نَبع

الأحداث التاريخية

رحلة عبر الزمن في تاريخنا الإسلامي العريق

#1945
العام الهجري :531الشهر القمري : ذي القعدةالعام الميلادي :1137

قصد ملك الروم الشام وأخذه بلادًا كثيرة من الفرنج .

أرسل الفِرنجُ إلى مَلِك القُسطنطينيَّة يَستَصرِخونَ به ويَعرِفونَه ما فعَلَه زنكي فيهم، ويَحثُّونَه على لحاقِ البِلادِ قبل أن تُملَك، ولا يَنفَعُه حينئذٍ المجيءُ، فتجَهَّزَ وسار مُجِدًّا فابتدأ ورَكِبَ البَحرَ وسار إلى مدينةِ أنطاكيا، وهي له على ساحِلِ البحر، فأرسى فيها، وأقام ينتَظِرُ وُصولَ المراكِبِ التي فيها أثقالُه وسِلاحُه، فلمَّا وَصَلت سار عنها إلى مدينةِ نيقية وحصَرَها، فصالحه أهلُها على مالٍ يُؤدُّونَه إليه، وقيل: بل ملَكَها وسار عنها إلى مدينةِ أدنة ومدينة المصيصة، وهما بيدِ ابنِ ليون الأرمني، صاحِبِ قلاع ِالدُّروبِ، فحَصَرهما ومَلَكَهما، ورحلَ إلى عين زربة فمَلَكها عَنوةً، ومَلَك تل حمدون، وحمَلَ أهلَه إلى جزيرةِ قبرص، وعبَرَ ميناء الإسكندرونة ثمَّ خرج إلى الشامِ فحصَرَ مدينة أنطاكية، وضَيَّقَ على أهلها، وبها صاحِبُها الفرنجيُّ ريمند، فتردَّدَت الرسُلُ بينهما، فتصالحَا ورحَلَ عنها إلى بغراص، ودخل منها بلدَ ابن ليون الأرمني، فبذل له ابنُ ليون أموالًا كثيرةً ودخل في طاعتِه.

#1946
العام الهجري :532العام الميلادي :1137

عماد الدين زنكي ينجد أهل حلب من عدوان ملك الروم .

لَمَّا استنجَدَ أهلُ حَلَب بعماد الدين زنكي فارق حمصَ وسار إلى سِلميَّة فنازلها، وعبَرَ الفُراتَ إلى الرقَّة، وأقام جريدة- الجريدة خَيْلٌ لا رَجَّالةَ فيها- لَيتبَعَ الرُّومَ ويَقطَعَ عنهم الميرةَ، وأمَّا الرومُ فإنَّهم قَصَدوا قلعةَ شيزر؛ فإنَّها من أمنَعِ الحُصونِ، وإنَّما قَصَدوها لأنَّها لم تكُنْ لزنكي، فلا يكونُ له في حِفظِها الاهتمامُ العظيمُ، وإنَّما كانت للأميرِ أبي العساكِرِ سُلطانِ بنِ عليِّ بنِ مقلد بن نصر بن منقذ الكناني، فنازلوها وحَصَروها، ونَصَبوا عليها ثمانيةَ عشَرَ مَنجنيقًا، فأرسل صاحِبُها إلى زنكي يستنجِدُه، فسار إليه فنزل على نَهرِ العاصي بالقُربِ منها، بينها وبين حَماة، ثمَّ إنَّه أرسل إلى مَلِك الرُّومِ يقولُ له: إنَّكم قد تحصَّنتُم مني بهذه الجِبالِ، فانزِلوا منها إلى الصَّحراءِ حتى نلتقيَ، فإنْ ظَفِرْتُ بكم أرحَتُ المُسلمينَ منكم، وإن ظَفِرتُم استرحتُم وأخذتُم شيزر وغيرها. ولم يكُنْ له بهم قُوَّةٌ وإنَّما كان يُرهِبُهم بهذا القَولِ وأشباهِه، فأشار فرنجُ الشَّامِ على مَلِكِ الرُّومِ بمُصافَّتِه، وهَوَّنوا أمْرَه عليه، فلم يفعَلْ، وكان زنكي يُرسِلُ أيضًا إلى مَلِكِ الرُّومِ يُوهِمُه بأنَّ فِرنجَ الشَّامِ خائِفونَ منه، فلو فارق مكانَه لتخَلَّوا عنه، ويُرسِلُ إلى فِرنجِ الشَّامِ يُخَوِّفُهم مِن مَلِك الرُّومِ ويَقولُ لهم: إنْ مَلَكَ بالشَّامِ حِصنًا واحِدًا مَلَك بلادَكم جميعًا؛ فاستشعر كُلٌّ مِن صاحِبِه، فرحل مَلِكُ الروم عنها في رمضانَ، وكان مُقامُه عليها أربعةً وعِشرينَ يومًا، وتَرَك المجانيقَ وآلاتِ الحِصارِ بحالِها، فسار أتابك زنكي يَتبَعُ ساقةَ العسكَرِ، فظَفِرَ بكَثيرٍ ممَّن تخَلَّف منهم، وأخذ جميعَ ما تَرَكوه.

#1947
العام الهجري :532العام الميلادي :1137

انهيار دولة السلاجقة على أيدي الأتابك .

الأتابِكةُ جَمعُ أتابك، وهي كَلِمةٌ مُرَكَّبةٌ مِن لفظينِ تُركيِّينِ «أتا» أي: الأبُ، أو المُرَبِّي، و«بِك» أي: الأمير، فيكون معنى الكلمة «مربي الأمير» ثم صارت مع الأيام تُستعمَلُ لدَلالاتٍ أخرى، بينها: المَلِك، والوزير الكبير، والأُمَراء البارزون الذين يَمُتُّون بصلةِ القَرابةِ إلى السلاجقةِ والأُمراء الأقوياء. كذلك أُطلِقَت في عهد المماليك على من تُعهَدُ إليه إمارةُ العَسكَرِ، ومنه شاع لَقَبُ «أتابِك العسكر». وأوَّلُ مَن لُقِّبَ بهذا اللَّقَبِ نِظامُ الملك وزيرُ السُّلطان ملك شاه السلجوقي، حين فُوِّضَ إليه تدبيرُ المملكةِ سنة 465 فإذا ولَّى السُّلطانُ أحدَ أبنائه حُكْمَ مدينةٍ أو ولاية، أرسَلَ معه أتابِكَه ليكونَ عَونًا له في الحُكمِ. وكثيرًا ما كان الأتابكُ ينزِعُ إلى استِغلالِ نُفوذِه والتسَلُّط على الأمير، وقد استفاد هؤلاء الأتابكةُ مِن ضَعفِ الدَّولةِ وتنازُعِ أبناءِ الأُسرة السلجوقيَّة؛ للاستِئثارِ بالسَّلطَنةِ فعَمِلوا من أجلِ الانفِرادِ بالمناطِقِ التي تحت حُكمِهم، والتوسُّع والسَّيطرة على الأراضي المُجاورة، كما أنَّهم عَمِلوا على توريثِ هذه المناطِقِ لأبنائِهم، فنَشَأت ضِمنَ السَّلطنةِ السلجوقيَّة دُوَيلاتٌ كثيرةٌ مُتَناثِرةٌ عُرِفَت باسمِ دُوَل الأَتابكةِ، وأخذَ نُفوذُها بالازديادِ. وكان الأتابِكةُ يَستَغِلُّونَ نُفوذَهم بين الحينِ والآخَرِ في تحريضِ أفراد البيتِ السُّلجوقي، وإِطماعِهم بالسُّلطةِ. كان الأتابكةُ حتى عَهدِ السُّلطانِ مسعود بنِ مُحمَّد 527-547 يستَتِرونَ وراء السَّلاطين، وبعد وفاتِه أخَذَ نَجمُ هؤلاء الأتابِكةِ بالصُّعودِ، وسَيطَروا على مقاليدِ الأمورِ، وصار سلاطينُ السَّلاجقة أدواتٍ في أيديهم يأتَمِرونَ بأوامِرِهم ويُنَفِّذونَ رَغَباتِهم. وفي الوَقتِ ذاتِه كانت الأتابكيَّات تتنافَسُ فيما بينها وتتصارَعُ؛ مِمَّا مَهَّد السَّبيلَ للمَغولِ لاجتياحِ أقاليمِ بلادِ ما وراءَ النَّهرِ وفارس والعراق وأذربيجان وغيرِها.

#1948
العام الهجري :532الشهر القمري : محرمالعام الميلادي :1137

عماد الدين زنكي يضم حمص وغيرها لحكمه .

وصل زنكي حَماة وسار منها إلى بقاعِ بعلبك، فمَلَك حِصنَ المجدل، وكان لصاحِبِ دمشق، وراسله مُستحفِظُ بانياس وأطاعه، وسارَ إلى حمص وحصَرَها. ثمَّ رحَلَ عنها إلى سلميَّة؛ بسبَبِ نُزولِ الرومِ على حلَب، ثمَّ عاد إلى مُنازلةِ حمص فسُلِّمَت إليه المدينةُ والقَلعةُ.

#1949
العام الهجري :532الشهر القمري : صفرالعام الميلادي :1137

حدوث زلزلة عظيمة بالشام والجزيرة وديار بكر وغيرها .

وقَعَت زلزلةٌ عَظيمةٌ بالشَّامِ والجزيرةِ وديارِ بَكرٍ والمَوصِل والعراقِ وغيرها مِن البلادِ، فخَرَّبَت كثيرًا منها، وهَلَك تحت الهَدمِ عالمٌ كثيرٌ.

#1950
العام الهجري :532الشهر القمري : صفرالعام الميلادي :1137

الحرب بين السُّلطان مسعود والملك داود ومن معه من الأمراء .

فارق الرَّاشِدُ باللهِ الخليفةَ المخلوعَ أتابك زنكي من الموصِل وسارَ نحو أذربيجان، فوصَلَ مراغةَ، وكان الأميرُ منكبرس صاحِبُ فارس، ونائبُه بخوزستان الأميرُ بوزابة، والأميرُ عبدُ الرَّحمنِ طغايرك صاحِبُ خلخال، والمَلِكُ داود بن السُّلطان محمود؛ مُستشعرينَ مِن السُّلطانِ مَسعود، خائفينَ منه، فتجَمَّعوا ووافَقوا الرَّاشِدَ على الاجتِماعِ معهم؛ لتَكونَ أيديهم واحدةً، ويَرُدُّوه إلى الخِلافةِ، فأجابهم إلى ذلك إلَّا أنَّه لم يجتَمِعْ معهم، ووصل الخبَرُ إلى السُّلطانِ مَسعود وهو ببغدادَ باجتماعِهم، فسار عنها في شعبانَ نَحوَهم، فالتَقَوا ببنجن كشت، فاقتتلوا، فهزمهم السُّلطانُ مسعود، وأخذ الأميرَ منكبرس أسيرًا فقُتِلَ بين يديه صَبرًا، وتفَرَّقَ عَسكَرُ مسعود في النَّهبِ واتِّباع المنهزمين، وكان بوزابة وعبدُ الرحمن طغايرك على أرضٍ مُرتفعةٍ فرأيا السُّلطانَ مسعودًا وقد تفَرَّقَ عَسكَرُه عنه، فحَمَلا عليه وهو في قِلَّةٍ فلم يَثبُت لهما وانهزَم، وقَبَض بوزابة على جماعةٍ مِن الأمراء: منهم صَدَقةُ بنُ دبيس صاحِبُ الحلة، ومنهم ولد أتابك قراسنقر صاحِبُ أذربيجان، وعنتر بن أبي العَسكَر وغيرُهم، وتَرَكَهم عنده. فلما بلغه قتلُ صاحبه منكبرس قتلهم جميعًا وصار العَسكران مهزومَينِ، وقصد السُّلطانُ مسعود أذربيجان، وقصد المَلِكُ داود همذان، ووصل إليها الرَّاشِدُ بعد الوقعةِ، فاختَلَفت آراءُ الجماعة، فبَعضُهم أشار بقَصدِ العِراقِ والتغَلُّب عليه، وبعضُهم أشار باتِّباعِ السُّلطانِ مَسعود للفراغِ منه؛ فإنَّ ما بعده يَهونُ عليهم. وكان بوزابة أكبَرَ الجماعةِ فلم يَرَ ذلك، وكان غرَضُه المسيرَ إلى بلادِ فارِسَ وأخْذِها بعد قَتلِ صاحِبِها منكبرس قبل أن يمَتِنَع مَن بها عليه، وسار بوزابة إليها فمَلَكها، وصارت له مع خوزستان، وسار سلجوق شاه بن السُّلطانِ محمَّد إلى بغداد ليملِكَها، فخرج إليه البقش الشحنة بها: ونظر الخادم أمير الحاجِّ وقاتلوه ومَنَعوه، وكان عاجزًا مُستضعَفًا، ولَمَّا قُتِلَ صَدَقة بن دبيس أقَرَّ السُّلطان مسعود الحلةَ على أخيه محمَّد بن دبيس وجعَلَ معه مهلهل بن أبي العسكر أخا عنتر المقتول يدَبِّرُ أمرَه.

#1951
العام الهجري :532الشهر القمري : رجبالعام الميلادي :1138

تصدي أهل حلب لعدوان ملك الروم على حلب وهزيمته .

لَمَّا انتهى مَلِكُ الرُّومِ مِن احتِلالِ بزاعةَ وغَدْره بأهلِها، ارتحل إلى حلَب ونَزَل على قويق (نهر بحلب) فزحف المَلِكُ بجَيشِه ومعه الفرنجُ الذين بساحل الشام، على حَلَب من الغد في خَيلِهم ورَجِلِهم، فخرج إليهم أحداثُ حَلَب، فقاتلوهم قتالًا شَديدًا، فقُتِلَ مِن الرُّومِ وجُرِحَ خَلقٌ كَثيرٌ، وقُتِلَ بِطْريقٌ جَليلُ القَدرِ عندهم، وعادوا خاسرينَ، وأقاموا ثلاثةَ أيَّامٍ فلم يَرَوا فيها طَمَعًا، فرحلوا إلى قلعةِ الأثارب، فخاف مَن فيها من المُسلِمينَ، فهربوا عنها تاسِعَ شَعبانَ فمَلَكَها الرومُ وتَرَكوا فيها سبايا بزاعة والأسرى ومعهم جمعٌ مِن الروم يَحفَظونَهم ويَحمُونَ القلعةَ وساروا، فلمَّا سَمِعَ الأميرُ أسوار بحَلَب ذلك رحل فيمن عنده من العسكَرِ إلى الأثارب، فأوقع بمَن فيها من الروم، فقتَلَهم، وخَلَّص السَّبيَ والأسرى وعاد إلى حَلَب.

#1952
العام الهجري :532الشهر القمري : رجبالعام الميلادي :1138

وصول ملك الروم إلى الشام .

وصل مَلِكُ الرُّومِ إلى الشَّامِ وخافه النَّاسُ خَوفًا عظيمًا، وقصَدَ بزاعةَ فحَصَرها، وهي مدينةٌ قَريبةٌ مِن حَلَب، فمضى جماعةٌ مِن أعيانِ حَلَب إلى أتابك زنكي وهو يحاصِرُ حمص، فاستغاثوا به واستنصَروه، فسَيَّرَ معهم كثيرًا من العساكِرِ، فدخلوا إلى حَلَب ليَمنَعوها من الرُّومِ إن حَصَروها، ثمَّ إنَّ مَلِكَ الرومِ قاتل بزاعة، ونَصَب عليها منجنيقاتٍ، وضَيَّق على مَن بها فمَلَكَها بالأمانِ في الخامسِ والعشرينَ مِن رَجَب، ثم غدَرَ بأهلِها فقَتَل منهم وأسَرَ وسَبى، وكان عِدَّةُ مَن جُرِحَ فيها مِن أهلِها خَمسةُ آلافٍ وثمانمئة نفسٍ، وتنصَّرَ قاضيها وجماعةٌ مِن أعيانها نحو أربعمئة نفس؛ خوفًا مِن القَتلِ, فلِلَّهِ الأمرُ، وأقام الرومُ بعد مُلكِها عشرةَ أيَّامٍ يتطَلَّبونَ مَن اختَفى، فقيل لهم: إنَّ جَمعًا كثيرًا مِن أهلِ هذه الناحيةِ قد نزلوا إلى المغاراتِ، فدخنوا عليهم، وهَلَكوا في المغاوِرِ، "وبلغ خبَرُ احتلالِ الرومِ بزاعةَ، وقتْلِهم الذكورَ وسبْيِ النِّساءِ والصِّبيان، فاستنفر النَّاسُ السُّلطانَ للدِّفاعِ عن المُسلِمينَ في الشام، ومنعوا الخُطبةَ والخُطَباء ببغداد وقَلَعوا طوابيقَ الجوامِعِ

#1953
العام الهجري :532الشهر القمري : رمضانالعام الميلادي :1138

مقتل الخليفة العباسي الراشد بالله .

هو أميرُ المُؤمِنينَ: أبو جعفر الرَّاشِدُ باللهِ مَنصورُ بنُ المسترشدِ باللهِ الفَضلِ بنِ أحمدَ العباسي، وُلِدَ سنة 502 في رمضان. وقيل: وُلِدَ بلا مَخرجٍ، ففُتِقَ له مخرجٌ بآلةٍ مِن ذهَبٍ، وأمُّه أم ولد. خُطِبَ له بولايةِ العَهدِ سنة 513، واستخلف في ذي القعدة، سنة 529, وكان أبيضَ مليحًا، تامَّ الشَّكلِ، شديدَ الأيدِ. وكان حَسَنَ السِّيرةِ، مُؤثِرًا للعَدلِ، فصيحًا، عَذْبَ العبارةِ، أديبًا شاعرًا جَوادًا، قال أبو طالبٍ بنُ عبد السميع: "مِن كلامِ الرَّاشِدِ: إنَّا نَكرَهُ الفِتَنَ؛ إشفاقًا على الرعيَّة، ونُؤثِرُ العَدلَ والأمْنَ في البَريَّة، ويأبى المَقدور إلَّا تَصَعُّبَ الأمور، واختلاطَ الجمهور، فنسألُ اللهَ العَونَ على لمِّ شَعثِ النَّاس بإطفاءِ ثائرةِ البَاس". وقال أبو الحسن البيهقي: "الراشِدُ باللهِ أعطاه اللهُ مع الخِلافةِ صُورةً يُوسُفيَّة، وسِيرةً عُمَريَّة". خرج الرَّاشِدُ باللهِ إلى همذان، وبها المَلِكُ داود وبوزابة ومَن معهما من الأُمَراءِ والعساكِرِ بعد انهزامِ السُّلطانِ مَسعود وتفَرُّقِ العساكر، وكان بعد خروجِ الرَّاشِدِ مِن بغدادِ مجيءُ السُّلطانِ مَسعود بنِ مُحمَّد بن ملكشاه، فاجتمع بالأعيانِ، وخَلَعوا الرَّاشِدَ، وبايعوا عَمَّه المُقتفيَ. وقيل: "إنَّ السُّلطانَ مَسعودًا أخرج خَطَّ الرَّاشِدِ يقولُ فيه: إنِّي متى عَسكَرْتُ أو خرَجْتُ، انعَزَلتُ" لم تَطُلْ أيَّامُه حتى خرج إلى المَوصِل، ثمَّ إلى أذربيجان، وعاد إلى أصبهان، فأقام على بابِها مع السُّلطان داود، محاصِرًا لها، فقَتَلَتْه الملاحِدةُ هناك، ففي الخامِسِ والعشرون من رمضان وثب عليه نفَرٌ مِن الخراسانيَّة الذين كانوا في خِدمتِه، فقَتَلوه وهو يريدُ القَيلولةَ، وكان في أعقابِ مَرَضٍ قد بَرِئَ منه. ودُفِنَ بظاهرِ أصفهان بشهرستان، فرَكِبَ مَن معه فقَتَلوا الباطنيَّةَ.

#1954
العام الهجري :532الشهر القمري : ذي الحجةالعام الميلادي :1138

حال ابن بكران العيار بالعراق .

عَظُمَ أمرُ ابنِ بَكرانَ العَيَّار بالعراقِ، وكَثُرَ أتباعُه، وصار يَركَبُ ظاهِرًا في جمعٍ من المُفسِدينَ، وخافه الشَّريفُ أبو الكرم الوالي ببغدادَ، فأمر أبا القاسِمِ ابنَ أخيه حاميَ بابِ الأزجِ أن يشتَدَّ عليه ليأمَنَ شَرَّه، وكان ابنُ بكران يُكثِرُ المُقامَ بالسَّوادِ، ومعه رفيقٌ له يُعرَفُ بابن البزاز، فانتهى أمرُهما إلى أنَّهما أرادا أن يضرِبَا باسمِهما سكَّةً في الأنبارِ، فأرسل الشحنةُ والوزيرُ شَرَفُ الدين الزينبي إلى الوالي أبي الكرَمِ وقالا: إمَّا أن تَقتُلَ ابنَ بَكرانَ، وإمَّا أن نَقتُلَك، فأحضَرَ ابن أخيه وعَرَّفَه ما جرى، وقال له: إمَّا أن تختارَني ونَفسَك، وإمَّا أن تختارَ ابنَ بَكرانَ، فقال أنا أقتُلُه، وكان لابنِ بكران عادةٌ يجيءُ في بعضِ اللَّيالي إلى ابنِ أخي أبي الكرمِ، فيُقيمُ في دارِه ويَشرَبُ عنده، فلمَّا جاء على عادَتِه وشَرِبَ، أخذ أبو القاسِمِ سلاحَه ووثَبَ به فقتَلَه وأراح النَّاسَ مِن شَرِّه، ثمَّ أُخِذَ بَعدَه بيَسيرٍ رَفيقَه ابنَ البزازِ وصُلِبَ، وقُتِلَ معه جماعةٌ مِن الحراميَّة، فسَكَن النَّاسُ واطمأنُّوا وهدأت الفِتنةُ.

#1955
العام الهجري :533العام الميلادي :1138

انتصار الموحدين على المرابطين في المغرب .

توجَّه عبدُ المؤمن لِمُلاقاةِ المرابطين، إلى جَبَل كرناطة، فنَزَل في أرضٍ صُلبة، بين شَجَر، ونزل تاشفين بنُ علي قُبالتَه، في الوطأةِ في أرضٍ لا نباتَ فيها، وكان الفَصلُ شاتيًا، فتوالت الأمطارُ أيامًا كثيرةً لا تُقلِعُ، فصارت الأرضُ التي فيها تاشفين وأصحابُه كثيرةَ الوحل، تسوخُ فيها قوائمُ الخيلِ إلى صُدورِها، ويَعجِزُ الرَّجُلُ عن المشيِ فيها، وتقَطَّعَت الطرقُ عنهم، فأوقدوا رماحَهم، وقرابيسَ سُروجِهم، وهلكوا جوعًا وبردًا وسوءَ حالٍ, وكان عبدُ المؤمن وأصحابُه في أرضٍ خَشنةٍ صُلبةٍ في الجَبَل، لا يبالونَ بشَيءٍ، والميرةُ مُتَّصِلةٌ إليهم، وفي ذلك الوقتِ سَيَّرَ عبدُ المؤمن جيشًا إلى وجرةَ مِن أعمالِ تلمسان، ومُقَدَّمُهم أبو عبد الله محمد بن رقو، فبلغ خبَرُهم إلى محمد بن يحيى بن فانوا، متولِّي تلمسان، فخرج في جيشٍ مِن الملثمين، فالتَقَوا بموضعٍ يُعرَفُ بخندق الخمر، فهَزَمَهم جيشُ عبد المؤمن، وقُتِلَ مُحمَّدُ بنُ يحيى وكثيرٌ من أصحابه، وغَنِموا ما معهم ورَجَعوا، فتوجَّهَ عبدُ المؤمن بجَميعِ جَيشِه إلى غمارة، فأطاعوه قبيلةً بعد قبيلةٍ، وأقام عندهم مُدَّةً. وما بَرِحَ يمشي في الجِبالِ، وتاشفين يُحاذيه في الصَّحاري، فلم يَزَل عبدُ المؤمن كذلك إلى سنةِ خَمس وثلاثين، فتوفِّيَ أميرُ المُسلِمينَ عليُّ بنُ يوسُفَ بمراكش ومَلَك بعدَه ابنُه تاشفين، فقَوِيَ طَمَعُ عبد المؤمن في البلاد، إلَّا أنَّه لم يَنزِل الصَّحراءَ.

#1956
العام الهجري :533العام الميلادي :1138

استيلاء قراسنقر صاحِبُ أذربيجان على بلاد فارس .

جمَعَ أتابك قراسنقر صاحِبُ أذربيجان عساكِرَ كثيرةً وحَشَد، وسار طالبًا بثأرِ أبيه الذي قتَلَه بوزابة, فلمَّا قارب السُّلطانَ مَسعودًا أرسل إليه يطلُبُ منه قَتْلَ وزيرِه الكمال، فقَتَله، فلمَّا قُتِلَ سار قراسنقر إلى بلاد فارس، فلما قارَبَها تحصَّنَ بوزابة منه في القلعةِ البيضاء، ووطئ قراسنقر البلادَ، وتصَرَّفَ فيها، وليس له فيها دافِعٌ ولا مانِعٌ إلَّا أنَّه لم يُمكِنْه المُقامُ، ومَلَك المُدنَ التي في فارس، فسَلَّم البلادَ إلى سلجوق شاه بن السُّلطانِ محمود، وقال له: هذه البلادُ لك فاملك الباقي؛ وعاد إلى أذربيجان فنزل حينئذٍ بوزابة من القلعةِ سنةَ أربع وثلاثين، وهزم سلجوق شاه ومَلَك البلادَ، وأسَرَ سلجوق شاه وسجَنَه في قلعةٍ بفارس.

161 162 163 164 165
#

نَبْع

أصل صافٍ للمعرفة الشرعية

للمزيد قم بزيارة موقعنا

nabe.vercel.app