيء بالله في أول جمعة من المحرم، وتسلَّمَ صلاح الدين القصرَ بما حوى من النفائس والأموال، وقبض أيضًا على أولاد العاضد وآله، فسجنَهم في بيت من القصر، وقمع غلمانهم وأنصارهم، وعفى آثارَهم. هلك العاضد يوم عاشوراء غَمًّا لَمَّا سمع بقطع خطبته وإقامة الدعوة للمستضيء. وقيل: سُقِيَ سمًّا. قال ابن خلكان: "من عجيب الاتفاق أنَّ العاضد في اللغة القاطِع، يقال: عضدتُ الشيءَ فأنا عاضدٌ له، إذا قطعته، فكأنه عاضدٌ لدولتِهم، وكذا كان؛ لأنَّه قطَعَها". قال الذهبي: "تلاشى أمرُ العاضد مع صلاح الدين إلى أن خلعه، وخطبَ لبني العباس، واستأصل شأفةَ بني عُبَيد، ومحقَ دولةَ الرفض, وكانوا أربعة عشر متخَلِّفًا لا خليفة، والعاضِدُ في اللغة أيضًا القاطع، فكان هذا عاضدًا لدولة أهلِ بيته". وبهلاك العاضد انتهت دولة الفاطميين، وكانت جميع مدة ملكهم من حين ظهر المهدي بسجلماسة في ذي الحجة من سنة 299 إلى أن هلك العاضد 272 سنة وشهر تقريبًا.

#2135
العام الهجري :568العام الميلادي :1172

وفاة السلطان علاء الدين خوارزم شاه تكش .

هو السلطانُ علاءُ الدين خوارزم شاه تكش بن الملك أرسلان شاه بن أطسز، وقيل: هو من ولد طاهر بن الحسين, كان ملكًا مشهورًا، عنده آدابٌ وفضائلُ، ومعرفةٌ بمذهبِ أبي حنيفة، وبنى مدرسةً بخوارزم للحنفيَّةِ، وكان شُجاعًا جوادًا، ملَكَ الدنيا من السِّندِ والهندِ وما وراء النهرِ إلى خراسانَ إلى بغدادَ؛ فإنَّه كان نوَّابُه في حلوان. وكان في ديوانه مائةُ ألف مقاتل، وهو الذي كسر مملوكُه عسكرَ الخليفةِ وأزال دولةَ بني سلجوق، وكان حاذقًا بعلمِ الموسيقى، لم يكن أحدٌ ألعبَ منه بالعودِ. قيل: إنَّ الباطنيَّةَ جهزوا عليه من يقتُلُه، وكان يحترسُ كثيرًا، فجلس ليلةً يلعبُ بالعود، فاتفق أنه غنى بيتًا بالعجمي معناه: قد أبصرتك، وفهمه الباطني، فخاف وارتعد فهرب، فأخذوه وحمل إليه، فقرره فاعترف فقتله. وكان يباشر الحروب بنفسِه، وذهبت عينه في القتال. وكان قد عزم على قصد بغداد، وحشد فوصل إلى دهستان فتوفي بها في رمضان، وحمل إلى خوارزم، ودفن عند أهلِه، وقام بعده ولده خوارزم شاه محمد، ولُقِّب علاء الدين بلقبه, وقيل: حصل له خوانيق فأشير عليه بترك الحركة، فامتنع وسار، فاشتدَّ مرضُه ومات.

#2136
العام الهجري :568العام الميلادي :1172

وصول الترك إلى إفريقية وملكهم طرابلس وغيرها .

سارت طائفةٌ مِن الترك من ديارِ مِصرَ مع قراقوش مملوكِ تقي الدين عمر بن أخي صلاح الدين يوسف بن أيوب، إلى جبال نفوسة، واجتمع بمسعود بن زمام المعروف بمسعود البلاط، وهو من أعيان العرب هناك، وكان خارجًا عن طاعة عبدِ المؤمن وأولاده، فاتفقا، وكثُرَ جمعهما، ونزلا على طرابلس الغرب فحاصراها وضَيَّقا على أهلها، ثم فُتِحَت فاستولى قراقوش، وأسكن أهلَه قصرها، وملك كثيرًا من بلاد إفريقية ما خلا المهدية وصفاقس وقفصة وتونس وما والاها من القرى والمواضع، وصار مع قراقوش عسكرٌ كثير، فحكَمَ على تلك البلاد بمساعدة العربِ بما جُبِلَت عليه من التخريبِ والنهب، والإفساد بقطع الأشجار والثمار، وغير ذلك، فجمع بها أموالًا عظيمةً وجعلها بمدينة قابس، وقَوِيَت نفسه وحَدَّثَته بالاستيلاء على جميع إفريقية؛ لبعد أبي يعقوب بن عبد المؤمن صاحِبِها عنها.

176 177 178 179 180
#

نَبْع

أصل صافٍ للمعرفة الشرعية

للمزيد قم بزيارة موقعنا

nabe.vercel.app