دخول قبائل المَغربِ الأقصى في طاعة يُوسف بن تاشفين .
بعد أن قامَ يُوسفُ بن تاشفين بِفَتحِ مدينةِ فاس، أَخضعَ مُعظمَ نواحي المَغربِ الجَنوبيَّة والوُسطى، ودَخلَ في طاعتِه قبائلُ مغراتة وزناتة وبني يفرن.
رحلة عبر الزمن في تاريخنا الإسلامي العريق
بعد أن قامَ يُوسفُ بن تاشفين بِفَتحِ مدينةِ فاس، أَخضعَ مُعظمَ نواحي المَغربِ الجَنوبيَّة والوُسطى، ودَخلَ في طاعتِه قبائلُ مغراتة وزناتة وبني يفرن.
خَرجَ المُستَنصِرُ الفاطمي على عادَتهِ في كلِّ سَنَةٍ يَركبُ على النُّجُبِ ومعه النِّساءُ والحَشَمُ إلى جب عميرة، وهو موضع نُزهَةٍ، ويُغيِّر هَيئتَه، كأنَّه خارجٌ يُريدُ الحَجَّ على سَبيلِ الهَزْرِ والمَجانَةِ، ومعه الخَمْرُ مَحمولٌ في الرَّوايا عِوَضًا عن الماءِ، ويَدورُ به سُقاتِه عليه وعلى مَن معه كأنَّه بِطريقِ الحِجاز أو كأنه ماءُ زمزم؛ واتَّفقَ أن بعضَ الأَتراكِ جَرَّدَ سَيْفًا في سَكْرَةٍ منه على بَعضِ عَبيدِ الشِّراءِ، فاجتَمعَ عليه عِدَّةٌ من العَبيدِ وقَتلوهُ. فغَضِبَ لذلك جَماعةُ الأَتراكِ واجتَمَعوا بأَسرِهم ودَخَلوا على المُستَنصِر، وقالوا: إن كان هذا الذي قُتِلَ مِنَّا على رِضاكَ فالسَّمعُ والطَّاعة، وإن كان قَتْلُه عن غيرِ رِضا أَميرِ المؤمنين فلا صَبرَ لنا على ذلك. وأَنكرَ المُستَنصِر أن قَتْلَه بِرضاهُ أو أَمرِه؛ فخَرجَ الأتراكُ واشتَدُّوا على العَبيدِ يُريدون مُحاربَتَهم، فبَرَزَت العَبيدُ إليهم؛ وكانت بين الفَريقينِ حُروبٌ بِناحِيَةِ كَومِ شَريكٍ قُتِلَ فيها عِدَّةٌ، وانهَزمَ العَبيدُ وقَوِيَت الأتراكُ؛ هذا وأُمُّ المُستَنصِر تَمُدُّ العَبيدَ بالأَموالِ والسِّلاحِ، فاتَّفقَ في بعضِ الأيامِ أن بعضَ الأَتراكِ وقفَ على شيءٍ ممَّا تَبْعَثُ به أُمُّ المُستَنصِر إلى العَبيدِ لِتُعينَهم به على مُحاربةِ الأَتراكِ، فاجتَمَعوا وصاروا إلى المُستَنصِر وتَجَرَّءُوا عليه بالقَولِ وأَغلَظوا في المُخاطبةِ؛ فأَنكرَ أن يكون عندَه مِن ذلك خَبَرٌ، وصار السَّيفُ قائمًا. فدَخلَ على أُمِّه وأَنكرَ عليها ما تَعتمِدهُ مِن تَقويَةِ العَبيدِ وإعانتِهم على مُحاربةِ الأَتراكِ، ثم انتَدبَ وَزيرَهُ أبا الفَرجِ ابن المغربي، فخَرجَ ولم يَزل يَسعى بين الأتراكِ والعَبيدِ حتى أَوقعَ الصُّلحَ بين الفَريقين. فاجتَمعَ العَبيدُ وساروا إلى ناحيةِ شبرا دمنهور. فكانت هذه الكائنةُ أوَّلَ الاختلافِ بين طَوائفِ العَسكر.
هو المُعِزُّ بن باديس بن المنصور بن بلكين بن زيري بن مناد الحِميريُّ الصَّنهاجيُّ، صاحبُ إفريقية وما والاها مِن بلادِ المَغرب، وكانت وِلادتُه بالمَنصوريَّة، ويُقال لها صبرة، من أَعمالِ إفريقية، يومَ الخميسِ لِخَمسٍ مَضَيْنَ من جمادى الأُولى سنةَ 398هـ، ومَلَكَ بعدَ أَبيهِ باديس سنةَ 406هـ, وكان الحاكمُ العُبيدي صاحبُ مصر قد لَقَّبَهُ شَرَفَ الدَّولةِ، وسَيَّرَ له تَشريفًا وسِجِلًّا يَتضمَّن اللَّقب سنةَ 447هـ, وكان مَلِكًا جَليلًا عالي الهِمَّة، مُحِبًّا لأهلِ العِلمِ كَثيرَ العَطاءِ، وكان واسطة عقد بيته, ومَدحَه الشُّعراءُ وانتَجعَه الأُدباءُ، وكانت حَضرتُه مَحَطَّ الآمالِ. وكان مَذهبُ أبي حنيفة بإفريقية أَظهرَ المذاهِب، فحَمَلَ المُعِزُّ جميعَ أَهلِ المَغربِ على التَّمَسُّكِ بمَذهبِ الإمامِ مالك، وحَسَمَ مادةَ الخِلافِ في المَذاهبِ, خَلَعَ طاعةَ العُبيديِّين الإسماعيلية، وخَطَبَ للقائمِ بأَمرِ الله العبَّاسي، فبَعَثَ إليه المُستَنصِر يَتهدَّدهُ، فلم يَخَفْهُ، فجَهَّزَ لمُحارَبتِه من مصر العَربَ، فخَرَّبوا حُصونَ برقة وإفريقية، وأَخذوا أماكنَ، واستَوطَنوا تلك الدِّيارَ, من هذا الزمانِ لم يُخطَب لِبَني عُبيدٍ بعدَها. تُوفِّي من مَرضٍ أَصابهُ، وهو ضَعْفُ الكَبِدِ، وكانت مُدَّةُ مُلكِه سبعًا وأربعين سنةً، ولمَّا تُوفِّي مَلَكَ بعدَه ابنُه تُميمٌ، ولمَّا استَبَدَّ بالمُلْكِ بعدَ أَبيهِ سَلَكَ طَريقَه في حُسْنِ السِّيرةِ، ومُحَبَّةِ أَهلِ العِلمِ، إلَّا أنه كان أصحاب البلاد إلَّا أنَّ أصحابَ البِلادِ قد طَمِعوا بَسببِ العَربِ، وزالت الهَيبةُ والطَّاعةُ عنهم في أَيامِ المُعِزِّ، فلمَّا مات ازدادَ طَمعُهم، وأَظهرَ كَثيرٌ منهم الخِلافَ.
خَطَبَ السُّلطانُ طُغرلبك ابنةَ الخليفةِ، فانزَعجَ الخليفةُ من ذلك، وقال: هذا شيءٌ لم تَجْرِ العادةُ بمِثلهِ، ثم طَلَبَ شيئًا كَثيرًا كهَيئةِ الفِرارِ، من ذلك أنه طَلبَ ما كان لِزَوجتِه التي تُوفِّيت من الإقطاعات بأرضِ واسط، و300 ألف دينارٍ، وأن يُقيمَ السُّلطانُ طُغرلبك ببغداد لا يَرحل عنها ولا يومًا واحدًا، فوقعَ الاتِّفاقُ على بعضِ ذلك، وأَرسلَ إليها بمائةِ ألف دينارٍ مع أرسلان خاتون ابنةِ أَخيهِ داودَ وزَوجةِ الخليفةِ، وأشياءَ كثيرةٍ من آنيةِ الذَّهَبِ والفِضَّة، والنِّثارِ والجَواري، ومِن الجواهرِ ألفانِ ومائتي قِطعةٍ، من ذلك سبعمائة قِطعةٍ من جَوهرٍ، وزنُ القِطعةِ ما بين الثلاثِ مَثاقيل إلى المِثقالِ، وأشياءَ أُخرى، فتَمَنَّع الخليفةُ لِفَواتِ بَعضِ الشُّروطِ، فغَضِبَ عَميدُ المُلْكِ الوزيرُ لِمَخدُومهِ السُّلطان، وجَرَت شُرورٌ طويلةٌ اقتَضَت أن أَرسلَ السُّلطانُ كِتابًا يَأمرُ الخليفةَ بانتِزاعِ ابنةِ أَخيهِ السيدة أرسلان خاتون، ونَقلِها من دارِ الخِلافةِ إلى دار المَملكةِ، حتى تَنفصِل هذه القَضيَّة، فعَزَم الخَليفةُ على الرَّحيلِ من بغداد، فانزَعجَ النَّاسُ لذلك، وجاء كِتابُ السُّلطانِ إلى رئيسِ شِحْنَةِ – القَيِّم لِضَبطِ البَلدِ- بغداد برشتق يَأمُره بعدمِ المُراقبةِ وكَثرةِ العَسْفِ في مُقابلةِ رَدِّ أصحابِه بالحِرمانِ، ويَعزِم على نَقلِ الخاتون إلى دارِ المُلْكِ، وأَرسلَ مَن يَحمِلها إلى البلدِ التي هو فيها، كل ذلك غَضَبًا على الخَليفةِ، ووَرَدَت الكُتبُ الكثيرةُ من السُّلطانِ طُغرلبك يشكو من قِلَّةِ إنصافِ الخليفةِ، وعَدمِ مُوافقَتِه له، ويَذكُر ما أَسداهُ إليه من الخيرِ والنِّعَمِ إلى مُلوكِ الأَطرافِ، وقاضي القُضاة الدَّامغاني، فلمَّا رأى الخليفةُ ذلك، وأنَّ السُّلطان أَرسلَ إلى نُوَّابِه بالاحتياطِ على أَموالِ الخليفةِ، كَتبَ إلى السُّلطانِ يُجيبُه إلى ما سألَ، فلمَّا وَصلَ ذلك إلى طُغرلبك فَرِحَ فَرحًا شَديدًا، وأَرسلَ إلى نُوَّابِه أن يُطلِقوا أَملاكَ الخَليفةِ، واتَّفقَت الكَلِمةُ بعدَ أن كادت تَتَفرَّق، فوَكَلَ الخَليفةُ في العَقْدِ، فوَقعَ العَقْدُ بمدينةِ تبريز بحَضرةِ السُّلطانِ طُغرلبك، وعَمِلَ سِماطًا عظيمًا، فلمَّا جيءَ بالمُوكِلة قام لها السُّلطانُ وقَبَّلَ الأرضَ عند رُؤيتِها، ودعا للخَليفةِ دُعاءً كثيرًا، ثم أَوجبَ العَقْدَ على صَداقِ أربعمائة ألف دينارٍ، وذلك في يوم الخميس الثالث عشر من شعبان، ثم بَعثَ ابنةَ أَخيهِ الخاتون زوجةَ الخليفةِ في شوال بتُحَفٍ كثيرةٍ، وجَوهرٍ وذَهَبٍ كَثيرٍ، وجَواهرَ عديدةٍ ثَمينةٍ، وهدايا عَظيمةٍ لأُمِّ العَروسِ وأَهلِها، ولمَّا استَقرَّ السُّلطانُ ببغداد أَرسلَ وَزيرَه عَميدَ المُلْكِ إلى الخليفةِ يُطالِبه بِنَقْلِ ابنتِه إلى دارِ المملكةِ فتَمنَّع الخليفةُ من ذلك وقال: إنَّكم إنَّما سألتُم أن يُعقَد العَقْدُ فقط بحُصولِ التَّشريفِ، والتَزمتُم لها بِعَوْدِ المُطالبةِ، فتَردَّد النَّاسُ في ذلك بين الخليفةِ والسُّلطانِ، وأَرسلَ السُّلطانُ زيادةً على النَّقْدِ مائةَ ألف دينارٍ ومائة وخمسين ألف درهمٍ، وتُحَفًا أُخَرَ، وأشياءَ لطيفةً، فلمَّا كان ليلة الاثنين الخامس عشر من صفر سنة455هـ زُفَّت السيدةُ ابنةُ الخليفةِ إلى دارِ المملكةِ، فضُرِبَت لها السُّرادِق من دِجلة إلى دارِ المملكةِ، وضُرِبت الدَّبادِبُ والبُوقاتُ عند دُخولِها إلى الدارِ.
هو الفَقيهُ، العلَّامةُ، القاضي المُؤرِّخ أبو عبدِالله محمدُ بن سَلامةَ بن جَعفرٍ المعروفُ بالقَضاعي، المِصري، الشافعي، كان من الثِّقاتِ الأثباتِ, إمامًا في الفِقهِ والحديثِ، وكان يَنوبُ في القَضاءِ بمصر أيامَ المُستَنصِر الفاطمي, وكان المُستَنصِر قد أَرسلَهُ في سِفارةٍ للتَّفاوُضِ مع إمبراطورِ الرُّومِ في القسطنطينية بشأنِ العِلاقة بين الدَّولتينِ. وهو صاحبُ كتابِ (الشِّهاب) مُجرَّدًا ومُسنَدًا، وتَولَّى القَضاءَ بمصر, واشتَغلَ بالتَّاريخِ وله عِدَّةُ تَصانيف: منها كتاب (أخبار الشافعي) وكتاب (الإنباء عن الأنبياء) و(تَواريخ الخُلفاء) وله كتاب (خطط مصر) اعتَمدَ عليه المَقريزي في خططه, وكان مُفَنَّنًا في عِدَّةِ عُلومٍ. تُوفِّي بمصر، وصُلِّيَ عليه يومَ الجُمعةِ بعدَ العَصرِ في مُصَلَّى النَّجَّارِ.
قَدِمَ الصليحي اليمني مكَّةَ بعدَ ما مَلَكَ اليمنَ كُلَّهُ سَهْلَهُ وجَبَلَهُ، وبَرَّهُ وبَحْرَهُ، وأقامَ بها وبمَكَّةَ دَعوةً المُستَنصِر، وكَسَا الكعبةَ حَريرًا أبيضَ، ورَدَّ حِليةَ البَيتِ إليه؛ وكان بنو حسنٍ قد أَخذوها ومَضوا بها إلى اليمنِ، فاشتَراها منهم، وأَعادَها في هذه السَّنةِ. واستَخلفَ على مكَّةَ محمدَ بن أبي هاشم، وعاد إلى اليمنِ.
وَقعَت بالشَّامِ زَلزلةٌ عَظيمةٌ خَرِبَ منها كَثيرٌ من البلادِ، وانهَدمَ سُورُ طرابلس.
هو السُّلطانُ الكبيرُ، رُكْنُ الدِّين، أبو طالبٍ، طُغرلبك محمدُ بن ميكائيل بن سَلجوق بن دقاق أوَّلُ مُلوكِ السَّلاجِقة, وأَصلُ السَّلاجِقة مِن بَرِّ بُخارى؛ لهم عددٌ وقُوَّةٌ وإِقدامٌ، وشَجاعةٌ وشَهامةٌ وزَعارةٌ، فلا يَدخُلون تحتَ طاعةٍ، وإذا قَصدَهُم مَلِكٌ دَخَلوا البَرِّيَّة, ثم إن طُغرلبك عَظُمَ سُلطانُه، وطَوَى المَمالِكَ، واستولى على العِراقِ في سنة 447هـ، وتَحبَّبَ إلى الرَّعيَّةِ بِعَدْلٍ مَشُوبٍ بِجَوْرٍ، وكان حَليمًا كَثيرَ الاحتمالِ، شَديدَ الكِتمانِ للسِّرِّ، مُحافِظًا على الصَّلواتِ، وعلى صَومِ الاثنينِ والخَميسِ، مُواظِبًا على لُبْسِ البَياضِ، ويبني المَساجِد، ويَتصدَّق، سار السُّلطانُ طُغرلبك من بغداد، في رَبيعٍ الأوَّل، إلى بلدِ الجَبَلِ، فوَصلَ إلى الرَّيِّ واستَصحَب معه أرسلان خاتون ابنةَ أَخيهِ، زَوجةَ الخليفةِ، لأنَّها شَكَت إطراحَ الخليفةِ لها، فأَخذَها معه، فمرضَ، فلمَّا كانت ليلةُ الأحدِ الرابع والعشرين من رمضان جاء الخبرُ بأنَّه تُوفِّي في ثامنِ الشهرِ، فثار العَيَّارُون فقَتَلوا وَزيرَ السُّلطانِ عَميدَ المُلْكِ الكندريَّ وسبعمائة من أصحابِه، ونَهَبوا الأموالَ، وجَعَلوا يأكلون ويشربون على القَتْلَى نهارًا، حتى انسلخَ الشهرُ وأُخِذَت البَيْعَةُ بعدَه لِوَلَدِ أخيهِ سُليمان بن داودَ، وكان طُغرلبك قد نَصَّ عليه وأَوصَى إليه، لأنَّه كان قد تَزَوَّج بأُمِّهِ، واتَّفَقَت الكَلمةُ عليه، ولم يبق عليه خَوْفٌ إلَّا مِن جِهَةِ أَخيهِ المَلِكِ عَضُدِ الدَّولةِ ألب أرسلان محمد بن داود، وكان مُدَّةُ مُلْكِ طُغرلبك بحَضرةِ القائمِ بأمرِ الله سبعَ سنين وإحدى عشر شهرًا، واثني عشر يومًا وكان عُمُرُهُ يومَ مات سبعين سنة.
لمَّا خُطِبَ لسُليمانَ بن داودَ بالسَّلْطَنَةِ اختَلفَ الأُمراءُ، فمَضَى باغي سيان وأردم إلى قَزوين، وخَطَبا لأَخيهِ عَضُدِ الدَّولةِ ألب أرسلان محمدِ بن داودَ جغري بك بن ميكائيل بن سلجوق، ابن أخي طُغرلبك وهو حينئذٍ صاحبُ خُراسان، ومعه نِظامُ المُلْكِ وَزيرُه، والناسُ مائِلونَ إليهِ، وكذلك الجَيشُ كانوا يَميلونَ إليهِ، وقد خَطَبَ له أَهلُ الجَبَلِ ومعه نِظامُ المُلْكِ أبو عليٍّ الحَسنُ بن عَلِيِّ بن إسحاقَ وَزيرُه، ولمَّا رأى الكندريُّ قُوَّةَ أَمرِه خَطَبَ له بالرَّيِّ، ثم مِن بَعدِه لأَخيهِ سُليمانَ بنِ داودَ.
لمَّا مَلَكَ ألب أرسلان عَصَى عليه أَميرُ ختلان بِقَلعَتِه، ومَنعَ الخَراجَ، فقَصدَهُ السُّلطانُ، فرأى الحِصْنَ مَنيعًا على شاهقٍ، فأَقامَ عليه وقاتَلَهُ، فلم يَصِل منه إلى مُرادِه، ففي بَعضِ الأيَّامِ باشَرَ ألب أرسلان القِتالَ بِنَفسِه، وتَرَجَّلَ، وصَعَدَ في الجَبلِ، فتَبِعَهُ الخَلْقُ، وتَقدَّموا عليه في المَوقِف، وأَلَحُّوا في الزَّحْفِ والقِتالِ، وكان صاحبُ القَلعَةِ على شُرْفَةٍ من سُورِها يُحَرِّضُ الناسَ على القِتالِ، فأَتتهُ نُشَّابَةٌ من العَسكرِ فقَتَلَتْهُ، وتَسلَّم ألب أرسلان القَلعةَ وصارت في جُملةِ مَمالِكِه، وكان عَمُّهُ فَخْرُ المُلْكِ بيغو بن ميكائيل في هراة، فعَصَى أيضًا عليه، وطَمِعَ في المُلْكِ لِنَفسِه، فسار إليه ألب أرسلان في العَساكِرِ العَظيمةِ، فحَصَرَهُ وضَيَّقَ عليه، وأَدامَ القِتالَ لَيلًا ونَهارًا، فتَسَلَّمَ المَدينةَ، وخَرجَ عَمُّهُ إليه، فأَبقى عليه وأَكرَمَهُ وأَحسَنَ صُحبَتَهُ، وسار من هناك إلى صغانيان، وأَميرُها اسمُه موسى، وكان قد عَصَى عليه، فلمَّا قارَبَهُ ألب أرسلان صَعَدَ موسى إلى قَلعةٍ على رَأسِ جَبلٍ شاهِقٍ، ومعه مِن الرِّجالِ الكُماةِ جَماعةٌ كَثيرةٌ، فوَصَل السُّلطانُ إليه، وباشَر الحَربَ لِوَقتِه، فلم يَنتَصِف النَّهارُ حتى صَعدَ العَسكرُ الجَبلَ، ومَلَكوا القَلعةَ قَهْرًا، وأُخِذَ موسى أَسِيرًا، فأَمَر بِقَتلِه، فبَذَلَ في نَفسِه أَموالًا كَثيرةً، فقال السُّلطانُ: ليس هذا أوانَ تِجارَةٍ. واستَولَى على تلك الوِلايةِ بأَسْرِها، وعاد إلى مرو، ثم منها إلى نيسابور.
سار السُّلطانُ ألب أرسلان من الرَّيِّ إلى أذربيجان، فوَصلَ إلى مرند عازِمًا على قِتالِ الرُّومِ وغَزْوِهِم، فلمَّا فَرَغَ مِن جَمعِ العساكرِ والسُّفُنِ سار إلى بلادِ الكرج، وجَعلَ مَكانَه في عَسكرِه وَلَدَهُ ملكشاه، ونِظامَ المُلْكِ وَزيرَه، فسار ملكشاه ونِظامُ المُلْكِ إلى قَلعةٍ فيها جَمعٌ كَثيرٌ مِن الرُّومِ، فنَزلَ أَهلُها منها، وتَخَطَّفُوا من العَسكرِ، وقَتَلوا منهم فِئَةً كَثيرةً، فنَزلَ نِظامُ المُلْكِ وملكشاه، وقاتَلوا مَن بالقَلعةِ، وزَحَفوا إليهم، فقُتِلَ أَميرُ القَلعةِ ومَلَكَها المُسلِمون، وساروا منها إلى قَلعةِ سرماري، وهي قَلعةٌ فيها من المِياهِ الجاريةِ والبَساتين، فَقاتَلوها ومَلَكوها، وأَنزَلوا منها أَهلَها، وكان بالقُربِ منها قَلعةٌ أُخرى، ففَتَحَها ملكشاه، وأَرادَ تَخريبَها، فنَهاهُ نِظامُ المُلْكِ عن ذلك، وقال: هي ثَغْرٌ للمُسلِمين، وشَحَنَها بالرِّجالِ والذَّخائِر والأَموالِ والسِّلاحِ، وسَلَّمَ هذه القِلاعَ إلى أَميرِ نقجوان، وسار ملكشاه ونِظامُ المُلْكِ إلى مَدينةِ مريم نشين، وهي مَدينةٌ حَصينَةٌ، سُورُها مِن الأَحجارِ الكِبارِ الصَّلْبَةِ، المَشدُودةِ بالرَّصاصِ والحَديدِ، وعندَها نَهْرٌ كَبيرٌ، فأَعَدَّ نِظامُ المُلْكِ لِقِتالِها ما يَحتاجُ إليه من السُّفُنِ وغَيرِها، وقاتَلَها، فضَجِرَ الكُفَّارُ، وأَخذَهم الإعياءُ والكَلالُ، فوَصلَ المسلمون إلى سُورِها، ونَصَبوا عليه السَّلاليمَ، وصَعَدوا إلى أَعلاهُ، فلمَّا رأى أَهلُها المسلمين على السُّورِ فَتَّ ذلك في أَعضادِهِم، وسُقِطَ في أيديهِم، ودَخلَ ملكشاه البلدَ، ونِظامُ المُلْكِ، وأَحرَقوا البِيَعَ، وخَرَّبوها، وقَتَلوا كَثيرًا من أَهلِها، وأَسلمَ كَثيرٌ فنَجَوْا من القَتلِ، واستَدعَى ألب أرسلان إليه ابنَه، ونِظامَ المُلْكِ، وفَرِحَ بما يَسَّرَهُ الله من الفَتحِ على يَدِ وَلَدِه. وفَتَحَ ملكشاه في طَريقِه عِدَّةً من القِلاعِ والحُصونِ، وأَسَرَ من النَّصارَى ما لا يُحصَونَ كَثْرَةً. وساروا إلى سبيذ شهر، فجَرَى بين أَهلِها وبين المسلمين حُروبٌ شَديدةٌ استُشهِدَ فيها كَثيرٌ من المسلمين، ثم إنَّ الله تعالى يَسَّرَ فَتْحَها فمَلَكَها ألب أرسلان، وسار منها إلى مَدينةِ أعآل لآل، وهي حَصينةٌ، عاليةُ الأَسوارِ، شاهِقةُ البُنيانِ، وهي من جِهَةِ الشَّرقِ والغَربِ على جَبلٍ عالٍ، وعلى الجَبلِ عِدَّةٌ من الحُصونِ، ومن الجانِبينِ الآخرينِ نَهْرٌ كَبيرٌ لا يُخاض، فلمَّا رآها المسلمون عَلِموا عَجزَهم عن فَتْحِها والاستيلاءِ عليها، وكان مَلِكُها من الكرج، وعَقَدَ السُّلطانُ جِسْرًا على النَّهْرِ عَريضًا، واشتَدَّ القِتالُ، وعَظُمَ الخَطْبُ، فخَرَجَ من المدينةِ رَجُلانِ يَستَغيثانِ، ويَطلُبانِ الأَمانَ، والتَمَسا من السُّلطانِ أن يُرسِلَ معهما طائفةٌ من العَسكرِ، فسَيَّرَ جَمْعًا صالحًا، فلمَّا جاوَزُوا الفَصِيلَ أَحاطَ بهم الكرجُ من أَهلِ المدينةِ وقاتَلوهُم فأَكثَروا القَتْلَ فيهم، ولم يَتمَكَّن المسلمون من الهَزيمَةِ لِضِيقِ المَسْلَكِ، وخَرجَ الكَرجُ من البَلدِ وقَصَدوا العَسكرَ، واشتَدَّ القِتالُ، وكَبَّرَ المسلمون عليهم، فوَلَّوْا مُنهَزِمينَ، فدخلوا البلدَ والمسلمون معهم، ودَخلَها السُّلطانُ ومَلَكَها، واعتَصمَ جَماعةٌ من أَهلِها في بُرْجٍ من أَبراجِ المدينةِ، فقاتَلهُم المسلمون، فأَمَرَ السُّلطانُ بإلقاءِ الحَطَبِ حَولَ البُرجِ وإحراقِه، ففعل ذلك، وأَحرَق البُرجَ ومَن فيه، وعاد السُّلطانُ إلى خِيامِه، وغَنِمَ المسلمون من المدينةِ ما لا يُحَدُّ ولا يُحصَى، ولمَّا جَنَّ اللَّيلُ عَصَفَت رِيحٌ شَديدةٌ، وكان قد بَقِيَ من تلك النَّارِ التي أَحرَق بها البُرجَ بَقِيَّةٌ كَثيرةٌ، فأَطارَتها الرِّيحُ، فاحتَرقَت المَدينةُ بأَسْرِها، وذلك في رجب، ومَلَكَ السُّلطانُ قَلعةً حَصينةً كانت إلى جانبِ تلك المدينةِ، وأَخذَها، وسار منها إلى ناحيةِ قرس، ومدينة آني وبالقُربِ منها ناحيتان يُقال لهما: سيل ورده، ونورة، فخَرجَ أَهلُهما مُذعِنينَ بالإسلامِ، وخَرَّبوا البِيَعَ، وبَنوا المساجِدَ، وسار منها إلى مَدينةِ آني فوَصلَ إليها فرآها مَدينةً حَصينةً، شَديدةَ الامتِناعِ، لا تُرام، ثلاثةُ أَرباعِها على نَهرِ أرس، والرُّبعُ الآخرُ نَهْرٌ عَميقٌ شَديدُ الجَرْيَةِ، لو طُرِحَت فيه الحِجارةُ الكِبارُ لدَحاها وحَملَها، والطَّريقُ إليها على خَندقٍ عليه سُورٌ من الحِجارةِ الصُّمِّ، فحَصَرَها وضَيَّقَ عليها، إلا أنَّ المسلمين قد أَيِسُوا من فَتْحِها لِمَا رَأَوا من حَصانَتِها، فعَمِلَ السُّلطانُ بُرْجًا من خَشَبٍ، وشَحَنَهُ بالمُقاتِلَةِ، ورَماهُ بالنُّشَّابِ، ونَصَبَ عليه المِنْجَنيقَ، فكَشَفوا الرُّومَ عن السُّورِ، وتَقدَّم المسلمون إليه لِيَنقُبوهُ، فأَتاهُم مِن لُطْفِ الله ما لم يكُن في حِسابِهم، فانهَدَمت قِطعةٌ كَبيرةٌ من السُّورِ بغيرِ سَبَبٍ، فدَخَلوا المدينةَ وقَتَلوا من أَهلِها ما لا يُحصَى بحيث إنَّ كَثيرًا من المسلمين عَجَزوا عن دُخولِ البلدِ من كَثرةِ القَتلى، وأَسَروا نَحوًا مما قَتَلوا، وسارت البُشرَى بهذه الفُتوحِ في البلادِ، فسُرَّ المسلمون، وقُرِئ كِتابُ الفَتْحِ ببغداد في دارِ الخِلافةِ، ورَتَّبَ فيها السُّلطانُ أَميرًا في عَسكرٍ جَرَّارٍ، وعاد عنها، وقد راسَلهُ مَلِكُ الكرجِ في الهُدْنَةِ، فصالَحَهُ على أَداءِ الجِزْيَةِ كلَّ سَنَةٍ، فقَبِلَ ذلك.
قام جيوم دي مونري النورماندي بقِيادَةِ حَملَةٍ بَحرِيَّةٍ نَزلَت بِساحلِ قطلونية ثم سارت إلى الشَّرْقِ حتى وَصلَت إلى مَدينةِ ببشتر جنوب إسبانيا وكانت من أَعمالِ يُوسفَ بن سُليمانَ بن هود فحاصَروها حتى استَسلَمت فدَخَلها وأَمْعَنَ جُنْدُهُ في أَهلِها قَتْلًا ونَهْبًا وسَبْيًا، ولم يُبادِر أَحدٌ من أُمراءِ الطَّوائفِ بِنَجْدَتِه، ثم غادَرَ النورمانديون المدينةَ بعدَ أن تَركوا فيها حامِيةً من خَمسةِ آلافِ رَجُلٍ، حتى قام في السَّنَةِ التاليةِ أحمدُ بن سُليمانَ بن هود باستِنهاضِ هِمَمِ المسلمين وخَلَّصَ المدينةَ من الحامِيَةِ وتَلَقَّبَ بعدَها بالمُقتَدِر بالله.