نَبع

الأحداث التاريخية

رحلة عبر الزمن في تاريخنا الإسلامي العريق

#1621
العام الهجري :462العام الميلادي :1069

نِهايةُ الدَّولةِ الجَهْوَرِيَّةِ بِقُرطُبة .

قام يحيى المأمون بن إسماعيل بن ذي النون أَميرُ طُليطلة بالمَسيرِ إلى قُرطُبة للاستِيلاءِ عليها، فاستَنجدَ أَميرُها عبدُالملك بن جَهور بالمُعتَمِد بن عبَّادٍ الذي أَرسلَ إليه جَيشًا للنَّجدَةِ فاحتَلَّ قُرطُبة واعتَقلَ عبدَالملك بن جَهور ووَالِدَهُ وأَخاهُ ونَفاهُم إلى جَزيرةِ شلطيش، ووَلَّى ابنَه سِراجَ الدَّولةِ حاكِمًا على قُرطُبة فأنهى بذلك دَولةَ الجَهوريِّينَ على قُرطُبة التي دامت قَريبًا من خمسٍ وثلاثين سَنةً.

#1622
العام الهجري :463الشهر القمري : ربيع الآخرالعام الميلادي :1071

وَفاةُ ابنِ عبدِ البَرِّ القُرطُبيِّ .

هو الإمامُ، العَلَّامةُ، حافظُ المَغرِب، شيخُ الإسلامِ، أبو عُمرَ يُوسُف بنُ عبدِ الله بن محمدِ بن عبدِ البَرِّ بن عاصمٍ النمريُّ، الأَندَلُسيُّ، القُرطُبيُّ, فَقِيهٌ مالكيٌّ مَشهورٌ، صاحبُ التَّصانيفِ المَلِيحَةِ الهائِلَة، منها ((التمهيد))، و((الاستذكار)) و((الاستيعاب))، وغير ذلك، مِن كِبارِ حُفَّاظِ الحَديثِ، يُقالُ عنه: حافِظُ المَغرِب، وُلِدَ سَنةَ 368هـ. طَلَبَ العِلمَ بعدَ 390هـ وأَدرَكَ الكِبارَ، وطال عُمرُه، وعَلَا سَنَدُه، وتَكاثَر عليه الطَّلَبَةُ، وجَمَعَ وصَنَّفَ، ووَثَّقَ وضَعَّفَ، وسارت بِتَصانيفِه الرُّكبانُ، وخَضَعَ لِعِلمِه عُلماءُ الزَّمانِ، وَفَاتَهُ السَّماعُ مِن أَبيهِ الإمامِ أبي محمدٍ، فإنه ماتَ قديمًا في سَنةِ 380هـ قبل أن يَبدأ ابنُه أبو عُمرَ في الطَّلَبِ، وله رِحلاتٌ طَويلةٌ في طَلَبِ العِلمِ. قال الحُميديُّ: "أبو عُمرَ فَقِيهٌ حافظٌ مُكْثِرٌ، عالِمٌ بالقِراءاتِ وبالخِلافِ، وبِعُلومِ الحَديثِ والرِّجالِ، قَديمُ السَّماعِ، يَميلُ في الفِقْهِ إلى أَقوالِ الشافعيِّ".قال الذهبيُّ: "كان إمامًا دَيِّنًا، ثِقَةً، مُتْقِنًا، عَلَّامةً، مُتَبَحِّرًا، صاحبَ سُنَّةٍ واتِّباعٍ، وكان أَوَّلًا أَثَرِيًّا ظاهِرِيًّا فيما قِيلَ، ثم تَحوَّل مالِكيًّا مع مَيْلٍ بَيِّنٍ إلى فِقهِ الشافعيِّ في مَسائلَ، ولا يُنكَر له ذلك، فإنه ممَّن بَلَغَ رُتبةَ الأئمَّةِ المُجتهِدين، ومَن نَظرَ في مُصنَّفاتِه، بانَ له مَنزِلَتُه مِن سِعَةِ العِلمِ، وقُوَّةِ الفَهمِ، وسَيَلانِ الذِّهنِ, وكان مُوَفَّقًا في التَّأليفِ، مُعانًا عليه، ونَفَعَ الله بِتَواليفِه، وكان مع تَقَدُّمِه في عِلمِ الأَثَرِ وبَصَرِه بالفِقهِ ومعاني الحَديثِ له بَسْطَةٌ كَبيرةٌ في عِلمِ النَّسَبِ والخَبَرِ, وكان حافِظَ المَغربِ في زَمانِه, وذَكَرَ جَماعةٌ أنه وَلِيَ قَضاءَ الأشبونة وشنترين". تُوفِّيَ في شاطبة عن 95 عامًا.

#1623
العام الهجري :463الشهر القمري : جمادى الأولىالعام الميلادي :1071

انتِزاعُ الأَميرِ أتسز الخوارزميِّ الرَّمْلَةَ وبَيتَ المَقْدِس من اتباعِ العُبيديِّين .

قَصَدَ أتسز بن أوق الخوارزميُّ -وهو من أُمراءِ السُّلطانِ ملكشاه السلجوقي- بِلادَ الشامِ، فجَمعَ الأَتراكَ وسار إلى فِلسطين، ففَتحَ مَدينةَ الرَّمْلَةَ، وسار منها إلى بَيتِ المَقدِس وحَصرَه، وفيه عَساكرُ المِصريِّين التابِعينَ للدولةِ الفاطِميَّة، ففَتَحَهُ، ومَلَكَ ما يُجاوِرُهُما من البِلادِ، ما عدا عَسقلان، وقَصَدَ دِمشقَ فحَصرَها، وتابَعَ النَّهْبَ لِأَعمالِها حتى خَرَّبَها، وقَطعَ الميرةَ عنها، فضاقَ الأَمرُ بالناسِ، فصَبَروا، ولم يُمَكِّنُوه مِن مُلْكِ البلدِ، فعاد عنه، وأَدامَ قَصْدَ أَعمالِه وتَخريبها حتى قَلَّتِ الأَقواتُ عندهم.

#1624
العام الهجري :463الشهر القمري : جمادى الأولىالعام الميلادي :1071

استِيلاءُ السُّلطانِ ألب أرسلان على حَلَب .

بَعثَ ناصرُ الدولةِ حُسينُ بن حمدان الفقيه أبا جَعفرٍ محمدَ بن أحمدَ بن البُخاريِّ رَسولًا منه إلى السُّلطانِ ألب أرسلان، مَلِكِ العِراقِ، يَسألهُ أن يُسَيِّرَ إليه العَساكرَ لِيُقيمَ الدَّعوةَ العبَّاسيَّةَ بدِيارِ مصر، وتكون مصر له. فتَجَهَّزَ ألب أرسلان مِن خُراسان في عِساكرَ عَظيمةٍ، وبَعثَ إلى محمودِ بن ثمال بن صالحِ بن مرداس، صاحبِ حَلَب، أن يَقطعَ دَعوةَ المُستَنصِر ويُقيمَ الدَّعوةَ العبَّاسيَّة، فقُطِعَت دَعوةُ المُستَنصِر من حَلَب ولم تَعُد بعدَ ذلك. وانتهى ألب أرسلان إلى حَلَب في جُمادى الأُولى سَنةَ 463هـ وحاصَرَها شَهرًا، فخَرجَ إليه صاحبُها محمودُ بن ثمال بن صالحِ بن مرداس، فأَكرَمه وأَقَرَّهُ على وِلايَتِه. وأَخذَ يُريدُ المَسيرَ إلى دِمشقَ لِيَمُرَّ منها إلى مصر، وإذا بالخَبَرِ قد طَرَقَهُ أنَّ مُتَمَلِّكَ الرُّومِ قد قَطعَ بِلادَ أرمينية يُريدُ أَخْذَ خُراسان، فشَغَلهُ ذلك عن الشامِ ومصر ورَجعَ إلى بِلادِه؛ فواقَعَ جَمائِعَ الرُّومِ على خلاط وهَزمَهُم. وكان قد تَركَ طائفةً من عَسكرِه الأتراكِ ببلادِ الشامِ فامتَدَّت أَيدِيهم إليها ومَلَكَتْهَا كُلَّها، فخَرجَت عن أَيدِي الفاطِميِّين ولم تَعُد إليهم.

#1625
العام الهجري :463الشهر القمري : رجبالعام الميلادي :1071

وَفاةُ الشاعِرِ ابنِ زَيدونَ الأندَلُسي .

هو الصاحبُ، الوَزيرُ، العَلَّامَةُ، أبو الوَليدِ أحمدُ بن عبدِ الله بن أحمدَ بن غالبِ بن زَيدونَ المَخزُومِيُّ، القُرشيُّ، الأندَلُسيُّ، القُرطُبيُّ، الشاعرُ الماهرُ، حاملُ لِواءِ الشِّعْرِ في عَصرِه. اتَّصلَ بالأَميرِ المُعتَمِدِ بن عبَّادٍ، صاحبِ إشبيلية، فحَظِيَ عنده وصار مُشاوِرًا في مَنزِلَةِ الوَزيرِ، كان بارِعًا أَديبًا شاعرًا مُجيدًا، كان يُشعِر لِنَفسِه لا للتَّكَسُّبِ، أُفْعِمَ بِحُبِّ وَلَّادَة بِنتِ المُستَكْفِي المرواني أَميرِ الأندَلُس، سُجِنَ بِتُهمَةِ مَيْلِه لِبَني أُمَيَّةَ، قال ابنُ بَسَّام: " كان أبو الوَليدِ غايةَ مَنثورٍ ومَنظومٍ، وخاتِمةَ شُعراءِ بني مَخزومٍ، أَحدُ مَن جَرَّ الأيامَ جَرًّا، وفاتَ الأنامَ طُرًّا، وصَرَّفَ السُّلطانَ نَفْعًا وضُرًّا، ووَسَّعَ البيانَ نَظْمًا ونَثْرًا؛ إلى أَدبٍ ليس للبَحرِ تَدَفُّقُهُ، ولا للبَدرِ تَأَلُّقُهُ، وشِعْرٍ ليس للسِّحْرِ بَيانُه، وللنُّجومِ الزُّهْرِ اقتِرانُه. وحَظٍّ مِن النَّثْرِ غَريبِ المَباني، شِعريِّ الألفاظِ والمعاني", وكان من أَبناءِ وُجوهِ الفُقَهاءِ بقُرطُبة، فانتَقلَ منها إلى عند صاحبِ إشبيلية المُعتَضِدِ بن عبَّادٍ، بعد الأربعين وأربع مائة، فجَعَلَهُ مِن خَواصِّه، وبَقِيَ معه في صُورةِ وَزيرٍ. تُوفِّي في إشبيلية ثم نُقِلَ إلى قُرطُبة ودُفِنَ فيها.

#1626
العام الهجري :463الشهر القمري : ذي القعدةالعام الميلادي :1071

مَوقِعةُ ملازكرد بقِيادَةِ السُّلطانِ ألب أرسلان .

في هذه السَّنَةِ خَرجَ أرمانوس مَلِكُ الرُّومِ في مائتي ألفٍ من الرُّومِ، والفِرنجِ، والغَربِ، والرُّوسِ، والبجناك، والكرج، وغَيرِهم، من طوائفِ تلك البِلادِ، فجاءوا في تَجَمُّلٍ كَثيرٍ، وزِيٍّ عَظيمٍ، وقَصدَ بِلادَ الإسلامِ، فوَصلَ إلى ملازكرد من أَعمالِ خلاط. فبَلغَ السُّلطانَ ألب أرسلان الخَبرُ. وهو بمَدينةِ خوي من أذربيجان، قد عاد من حَلَب. وسَمِعَ بكَثرَةِ الجُموعِ التي  مع مَلِكِ الرُّومِ، فلم يَتَمَكَّن من جَمْعِ العَساكرِ لبُعدِها وقُرْبِ العَدُوِّ، فسَيَّرَ الأَثقالَ مع زَوجتِه ونِظامِ المُلْكِ إلى همذان، وسار هو فيمن عنده من العَساكرِ، وهُم خَمسة عشر ألف فارس. وَجَدَّ في السَّيْرِ وقال لهم: إنَّني أُقاتِلُ مُحتَسِبًا صابرًا، فإن سَلِمْتُ فنِعمةٌ مِن الله تعالى، وإن كانت الشهادةُ فإنَّ ابني ملكشاه وَلِيُّ عَهْدِي. وساروا فلمَّا قارَبَ العَدُوَّ جَعلَ له مُقدِّمةً، فصادَفَت مُقدِّمَتُه، عند خلاط، مُقدِّمَ الرُّوسِيَّة في نَحوِ عشرة آلاف من الرُّومِ، فاقتَتَلوا، فانهَزمَت الرُّوسِيَّةُ، وأَسَرَ مُقدِّمَهم، وحُمِلَ إلى السُّلطانِ، فجَدَعَ أَنْفَهُ، وأَنْفَذَ بالسَّلَبِ إلى نِظامِ المُلْكِ، وأَمرَهُ أن يُرسِلَهُ إلى بغداد، فلمَّا تَقارَب العَسكرانِ أَرسلَ السُّلطانُ إلى مَلِكِ الرُّومِ يَطلُب منه المُهادَنة، فقال: لا هُدْنَةَ إلَّا بالرَّيِّ. فانزَعجَ السُّلطانُ لذلك، فقال له إِمامُه وفَقِيهُه أبو نصرٍ محمدُ بن عبدِ المَلِكِ البُخاريُّ، الحَنَفيُّ: إنَّك تُقاتِل عن دِينٍ وَعَدَ الله بِنَصْرِهِ وإِظهارِهِ على سائرِ الأديانِ، وأَرجو أن يكون الله تعالى قد كَتبَ باسمِك هذا الفَتحَ، فالْقِهِم يومَ الجُمعةِ، بعدَ الزَّوالِ، في الساعةِ التي تكون الخُطباءُ على المنابرِ، فإنَّهم يَدعُون للمُجاهِدين بالنَّصرِ، والدُّعاءُ مَقرونٌ بالإجابةِ. فلمَّا كانت تلك الساعةُ صلَّى بهم، وبَكَى السُّلطانُ، فبَكَى الناسُ لِبُكائِه، وَدَعا ودَعَوا معه وقال لهم: مَن أَرادَ الانصرافَ فليَنصَرِف، فما هاهنا سُلطانٌ يأمرُ ويَنهى، وأَلقَى القَوْسَ والنِّشابَ، وأَخذَ السَّيفَ والدَّبُّوسَ – الدَّبُّوس آلة من آلاتِ الحَربِ تُشبِه الإِبْرَة-، وعَقَدَ ذَنَبَ فَرَسِه بِيَدِه، وفَعلَ عَسكرُه مِثلَه، ولَبِسَ البَياضَ وتَحَنَّطَ، وقال: إن قُتِلتُ فهذا كَفَني. وزَحَفَ إلى الرُّومِ وزَحَفوا إليه، فلمَّا قارَبَهم نَزلَ السُّلطانُ عن فَرَسِه وسَجَدَ لله عزَّ وجلَّ، ومَرَّغَ وَجهَه في التُّرابِ وَدَعا الله واستَنصَرَهُ، فأَنزلَ الله نَصرَهُ على المُسلمينَ، ومَنَحَهم أَكتافَهم فقَتَلوا منهم خَلْقًا كَثيرًا، وأُسِرَ مَلِكُهم أرمانوس، أَسَرَهُ غُلامٌ رُومِيٌّ، فلمَّا أُوقِفَ بين يدي المَلِكِ ألب أرسلان ضَرَبَهُ بِيَدِه ثلاثَ مَقارِع وقال: لو كنتُ أنا الأَسيرَ بين يَديكَ ما كنتَ تفعل؟ قال: كلَّ قَبيحٍ. قال: فما ظَنُّكَ بي؟ فقال: إمَّا أن تقتل تَقتُلَني وتُشْهِرَني في بِلادِك، وإمَّا أن تَعفُو وتَأخُذ الفِداءَ وتُعيدَني. قال: ما عَزمتُ على غَيرِ العَفوِ والفِداءِ. فافتَدَى نَفسَه منه بألف ألف دِينارٍ وخمسمائة ألف دينار، فلما انتهى إلى بِلادِه وَجدَ الرُّومَ قد مَلَّكوا عليهم غَيرَه، فأَرسلَ إلى السُّلطانِ يَعتَذِر إليه، وبَعثَ من الذَّهبِ والجَواهِر ما يُقارِب ثلاثمائة ألف دينار، وتَزَهَّدَ ولَبِسَ الصُّوفَ ثم استغاث بملك الأرمن فأَخذَه وكحله وأَرسلَه إلى السُّلطانِ يَتَقَرَّبُ إليه بذلك.

#1627
العام الهجري :463الشهر القمري : ذي الحجةالعام الميلادي :1071

وَفاةُ الخَطيبِ البَغداديِّ صاحبِ تاريخِ بغداد .

هو الحافِظُ أبو بكرٍ أَحمدُ بن عليِّ بن ثابتِ بن أَحمدَ بن مَهدِيٍّ، الخَطيبُ البغداديُّ، أَحدُ الحُفَّاظِ الأَعلامِ المَشهورِينَ، صاحبُ ((تاريخ بغداد)) وغَيرِه من المُصنَّفاتِ العَديدةِ المُفيدةِ، وُلِدَ سَنةَ 392هـ، وكان أبوه أبو الحَسنِ الخَطيبُ قد قَرأَ على أبي حَفصٍ الكِتَّانيِّ، وصار خَطيبَ قَريةِ درزيجان، إحدى قُرى العِراقِ، فحَضَّ وَلدَه أبا بكرٍ على السَّماعِ في صِغَرِه، فسَمِعَ وله إحدى عشرة سَنةً، نَشأَ ببغداد، وتَفَقَّهَ على أبي طالبٍ الطَّبريِّ وغَيرِه من أَصحابِ الشيخِ أبي حامدٍ الأسفراييني، وسَمِعَ الحَديثَ الكَثيرَ، ورَحلَ إلى البَصرةِ, ونيسابور, وأصبهان، وهمذان, والشامِ, والحِجازِ. وسُمِّيَ الخَطيبَ لأنه كان يَخطُب بدرزيجان، ولمَّا وقعت فِتنةُ البساسيري ببغداد سَنةَ 450هـ خَرجَ الخَطيبُ إلى الشامِ فأَقامَ بدِمشقَ بالمأذَنةِ الشرقيَّةِ مِن جامِعِها، وكان يَقرأُ على الناسِ الحَديثَ، وكان جَهورِيَّ الصوتِ، يُسمَع صَوتُه من أَرجاءِ الجامعِ كُلِّها، فاتَّفَق أنه قَرأَ على الناسِ يومًا فَضائلَ العبَّاسِ فثَارَ عليه الرَّوافِضُ من أَتباعِ الفاطِميِّين، فأَرادوا قَتْلَه فتَشَفَّعَ بالشَّريفِ الزَّينبيِّ فأَجارَهُ، وكان مَسكَنُه بدارِ العقيقي، ثم خَرجَ من دِمشقَ فأَقامَ بمَدينةِ صور، فكَتبَ شَيئًا كَثيرًا من مُصنَّفاتِ أبي عبدِ الله الصوري بِخَطِّهِ كان يَستَعيرُها من زَوجَتِه، فلم يَزَل مُقيمًا بالشامِ إلى سَنةِ 462هـ، ثم عاد إلى بغداد فحَدَّثَ بأَشياءَ من مَسمُوعاتِه، وله مُصنَّفاتٌ كَثيرةٌ مُفيدةٌ، نحو من سِتِّينَ مُصَنَّفًا، ويُقالُ: بل مائة مُصَنَّف، منها كتاب ((تاريخ بغداد))، وكتاب ((الكفاية))، و((الجامع))، و((شرف أصحاب الحديث))، و((المتفق والمفترق))، و((السابق واللاحق))، و((تلخيص المتشابه في الرسم))، و((اقتضاء العلم للعمل))، و((الفقيه والمتفقه))، وغير ذلك، ويُقال: إن هذه المُصَنَّفات أَكثرُها لأبي عبدِ الله الصوري، أو ابتَدأَها فتَمَّمَها الخَطيبُ، وجَعَلَها لِنَفسِه، قال الذهبيُّ: "ما الخَطيبُ بِمُفْتَقِرٍ إلى الصوري، هو أَحْفَظُ وأَوْسَعُ رِحلةً وحَديثًا ومَعرِفةً" كان الخَطيبُ أولا أَوَّلَ أَمرِهِ يَتكلَّم بمَذهبِ الإمامِ أَحمدَ بن حَنبلٍ، فانتَقلَ عنه إلى مَذهبِ الشافعيِّ. كان مَهيبًا وَقورًا، ثِقَةً مُتَحَرِّيًا، حُجَّةً، حَسَنَ الخَطِّ، كَثيرَ الضَّبْطِ، فَصيحًا، خُتِمَ به الحُفَّاظِ، قال ابنُ ماكولا: "كان أبو بكرٍ آخِرَ الأَعيانِ، ممَّن شاهَدناه مَعرِفةً، وحِفظًا، وإتقانًا، وضَبطًا لِحَديثِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وتَفَنُّنًا في عِلَلِهِ وأَسانيدِه، وعِلمًا بصَحيحِه وغَريبِه، وفَرْدِه ومُنكَرِه ومَطروحِه، ولم يكُن للبَغداديِّينَ بعدَ أبي الحَسنِ الدَّارقطنيِّ مِثلُه". كان الخَطيبُ يقول: "مَن صَنَّفَ فقد جَعلَ عَقلَهُ على طَبَقٍ يُعرِضُه على الناسِ", "كان للخَطيبِ ثَروةٌ من الثِّيابِ والذَّهبِ، وما كان له عَقِبٌ، فكَتبَ إلى القائمِ بأَمرِ الله قال له: إنَّ مالي يَصيرُ إلى بَيتِ مالٍ، فَأْذَنْ لي حتى أُفَرِّقَهُ فيمَن شِئتُ. فأَذِنَ له، ففَرَّقَها على المُحَدِّثين". تُوفِّيَ يومَ الاثنين ضُحًى، وله ثِنتانِ وسَبعون سَنةً، في حُجرَةٍ كان يَسكُنها بِدَربِ السلسلةِ، جِوارَ المَدرسةِ النِّظاميَّةِ، واحتَفلَ الناسُ بجِنازَتِه، وكان فيمَن حَملَ نَعشَه الشيخُ أبو إسحاقَ الشِّيرازيُّ، ودُفِنَ إلى جانبِ قَبرِ بِشْرٍ الحافيِّ.

#1628
العام الهجري :464العام الميلادي :1071

إِنكارُ الشيخِ الشِّيرازيِّ مع عَددٍ من الحَنابِلَةِ على المُفسِدِينَ .

قام الشيخُ أبو إسحاقَ الشِّيرازيُّ مع الحَنابِلَةِ في الإنكارِ على المُفسِدِينَ، والذين يَبيعُونَ الخُمورَ، وفي إِبطالِ المُؤاجِراتِ وَهُنَّ البَغايا، وكَتَبوا إلى السُّلطانِ في ذلك، فجاءَت كُتُبُه في الإنكارِ.

#1629
العام الهجري :464العام الميلادي :1071

حُدوثُ زَلزَلةٍ عَظيمةٍ ببغداد .

حدوث حَدَثَت زَلزلةٌ عَظيمةٌ ببغداد ارتَجَّت لها الأَرضُ سِتَّ مَرَّاتٍ، وفيها كان مَوتٌ ذَرِيعٌ في الحيواناتِ، بحيث أنَّ بعضَ الرُّعاةِ بخُراسان قام وقتَ الصباحِ لِيَسرَحَ بِغَنَمِه فإذا هُنَّ قد مِتْنَ كُلُّهُنَّ، وجاء سَيْلٌ عَظيمٌ وبَرَدٌ كِبارٌ أَتلَفَ شَيئًا كَثيرًا من الزُّروعِ والثِّمارِ بخُراسان.

#1630
العام الهجري :464العام الميلادي :1071

السُّلطانِ ألب أرسلان يسيطر على قَلعةَ فضلون الكُرديِّ بفارِس .

سَيَّرَ السُّلطانُ ألب أرسلان وَزيرَهُ نِظامَ المُلْكِ في عَسكرٍ إلى بِلادِ فارِس، وكان بها حِصْنٌ من أَمنَعِ الحُصونِ والمَعاقِلِ، وفيه صاحبُه فضلون الكُرديُّ، وهو لا يُعطِي الطَّاعةَ، فنازَلَهُ وحَصرَهُ، ودَعاهُ إلى طَاعةِ السُّلطانِ فامتَنَع، فقاتَلَهُ فلم يَبلُغ بقِتالِه غَرَضًا لِعُلُوِّ الحِصنِ وارتِفاعِه، فلم يَطُل مَقامُهم عليه حتى نادَى أَهلُ القَلعةِ بَطَلَبِ الأَمانِ لِيُسَلِّموا الحِصنَ إليه، فعَجبَ الناسُ من ذلك، وكان السببُ فيه أنَّ جَميعَ الآبارِ التي بالقَلعةِ غارَت مِياهُها في لَيلةٍ واحدةٍ فقادَتهُم ضُرورةُ العَطَشِ إلى التَّسليمِ، فلمَّا طَلَبوا الأَمانَ أَمَّنَهُم نِظامُ المُلْكِ، وتَسلَّمَ الحِصنَ، والْتَجَأَ فضلون إلى قُلَّةِ القَلعَةِ، وهي أَعلَى مَوضِعٍ فيها، وفيه بِناءٌ مُرتفِعٌ، فاحتَمَى فيها، فسَيَّرَ نِظامُ المُلْكِ طائِفةً من العَسكرِ إلى المَوضِعِ الذي فيه أَهلُ فضلون وأَقارِبُه لِيَحمِلوهُم إليه ويَنهَبوا مالَهم، فسَمِعَ فضلون الخَبَرَ، ففارَقَ مَوضِعَه مُستَخفِيًا فيمَن عنده من الجُنْدِ، وسار لِيمنَع عن أَهلِه، فاستَقبَلَتهُ طلائِعُ نِظامِ المُلْكِ، فخافَهُم فتَفَرَّقَ مَن معه، واختَفَى في نَباتِ الأَرضِ، فوَقعَ فيه بَعضُ العَسكرِ، فأَخذَه أَسيرًا، وحَملَه إلى نِظامِ المُلْكِ، فأَخَذَهُ وسارَ به إلى السُّلطانِ فأَمَّنَهُ وأَطلَقَهُ.

#1631
العام الهجري :464العام الميلادي :1071

مُحاوَلةُ ناصرِ الدَّولةِ ابنِ حمدان التَّغلبيِّ القَضاءَ على دَولةِ المُستَنصِر بالله الفاطِميِّ .

وَقعَ نِزاعٌ بين فِرقَتينِ، فِرقةِ العَبيدِ وعَرَبِ الصَّعيدِ، وفِرقةِ الجُنْدِ مِن التُّركِ والمَغارِبَةِ، ورَأسُهم ناصرُ الدَّولةِ ابنُ حمدان التَّغلبيُّ، فالتَقوا بكومِ الريش، فهَزمَهم ابنُ حمدان، وقَتَلَ وغَرَّقَ نحوًا من أربعين ألفًا. ونَفَدَت خَزائنُ المُستَنصِر على التُّركِ، ثم اختَلَفوا، ودامت الحَربُ أيامًا، وطَمِعَ التُّركُ في المُستَنصِر، وطالبوه حتى بِيعَت فُرُشُ القَصرِ، وأَمتِعَتُه بأَبخَسِ ثَمَنٍ، وغَلَبَت العَبيدُ على الصَّعيدِ، وقَطَعوا الطُّرُقَ، وكان نَقْدُ الأَتراكِ في الشهرِ أربعَ مائة ألف دِينارٍ، واشتَدَّت وَطأةُ ناصرِ الدَّولةِ، وصار هو الكُلُّ، فحَسَده الأُمراءُ، وحارَبوهُ، فهَزَموه، ثم جَمَعَ وأَقبلَ فانتَصَر، واضمَحلَّ أَمرُ المُستَنصِر بالمَرَّةِ، وخَملَ ذِكْرُهُ. وبَعثَ ابنُ حمدان يُطالِبُه بالعَطاءِ، فَرآهُ رَسولُه على حَصيرٍ، وما حوله سِوى ثلاثةِ غِلمانٍ. فقال: أما يكفي ناصرَ الدَّولةِ أن أَجلِسَ في مثلِ هذا الحالِ؟ فبَكَى الرسولُ، ورَقَّ له ناصرُ الدَّولةِ، وقَرَّرَ له كلَّ يومٍ مائةَ دِينارٍ, وتَفرَّق عن المُستَنصِر أَولادُه، وأَهلُه من الجوعِ، وتقرفوا وتَفَرَّقوا في البلادِ، ودامَ الجَهْدُ عامين، ثم انحَطَّ السِّعْرُ في سَنةِ خمسٍ وسِتِّين. قال الذهبيُّ: "كان ناصرُ الدَّولةِ، يُظهِر التَّسَنُّنَ، ويَعِيبَ المُستَنصِرَ لِخُبْثِ رَفْضِهِ وعَقِيدَتِه" قال ابنُ الأَثيرِ: بالَغَ ابنُ حمدان في إهانَةِ المُستَنصِر، وفَرَّقَ عنه عامَّةَ أَصحابِه، وكان غَرضُه أن يَخطُبَ لأَميرِ المؤمنين القائمِ، ويُزيلَ دَولةَ الباطنِيَّة، وما زال حتى قَتَلَهُ الأُمراءُ، وقَتَلوا أَخوَيهِ فَخْرَ العَربِ، وتاجَ المعالي، وانقَطَع ذِكْرُ الحمدانية بمصر بالكُلِّيَّةِ"

#1632
العام الهجري :465العام الميلادي :1072

وَفاةُ ناصِرِ الدَّولةِ ابنِ حمدان التُّركيِّ .

هو الأَميرُ الكَبيرُ، ناصِرُ الدَّولةِ، حُسينُ بنُ الأَميرِ ناصِرِ الدَّولةِ وسَيفِها حَسنِ بنِ الحُسينِ ابنِ صاحِبِ المَوصِل ناصِرِ الدَّولةِ، أبي مُحمدٍ الحَسنِ بنِ عبدِ الله بن حمدان، التَّغلبيُّ. كان أَبوهُ حَسنٌ قد عَمِلَ نِيابةَ دِمشقَ لصاحِبِ مصر المُستَنصِر، ونَشأَ ناصرُ الدَّولةِ، فكان أَحَدَ الأَبطالِ، شَهْمًا شُجاعًا، مِقدامًا مَهِيبًا، وافِرَ الحِشمَةِ، تَمَكَّنَ بمِصرَ، وتَقدَّم على أُمَرائِها، وجَرَت له حُروبٌ وخُطوبٌ وعَجائِبُ، وأَظهرَ بمصر السُّنَّةَ، وكان عازِمًا على إِقامَةِ الدَّعوةِ لِبَنِي العبَّاسِ، فإنَّه تَهَيَّأَت له الأَسبابُ، وقَهَرَ المُستَنصِرَ بالله العُبيديَّ، قال الذهبيُّ: "كان عَمَّالًا على إِقامَةِ الدَّولةِ لِبَنِي العبَّاسِ، وقَهْرِ العُبيديَّة، وتَهَيَّأَت له الأَسبابُ، وتَرَكَ المُستَنصِر على بَرْدِ الدِّيارِ، وأَبادَ الكِبارَ، إلى أن وَثَبَ عليه أَتراكٌ، فقَتَلوهُ" وكان قد وَلِيَ إِمْرَةَ دِمشقَ أيضًا، وكان قد رَاسلَ ناصِرُ الدَّولةِ السُّلطانَ ألب أرسلان لِيَنجِدَهُ بعَسكرٍ للقَضاءِ على العُبيديِّين فأَجابَه. فلمَّا خَشِيَ الأُمراءُ على أَنفُسِهم منه انتَدَبوا لاغتِيالِه وللفَتْكِ به إلدكزَ  التُّركيَّ في جَماعةٍ من الأُمراءِ، فقَتَلوهُ وقَتَلوا أَخويهِ تاجَ المعالي وفَخْرَ العَربِ، وانتهى ذِكْرُ بني حمدان في مصر.

134 135 136 137 138
#

نَبْع

أصل صافٍ للمعرفة الشرعية

للمزيد قم بزيارة موقعنا

nabe.vercel.app